منذ اللحظات الأولى لهجوم مليشيا الدعم السريع على مدينة «الفاشر»، كنت أراقب بصفتي مدقق حقائق سيل المقاطع والصور التي بدأت تنتشر على المنصات، بعضها مُولّد بالذكاء الاصطناعي، وبعضها قديم أو من أماكن أخرى أُخرجت من سياقها لتبدو وكأنها من هناك.
خطورة هذه المواد لا تتوقف عند التضليل نفسه، بل في تمريرها إلى الميديا، حيث تبدأ حسابات حقيقية وموثوقة بتداولها، لتتحول لاحقًا إلى مادة لتفنيدها من قبل الصحفيين ومدققي الحقائق .. وهنا يتحقق الهدف الحقيقي لمن يروّجونها .. زرع الشك، وإرباك المشهد الإعلامي، ودفع الناس لفقدان الثقة في أي خبر قادم من الميدان.
فالأكاذيب القليلة كافية لتشكيك الناس في الحقائق الكثيرة، يصبح البعض مقتنعًا بأن كل ما يراه مبالغ فيه، رغم أن ما يحدث في «الفاشر» حقيقي بكل تفاصيله المؤلمة، وما عدا المقاطع المضللة، فالأحداث قائمة وموثقة.
وهناك أيضًا من لا علاقة لهم بالدعم السريع أو مموليه، لكنهم يشاركون هذه المواد بحثًا عن التفاعل أو بدافع لفت الانتباه، متناسين أن الحقيقة وحدها تكفي لتصل وتؤثر دون الحاجة إلى تزوير أو مبالغة.
تحرّوا قبل النشر والمشاركة ..
لا تكونوا جسرًا يمر عبره التضليل ..
الكلمة والصورة مسؤولية، وما يُكتب اليوم يبقى أثره طويلاً.
مشاهد الإعدام الميداني التي تمارسها قوات "الدعم السريع" في مدينة الفاشر السودانية صادمة، وتودي بحياة عشرات المواطنين الذين يُقتلون قصفًا أو تصفيةً، فيما يموت آخرون جوعًا بسبب الحصار.
الناس الذين لا يستطيعون الهروب أو اللجوء إلى أماكن أخرى في السودان يُبادون ويموتون بأبشع الصور، والعالم يتفرج عليهم كأنهم ليسوا بشرًا مثلنا، أو كأننا متواطئون مع المجرمين، أعداء الحياة والإنسانية.
لا حول ولا قوة إلا بالله
قالها أبو عبيدة ذات يومٍ، بصوتٍ يخرج من قلب العاصفة:
"لن تأخذوا أسراكم إلا عبر طاولة المفاوضات،
ولو فتشتم كلَّ رمال غزة!"
كلماتٌ نُقِشت في ذاكرة العزّة،
وردّدتها المآذن فوق الركام،
تُذكّر العالم أن في غ/ز/ة رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛
رجالًا ما غيّرتهم السنون، ولا أرهقهم الحصار،
فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر،
وما بدّلوا تبديلاً...
هُم العهد... وهُم الوعد...
ومن دمائهم تُكتب فصول