جاء اسم الإشارة " أولئك "
الدال على البعد لبيان علو منزلتهم ورفعة شأنهم،
فهم مستعلون على متن الهدى والتوفيق الثابت من ربهم،
وهم المفلحون الناجون من المكروه، الفائزون بالخلود والكرامة في جنات النعيم .
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
المتصفون بتلك الصفات الشريفة :
هم المستعلون على طريق الحق والرشاد،
الموفقون بنور من الله تبارك وتعالى.
وهم الفائزون بظفرهم بالمطلوب والنجاة من المرهوب ،
فنالوا رضوان الله وجنته، ونجوا من سخطه وناره .
وجاء النفي قاطعاً " لا ريب فيه "
لإثبات أنه الحق اليقين المنزه عن النقص،
ونفي الريب والشك عنه بوجه من الوجوه،
ونفي الشك يستلزم ضده وهو كمال اليقين؛
فالقرآن كتاب يقيني لا يأتيه الباطل.
وجُعل هدايةً للمتقين لأنهم المنتفعون بنوره فأتوا بالواجبات وتركوا المنهيات.
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِي��َ}
هذا القرآن هو الكتاب الكامل الذي لا يتطرق إليه شك ولا ارتياب بوجه من الوجوه،
لظهور دلائله ووضوح آياته.
وهو مرشد وموفق للذين اتقوا سخط الله وعقابه باجتناب المحرمات وامتثال المأمورات،
وخص المتقين لأنهم المنتفعون بهدايته .
الثمرة :
افتتحت السورة بالحروف المقطعة إشارةً لتحدي
العرب بعجزهم عن الإتيان بمثل هذا الكتاب المصوغ من حروف لغتهم.
أشار القرطبي إلى أن (ذلك) بمعنى (هذا)،
واستعمال اسم الإشارة ل��بعيد هنا يأتي لتعظيم قدر الكتاب ورفع مكانته وشرفه.
كما أرشدت الآيات إلى كمال أدب الدعاء بالثناء على
المسؤول سبحانه بصفات كماله أولاً ،
ثم التوسل إليه بالعبودية والاستعانة ،
ثم الشروع في المسألة وهي طلب الهداية .
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ :
أي :
نخصك وحدك بالعبادة،
ونخصك وحدك بطلب العون.
وفي تقديم المعمول " إياك " إفادة الحصر والقصر .
والعبادة :
اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة،
من المحصول العلمي واللطائف التعبدية في سورة الفاتحة :
أنها تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة؛
توحيد الربوبية في قوله {رَبِّ الْعَالَمِينَ}،
وتوحيد الألوهية في قوله {لِلَّهِ} و{إِيَّاكَ نَعْبُدُ}،
وتوحيد الأسماء والصفات في قوله {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}.
#تسديد_قروض__ОƼЗО1бƼ44О
من المحصول العلمي واللطائف التربوية :
إثبات أن الإيمان قول وعمل واعتقاد،
يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية،
بدليل عطف الأعمال الصالحة كإقامة الصلاة والإنفاق
على أصل الإيمان بالغيب .
واليقين بالآخرة هو المحرك الأساس لعمل الجوارح واستقامة القلوب .
{وَيُقِيمونَ الصّلَاةَ وَمِمَّا رزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ}
أي يؤدون الصلاة كاملة بأركانها وشروطها وخشوعها في أوقاتها المحددة شرعاً،
لا مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة.
ويخرجون جزءاً مما أعطاهم الله وتفضل به عليهم من الأموال، سواء كانت زكاة واجبة أو نفقات تطوعية على الأهل والمحتاجين.
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}
وصف الله المتقين بأول صفاتهم؛
وهي التصديق الجازم والاعتراف بكل ما غاب عن حواسهم ومما أخبر به الله ورسوله،
كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر،
والجنة والنار، ��القدر خيره وشره،
وهذا أصل عظيم من أصول معتقد السلف .
{الم}
حروف مقطعة افتتحت بها بعض السور،
والقول الراجح فيها :
أنها إشارة إلى إعجاز القرآن؛
حيث رُكب هذا الكتاب المعجز من جنس هذه الحروف
المقطعة التي يتكلم بها العرب،
ومع ذلك عجزوا عن معارضته أو الإتيان بمثله ،
ويُوكل علم معناها إلى الله تعالى .
ثبت في فضائل سورة البقرة آثار صحيحة :
منها أن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة
" أي السحرة " ،
وأنها تطرد الشياطين من البيوت،
وتأتي يوم القيامة تظلل صاحبها وتحاج عنه،
وفيها أعظم آية في كتاب الله . " آية الكرس " ، وخواتيمها كافية لمن قرأهما بليلة .
سورة البقرة :
سورة مدنية،
وهي أطول سور القرآن الكريم،
وتسمى فسطاط القرآن لعظمتها وبهاؤها.
ومقصدها العام :
تقرير استخلاف الأمة المسلمة في الأرض،
وبيان شرائع الإسلام،
وإقامة الحجة على أهل الكتاب،
والتحذير من مسالك النفاق .
وأن الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك
مخرج من الملة،
وتضمنت السورة مشروعية الرقية بها
لما ثبت في الأثر من قراءتها على اللديغ فبرأ بإذن الله.
الأحكام الفقهية والعملية لسورة الفاتحة :
دلت السورة بالاتفاق على وجوب قراءتها في الصلاة ،
لكونها ركناً من أركان الصلاة لا تصح إلا بها في كل
ركعة للإمام والمنفرد،
ودل قوله {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على حرمة صرف أي نوع من
أنواع العبادة كالدعاء والذبح والنذر لغير الله،