يظهر من استقراء كتب الأصوليين أن التجديد الأصولي يتجلى في ثمانية محاور وهي:
▪︎ المحور الأول: {التجديد التمثيلي}.
بتنويع وتكثير الأمثلة على المسألة الأصولية، بدل الأمثلة المكررة المستهلكة؛ كتجديد القرافي، والطوفي، والشاطبي.
▪︎ المحور الثاني: {التجديد البنائي}.
ببناء مسائل الأصول من جديد، على غير مثال سابق؛ كتجديد ابن حزم، والشاطبي.
▪︎ المحور الثالث: {التجديد التنزيلي}.
بكثرة تنزيل قواعد الأصول على النصوص، والمسائل الفقهية؛ كتجديد ابن دقيق العيد، وابن رشد الحفيد، وابن تيمية.
▪︎ المحور الرابع: {التجديد الاستدلالي الاستنباطي}.
باستنباط أدلة جديدة للمسائل الأصولية، كاستنباطات الجصاص، وابن السمعاني، والقرافي، والشاطبي، وابن عثيمين.
▪︎ الم��ور الخامس: {التجديد التقريري}.
بحسن تقرير المسائل، وجمال أسلوب العرض، كتجديد الجويني، وأبو حامد الغزالي، والطوفي.
▪︎ المحور السادس: {التجديد الحدي}.
بضبط الحدود - أي التعريفات - الأصولية ونقدها بطريقة عالية، وأقوى من يمثل هذا أبو حامد الغزالي، فله عناية خاصة بضبط الحدود الأصولية.
▪︎ المحور السابع: {التجديد التكميلي الإضافي}.
بأن يضيف للمسألة الأصولية مباحث جديدة، أو يضيف مسائل جديدة لم تذكر قبله، ويمثل هذا القرافي، والزركشي، والشاطبي.
▪︎ المحور الثامن: {التجديد الترتيبي الموضوعي}.
بإيجاد مناسبة ظاهرة بين الموضوعات الأصولية في تتابعها، كما في ترتيب أبي حامد الغزالي للمستصفى.
د. سليمان النجران
﴿إِنَّ عِدَّةَ الش��ّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
حين ربط القرآن عدة الشهور بيوم خلق السماوات والأرض، أفاد أن هذا التقسيم الزمني سابقٌ على التاريخ البشري كله، لم تضعه أمةٌ ولم تتفق عليه حضارة، بل هو نظامٌ مقدَّر في علم الله منذ الخلق.
اقرأ تفسير الآية من المختصر في تفسير القرآن الكريم، ولمزيد من التفسير يمكن اقتناء المختصر في تفسير القرآن الكريم – آية وتفسير عبر متجر تفسير على هذا الرابط:
https://t.co/zo8OUPI8Zq
#مركز_تفسير #قران #المختصر_في_التفسير
▪︎ العلم على منزلتين:
- علم آلة.
- وعلم غاية.
ولكلٍّ منهما مكانٌ لا يَحْسُنُ وضع الآخر فيه.
▪︎ وبحسب التمكن في علوم الآلة، يكون إدراك علوم الغاية، وبقدر الأخذ من علوم الغاية والعمل بها، تقوم الشريعة، وتكون به نجاة العباد.
▪︎ فعلوم الآلة أشهرها ثلاثة: «أصول الفقه، واللغة، ومصطلح الحديث».
▪︎ وعلوم الغاية أهمها أربعة: «العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه».
▪︎ ومن الخلل المنهجي: «المكث والمقام في علوم الآلة، العمر كله، والتفريط بالعلوم المقصودة، وتركها للانشغال بغيرها من العلوم».
▪︎ ومن الضعف الذي لا يرجى منه قوة علم: «الولوج إلى علوم الغاية، بلا عُدَّةٍ وعتاد من علوم الآلة».
د. سليمان النجران
لكل مذهب من المذاهب الأربعة قواعده الفقهية، وبالمقارنة بين هذه القواعد:
▪︎ منها {ما هو متفقٌ عليه بين المذاهب} مثل:
١- الأمور بمقاصدها.
٢- اليقين لا يزول بالشك.
٣- المشقة تجلب التيسير.
٤- الضرر يُزال.
٥- العادة مُحَكَّمَة.
▪︎ ومنها {ما هو خاصٌ بمذ��بٍ معين}، وهذا تارةً يكون متفقًا عليه، وتارة يكون مختلفٌ فيه.
وكل قاعدة فقهية وقع الخلاف فيها؛ فإن الخلاف فيها سببٌ لاختلاف الفقهاء في كثيرٍ من الفروع المتفرعة عليها.
ومن المؤلفات في القواعد الفقهية عند المذاهب الأربعة:
▪︎ {الحنفية}:
١- تأسيس النظر للدبو��ي.
٢- الأشباه والنظائر لابن نجيم.
▪︎ {المالكية}:
١- القواعد الفقهية للمقري.
٢- إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي.
▪︎ {الشافعية}:
١- قواعد الحِصْني.
٢- الأشباه والنظائر للسيوطي.
٣- الأشباه والنظائر لابن الوكيل.
٤- الأشباه والنظائر للسبكي.
▪︎ {الحنابلة}:
١- تقرير القواعد لابن رجب.
٢- القواعد الفقهية على مذهب الإمام أحمد لابن قاضي الجبل.
شرح عبدالله الغديان على قواعد ابن رجب (درس: ١)
موازنة بين الغزالي والشاطبي، ووفاء الشاطبي بشرطه في الموافقات:
س/ لدي سؤال فيما يخص الشاطبي و منهجيته، لا أقصد من حيث المضمون بل من حيث الشكل و الأسلوب.. على أن الشاطبي عقلية فذة إلا أن أسلوبه لم يكن بمستوى مضمونه إذا ما قارناه بالغزالي مثلا، فالغزالي جمع بين جودة المضمون و حسن الأسلوب، سواء في صف الكلام أو في التبويب و التقديم و التأخير المنطقي فمثلا الشاطبي أول مقدمة كتبها أليس الأولى أن يقدم بماذا يعني بأصول الفقه، ثم يسوق دعواه بأن أصول الفقه قطعية لكنه لم يفعل.. ثم الكليات التي أعلى من شأنها في كتابه، لم يخصص لها فصلا يجرد فيه تلك الكليات مادام أنها حاكمة في فهم النص.. و برأيك هل نجح الشاطبي في التوفيق بين مذهب ابي القاسم و ابي حنيفة إذ كان ذلك اسم كتابه و هدفه في البحث؟
ج/ حياكم الله: هنا أربعة أسئلة طرحتها متداخلة، تحتاج إلى شيء من التفكيك والتحليل لها لتستقيم الإجابة عليها.
فأولاً من جهة الأسلوب: أنه ينبغي أولًا التنبيه إلى أمر منهجي: الحكم بأن أسلوب الشاطبي دون الغزالي فيه إهمال للافتراق بين المنهجين والمشروعين الكبيرين عند الغزالي والشاطبي، وهذا يجعل المقارنة غير متكافئة؛ لأننا نقارن بين منحيين مختلفين في إدارة عملين علمين هما من أعظم ما مر على ��اريخ الإسلام:
فالغزالي مشروعه عام كبير في كل أصناف المعرفة: فلسفي أصولي فقهي تصوفي جدلي منطقي، يميل إلى تأصيل هذه العلوم وتقسيم وتبسيط وتقريب بدأ من بناء أصولها وسك مصطلحاتها، ثم تشكل قواعدها، وبعد ذلك التفريع عليها، فمنحاه مدرسي تعليمي تقسيمي أدبي مع رفعة في الألفاظ وعمق في الفكر وعناية بالاصطلاح والاستدلال والجدل فأسلوبه يجمع بين التعليم والتقسيم والاصطلاح والاستدلال والجدل والتدرج الخطابي.
أما الشاطبي: فمشروعه الأساس تقعيد أصولي مقاصدي نقدي، لرسم خارطة واضحة جلية لأهل الاجتهاد، ببناء استدلالي متشابك وصناعة منهجية اجتهادية كاملة، فليس من غرضه صناعة منهج تعليمي بياني بنائي لأصول العلوم كما هو منهج الغزالي.
فالإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـله منهج وأسلوب مميز يفترق به عن غيره من الأصوليين فلديه بناء كامل لكل فكرة يبدأ العمل عليها ، على سبيل المثال فكرة قطعية أصول الفقه التي افتتح بها مقدماته هذا الفكرة ملازمة له في كل الموافقات لا يفتأ يذكر بها ويدلل عليها في كل مناسبة ويبني عليها مسائل كثيرة، فالشاطبي لا يستقصي مراده في موضع واحد من الموافقات بل الموافقات متشابكة فيه أفكاره ومتداخلة من أوله إلى آخره قد يشير إلى طرف من مسألة في ناحية، ثم تراه يستقصي القول عليها في مكان آخر، خذ على سبيل المثال: مراعاة الخلاف أشار إلى بعض إشكالاتها في المقدمة الثالثة عشرة حتى إنه بقي حيران فيها وراسل جلة من مشايخه فيها يستفصل عنها، ثم استقصى الكلام عليها في المسألة العاشرة من الاجتهاد، وهكذا بناء الشاطبي يأتي تراكميا مناسبيا يتحرى لكل مسألة مناسبتها ليمد عليها الكلام ويشبع تحرير أصولها وتنزيلاتها. ��لا يحكم على الشاطبي من قراءة بعض كتابه، بل يجب فرز مصطلحاته ، ثم النظر في كل مصطلح كيف عالجه بقراءة مجموع كلامه عليه من أول الكتاب إلى آخره.
ولعل من أبرز ما يمتاز به الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات أنه لا يعرض أفكاره عرضًا خطيًا مستقلاً، ولا يحبس كل قضية في باب واحد مغلق، وإنما يبني كتابه على منهج تركيبي تراكمي تتداخل فيه المسائل وتتشابك فيه الأصول، بحيث تُستعاد الفكرة الواحدة في أكثر من موضع، لا على وجه التكرار، بل على وجه إعادة التوظيف داخل بنية نظرية واحدة تتنامى شيئًا فشيئًا حتى تكتمل صورتها في ذهن الناظر.
فالشاطبي يبدأ كثيرًا من أصوله الكبرى بوضع الأصول الجامعة الكلية التي تضبط مجرى النظر، كقضية قطعية أصول الفقه المبنية على الاستقراء، أو أصل الكليات الشرعية، ثم لا يلبث أن يجعل هذه الأصول حاضرة في سائر مباحث الكتاب حضورًا فاعلًا لا مجرد تقرير نظري؛ فهي عنده ليست مقدمات معزولة، بل مبادئ حاكمة تتغلغل في الاستدلال، وتعيد تشكيل الفروع، وتوجه النظر الاجتهادي في كل موطن.
وهذا الأسلوب التراكمي لا يعكس اضطرابًا في البناء، بل يكشف عن منهج مقصود يقوم على تفكيك الفكرة وإعادة تركيبها داخل سياقات متعددة، بحيث يُختبر الأصل في أكثر من مقام، ويُنظر في أثره في أبواب شتى، حتى يستقر على صورته النهائية بوصفه جزءًا من شبكة كلية لا من قضية منفصلة.
فالخلاصة: أن الغزالي: أوضح في التقسيم، والترتيب، والتدرج الخطابي والبناء التعليمي المدرسي الذي يبدأ بصغار العلم حتى يبني عليها كباره.
أما الشاطبي فأقوى في الترابط المنهجي العميق والاستدلال التشاركي، فأسلوب الشاطبي يتميز أيضًا بـ:كثافة فكرية عالية، وتراكم استدلالي مقصود، واعتماد على “الاستقراء المركب” لا العرض التعليمي المبسط، فكثير من صعوبة الشاطبي لعلو أسلوبه ورفعة بيانه وقوة خطابه لأنه يحول الدلالات الأصولية الكبيرة إلى نظرية ��املة في تفسير الشريعة واعتمادها كطرق في الاستدلال.
★ أسهل الطرق لضبط العلوم
أيُّ علمٍ -ومنها علمُ أصولِ الفقهِ- لا يُضبطُ إلا بأمرين:
▪︎ {الأمر الأول}:
«فهم مصطلحاته ومعرفتها؛ فكلُّ علمٍ له مصطلحات، من لم يفهمها حق الفهم، محالٌ عليه أن يدرك هذا العلم ويفهمه».
▪︎ {الأمر الثاني}:
«إقامة قواعد العلم وضوابطه؛ فيجب أن يتتبع قواعد هذا العلم، وأصوله، وضوابطه التي يقوم عليها، ويحفظها ويدركها بأمثلتها وتنزيلاتها؛ فهذا أسهل طريق لضبط العلوم».
د. سليمان النجران
@smn1621 نعم يلفت الى التمازج و الامتزاج وانه اصل لكثير من الامور فلا يتصور تخليصها خالصة في الحياة الدنيا فلا تخلص الراحة ولا الفرحة ولا الحزن ولا البلاء ... بالمقابل ا��ور اخرى نحاذر امتزاجها فلا يقر الشارع امتزاجها كتمازج الايمان بالنفاق ( هم للكفر يومئذ اقرب منهم للايمان )
قاعدة دنيوية جامعة:
يقرر الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في المسألة الخامسة من كتاب المقاصد قاعدة من أعظم ما يعين على فقه الحياة وحسن التعامل مع تقلباتها، وهي أن مصالح الدنيا ليست مصالح خالصة محضة، كما أن مفاسدها ليست مفاسد خالصة محضة، بل جرت سنة الله تعالى في هذه الدار على امتزاج اللذات بالآلام، وال��احة بالتعب، والمصالح بالمفاسد؛ فلا يكاد الإنسان ينال مطلوبًا إلا ويصاحبه شيء من الكلفة، ولا يدفع مفسدة إلا ويفوته بسبب ذلك شيء من محبوباته. ولذلك كانت العبرة في الأشياء الدنيوية بالجهة الغالبة؛ فما غلبت مصلحته عُدَّ مصلحة، وما غلبت مفسدته عُدَّ مفسدة.
ومن وعى هذا الأصل واستصحبه في نظره إلى الناس والأعمال والأحوال، سلم من كثير من الأوهام التي تعترض طريقه، وعاش مع الواقع بعين الحكمة لا بعين المثال المتوهم. فلا ينتظر في زوجه أو ولده أو قريبه أو صديقه أو زميله كمالًا لا نقص فيه، ولا صفاءً لا كدر معه، فإن طبائع البشر وأحوال الدنيا تأبى ذلك، وإنما ينظر إلى الغالب من المحاسن والمساوئ، ويزن الأمور بميزان الرجحان لا بميزان الكمال.
وكذلك الشأن في التجارة والوظيفة والدراسة وسائر المشاريع الحياتية؛ فلا يترك المرء مصلحة راجحة لما يلابسها من مشقة يسيرة، ولا يهدم بناءً نافعًا لما يعرض فيه من نقص محتمل، فإن ال��نيا لم تُبنَ على الكمال، وإنما بُنيت على الابتلاء والامتحان، والعاقل من يطلب أكمل الممكن لا المتعذر الممتنع.
ومثل ذلك يقال في العلماء والكتب فما من عالم ولا كتاب إلا فيه نقص وقصور، وكذا العلم والتعليم والكتابة والتأليف؛ فلا يحجم طالب العلم عن التدريس لوجود تقصير يمكن تداركه، ولا يترك التصنيف لأن كتابه لن يبلغ حد الكمال، ولا يعطل مشروعًا علميًا نافعًا لما يعتريه من نقص أو قصور، بعد استفراغ الوسع وبذل الأسباب الكاملة، فالكمال المطلق عزيز في هذه الدار، ومن طلبه في كل شيء حُرم كثيرًا من المصالح الراجحة.
ويشهد لهذا أن النبي ﷺ أرشد إلى هذا الأصل الكبير، والميزان العادل في الحياة الزوجية، بقوله: "لا يفرك ـ أي: لا يبغض ـ مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر» (رواه مسلم)، وهو توجيه نبوي بديع إلى النظر إلى مجموع المحاسن والمساوئ، وإلى تغليب الجهة الراجحة، وهو أصل لا تستقيم الحياة إلا به، ولا تنتظم العلاقات ولا الأعمال إلا على هديه.