نشرنا في: ( ١٩ / ٥ / ٢٠٢٣م )
" صانع السياسة الخارجية #السعودية يكتب التاريخ الذي سيقرأه دارسوا (تاريخ تطور العلاقات الدولية اللاحقين) بكل احترافية ودهاء.
ولا شك أن نتائج هذه السياسات -ستكمل المشهد لاحقا- بشكل يستشعر به دارس هذا التاريخ السياسي لاحقاً (مكامن ومظاهر الدهاء والحصافة) في ما يحصل اليوم من تدابير وأحداث "
#السعودية دولةٌ "وازنةٌ" و "مُتّزنةٌ" و "مُخضرمة".
لفهم السياسة السعودية خلال السنوات الخمس الماضية، لا ينبغي أن نبدأ من #بكين أو #موسكو أو #طهران ، بل من #واشنطن في مطلع عهد جو #بايدن .
ففي ٢٠٢١م دخلت العلاقة السعودية/الأميركية مرحلة (إعادة معايرة) عبر ضغوط سياسية، وقف الدعم الأميركي للعمليات الهجومية في #اليمن ، وإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية.
ومن هنا بدأ يتضح مسار سعودي مختلف:
لا يفك التحالف التاريخي مع الولايات المتحدة ولا يستبدلها ببكين أو موسكو، لكنه حرّر بوعي واتزان هامش القرار السعودي من (أحادية الارتكاز الاستراتيجي) وبنى شبكة علاقات تجعل المملكة أصعب على العزل وأقدر على المناورة بين القوى.
ثم توالت المحطات، التي احتوت عبرها السعودية سياسة بايدن ثم استمالت انحياز ترامب لها بوضوح :
١) ترسيخ الشراكة النفطية مع #روسيا عبر (أوبك+) بعد اندلاع حرب #أوكرانيا ، وصولًا إلى خفض الإنتاج الجماعي في أكتوبر/٢٠٢٢م والتخفيضات الطوعية اللاحقة.
٢) رفع العلاقة مع #الصين إلى (الشراكة الاستراتيجية الشاملة) مع زيارة شي جين بينغ وانعقاد القمم السعودية والخليجية والعربية مع الصين. ديسمبر/٢٠٢٢م.
٣) الاتفاق مع #إيران بوساطة #الصين وتوقيع (اتفاق بكين) لإعادة العلاقات الدبلوماسية وتسوية أحد أخطر ملفات الأمن الإقليمي. مارس/٢٠٢٣م.
٤) الانضمام إلى (منظمة شنغهاي للتعاون) بصفة شريك حوار، انفتاح مؤسسي على (الفضاء الأوراسي) دون الانسحاب من الشراكة الأميركية. مارس/٢٠٢٣م.
٥) تدشين التعاون الدفاعي الصناعي الثلاثي (السعودية/تركيا/باكستان) باجتماعه الأول في الرياض، مضيفًا مسارًا دفاعيًا غير غربي. أغسطس/٢٠٢٣م.
٦) إطلاق (التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين) ثم قيادة المسار الدولي لإقامة الدولة الفلسطينية وصولًا إلى الشراكة السعودية-الفرنسية. سبتمبر/٢٠٢٤م.
٧) الانخراط مع #تركيا وقوى إقليمية ودولية في البيئة السياسية المحيطة بالتحولات السورية التي انتهت بسقوط الأسد، بالتزامن مع اجتماع أستانة في الدوحة قبيل سقوط دمشق. ديسمبر/٢٠٢٤م.
٨) استضافة المباحثات الأميركية-الروسية بشأن حرب أوكرانيا وإعادة الحوار المباشر بينهما. فبراير/٢٠٢٥م.
وهنا مفارقة لافتة: في ٢٠٢٢م تعرضت الرياض لضغوط لتمسكها بشراكتها النفطية مع موسكو، وبعد أقل من ثلاثة أعوام أصبحت هي المكان الذي تجلس فيه واشنطن وموسكو للبحث في الحرب ذاتها.
٩) اختيار الرياض أول محطة في أول جولة خارجية كبرى للرئيس #ترامب في ولايته الثانية، بما أعاد تثبيت مركزية السعودية في الاستراتيجية الأميركية للمنطقة. مايو/٢٠٢٥م.
١٠) توقيع (اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك) مع #باكستان ، واعتبار الاعتداء على إحداهما اعتداءً على كلتيهما، ناقلًا العلاقة إلى الردع المتبادل المؤسسي. سبتمبر/٢٠٢٥م.
١١) الاستقبال التاريخي لولي العهد السعودي في البيت الأبيض وإبرام حزمة اتفاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة في الدفاع والاستثمار والتكنولوجيا. نوفمبر/٢٠٢٥م.
وهنا تكتمل الدائرة: ما بدأ في ٢٠٢١م بتوتر مع واشنطن لم ينتهِ بخروج السعودية من المدار الأميركي، بل بعودتها إليه بخيارات أوسع وشراكات أكثر تنوعًا.
١٢) إعادة ترتيب موازين القوى في جنوب #اليمن لمصلحة الحكومة الشرعية وتقليص قدرة المجلس الانتقالي على فرض واقع مستقل عنها. ديسمبر/٢٠٢٥م.
١٣) توقيع (اتفاق مكة) الثلاثي للدفاع المشترك (السعودية/باكستان/تركيا) تتويجًا لمسار بدأ بالتعاون الدفاعي الصناعي قبل ثلاثة أعوام. أغسطس/٢٠٢٦م.
خلال خمسة أعوام، تحركت السعودية مع روسيا في الطاقة، والصين في الاقتصاد والدبلوماسية، وإيران في خفض التهديد، وشنغهاي في الفضاء الأوراسي، وتركيا وباكستان في الردع، وفرنسا وأوروبا في فلسطين، والولايات المتحدة في الأمن والاستثمار والتكنولوجيا.
لم تنتقل الرياض من محور إلى آخر، ولم تستبدل مظلة بمظلة، ولم تجعل خلافها مع قوة عظمى سببًا للارتهان إلى منافستها، بل حوّلت (أزمة الارتكاز) إلى (تعددية ارتكاز).
فبدل البحث عن (بديل) للولايات المتحدة، راكمت من العلاقات ما يجعل البديل أقل ضرورة، وبدل الاختيار بين واشنطن وبكين وموسكو، رفعت قدرتها على التعامل مع الثلاثة دون أن يصبح الاقتراب من أحدهم ارتهانًا له أو خصومة تلقائية مع الآخرين.
وهذه في تقديري، هي (حِرفة الوزن الاستراتيجي):
ألّا تُقاس قوة الدولة بعدد المحاور التي تنتمي إليها، بل بعدد مراكز القوة التي تستطيع الاتصال بها دون ارتهان لأحدها أو خصومة تلقائية مع الآخر.
فتكون الدولة (وازنةً) حين يؤثر موقعها في حسابات موازين الآخرين، و (مُتّزنةً) حين تمنع صراع تلك الموازين من اختلال ميزانها، و (مُخضرمةً) حين تحوّل تناقضات القوى الكبرى إلى هوامش إضافية لقوتها واستقلال قرارها.
@MutlaqKh@Ask_Bahrain والله اخوي حمد انا ماجربته لكن فعلا يجونه زباين واجد من السعوديه عموما انا رايح للبحرين بكره ان شاءالله وبجربه وبعطيك الخبر اذا هو صاحي والا خراط فاضي وابو كاس والرشيد والشعلان افضل منه
" حين اغتصبت #العراق جغرافية #الكويت .. منحتنا #السعودية جغرافية التحرير "
حين اجتاحت قواتُ النظام العراقي أرضَ #الكويت في الثاني من أغسطس 1990، لم تكن الدولة الكويتية تواجه احتلالًا عسكريًا فحسب، بل كانت تواجه محاولةً لاقتلاع شخصيتها القانونية، ومحو سيادتها، وإلغاء وجودها من خريطة النظام الدولي.
وفي تلك اللحظة بالغة الخطورة من تاريخ الخليج، لم تكن المملكة العربية #السعودية دولةً مجاورةً وقفت على حدود الأزمة كما تفعل بعض الدول العربية الآن أثناء القصف الإيراني على دول الخليج، وإنما تحولت إلى (عمق الكويت الاستراتيجي) وإلى الجغرافيا التي احتضنت مشروع تحريرها.
لقد أصبحت أرض المملكة (القاعدة العملياتية الكبرى) التي ارتكزت إليها قوات التحالف الدولي، ومنها تدفقت القوات البرية والجوية والبحرية، ومنها انطلقت عمليات الإسناد والتموين والحشد والتخطيط، حتى غدت السعودية، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى (جغرافيةَ التحرير) التي عاد عبرها الحق إلى أهله.
ولم يكن ذلك موقفًا سياسيًا عابرًا، ولا مجاملةً بين دولتين شقيقتين، وإنما كان قرارًا سياديًا -بالغ الكلفة- وحمّلت المملكة بموجبه أرضها وشعبها وبنيتها الاستراتيجية مخاطر مواجهةٍ إقليمية مفتوحة، إدراكًا منها أن سقوط الكويت لا يعني سقوط دولةٍ واحدة، وإنما يعني انهيار أحد أهم المبادئ التي قام عليها النظام الإقليمي والدولي، وهو (حرمة الحدود) وسيادة الدول واستقلالها.
ولذلك لم يكن الدفاع عن الكويت دفاعًا عن رقعةٍ جغرافية، بل كان دفاعًا عن فكرة الدولة ذاتها، وعن الشرعية الدولية، وعن أمن الخليج بوصفه كيانًا سياسيًا واحدًا تتشابك فيه المصائر قبل الحدود.
وقد جاء هذا الموقف منسجمًا مع الشرعية الدولية التي أدانت الغزو العراقي منذ ساعاته الأولى، بدءًا بقرار مجلس الأمن رقم (660) المطالب بالانسحاب الفوري وغير المشروط، ثم القرار (678) الذي أجاز استخدام (الوسائل اللازمة والضرورية) لتنفيذ قرارات مجلس الأمن وإعادة السلم والأمن الدوليين، لتكون عملية تحرير الكويت عملًا يستند إلى الشرعية الدولية، لا إلى منطق الغلبة أو فرض القوة.
ولولا تلك (الجغرافيا الآمنة) التي وفرتها المملكة العربية السعودية، بما امتلكته من عمقٍ استراتيجي، وبنيةٍ لوجستية، وقدرةٍ على استيعاب الحشد العسكري الدولي غير المسبوق، لما أمكن تنفيذ عملية التحرير بالصورة التي عرفها التاريخ.
لم تكتفِ المملكة بإعلان موقفها السياسي، بل جعلت من أرضها (منطلق الأساس) لعودة الدولة والشعب الكويتيان إلى أرضهم الأبيّة.
ولهذا، فإن ذاكرة التاريخ المنصفة لا تستطيع أن تروي قصة تحرير الكويت دون أن تجعل المملكة العربية السعودية أحد أعمدتها الرئيسة بجانب الولايات المتحدة. فكما كانت الكويت (أرض الاحتلال) كانت السعودية (أرض التحرير) وكما اغتُصبت السيادة فوق التراب الكويتي، احتضنتها الأرض السعودية حتى عادت إلى موطنها.
إن بعض المواقف لا تُقاس بالأيام التي استغرقتها، بل بالمعاني التي خلّدتها في وجدان الشعوب، وما قدّمته المملكة العربية السعودية في تلك المحنة تجاوز حدود (المساندة السياسية) إلى (شراكةٍ في المصير) وتجسيدٍ عمليٍّ لمعنى (الأمن الخليجي المشترك) حتى غدت تلك الصفحة إحدى أنصع الصفحات في التاريخ السياسي الحديث لدول مجلس التعاون، ودليلًا على أن الجغرافيا قد تكون، في لحظات التاريخ الكبرى، كما كانت السعودية:
(وطنٌ يحتضن وطنًا آخرًا.. حتى يعود إليه وطنه)