لسنا أبناء آبائنا فقط... بل أبناء ما جعلونا نشعر به تجاه أنفسنا...!!
نعم حوّلوا الأُبوّة إلى حصانة أخلاقية مطلقة؛ كأن الإنجاب شهادة براءة، وكأن صلة الدم تمحو كل قسوة، وكأن الأب يظل جديرا بالتقديس حتى حين يكون أول من علّم أبناءه الخوف من الحياة.....
الأب الرحيم نعمة لا تُقدّر، وقد يكون في وجدان أبنائه أول صورة للأمان والقوة والظهر الذي لا يميل....
لكن الأبوة ليست فضيلة بمجرد الاسم، كما أن الأمومة لا تصبح رحمة بمجرد الولادة....
الأبوة وظيفة أخلاقية شاقة: أن يكون وجودك في حياة طفلك مصدرا للأمان، لا سببا لأن يقضي عمره كله باحثا عنه....
فالطفل لا يرى نفسه مباشرة، بل يراها أول مرة في عيون والديه...
إذا رأى الترحيب، تعلّم أنه جدير بالوجود...
وإذا رأى الاحتقار، ظن أن فيه عيبا خفيا....
وإذا لم ير شيئا، نشأ وهو يحاول طوال حياته أن يصبح مرئيا.....
ولهذا لا يكون أثر الأب القاسي مجرد ذكرى سيئة تُحفظ في الماضي؛ إنه قد يصبح لغة داخلية يتكلم بها الابن مع نفسه.....
يغادر الأب الغرفة، لكن صوته يبقى: أنت ضعيف، أنت لا تكفي، لا أحد سيحبك، لا تخطئ، لا تبك، لا تثق....
وبعد سنوات يظن الإنسان أنه أصبح مستقلا، بينما هو يحمل الأب القديم في رأسه، ويمنحه حق محاكمته كل صباح.....
نحن لا نكرر طفولتنا دائما لأننا نحبها، بل لأن المألوف يلتبس علينا بالأمان...
فالذي تربى على حب مشروط قد يرتبك أمام حب واضح لا يحتاج إلى امتحان، والذي اعتاد أن ينتظر الرضا قد ينجذب إلى من يبخل به، والذي عاش قرب شخص متقلب قد يشعر، على نحو مؤلم، أن القلق هو الاسم الآخر للشغف.
وهكذا قد يدخل الإنسان علاقاته الجديدة وهو يحمل إليها محاكم طفولته القديمة:
يختار شريكا يشبه الجرح، ثم يقضي عمره محاولا انتزاع حكم مختلف منه.
لا تقع المرأة دائما في حب الرجل البارد لأنها تحب الإهانة، بل لأنها قد تكون ما تزال تحاول، من حيث لا تدري، أن تربح المعركة التي خسرتها طفلة:
أن تجعل شخصا عصيا على الحب يحبها، لتثبت بأثر رجعي أنها كانت تستحق حنان أبيها.....
وقد يتحول الرجل الذي حُرم القبول إلى شخص لا يعرف القوة إلا بوصفها سيطرة....
يخشى ضعفه القديم، فيعاقب كل من يقترب منه، ويستعير قسوة أبيه كي لا يشعر مرة أخرى بأنه ذلك الطفل العاجز...
لكنه، في اللحظة التي يكرر فيها القسوة، لا يهزم أباه؛ بل يمنحه جسدا جديدا يعيش من خلاله.
وهنا تتجلى المأساة:
كثيرون يقضون حياتهم وهم إما يستجدون من الآخرين ما منع عنهم في الطفولة، وإما يمنعون عن الآخرين ما كانوا يتمنون الحصول عليه....
أحدهم يتحول إلى متسول دائم للحب، والآخر إلى محتكر له؛ وكلاهما ما يزال يدور حول البيت الأول وإن ابتعد عنه آلاف الأميال.
لكن من الخطأ أن نحول هذا الفهم إلى قدر مغلق....
الطفولة تفسر كثيرا، لكنها لا تحكم بكل شيء....
والجرح يشرح بعض اختياراتنا، لكنه لا يعفينا من مسؤوليتها.....
وإذا كان والداك مسؤولين عما فعلوه بك وأنت طفل، فأنت مسؤول عما تفعله بجرحك بعد أن تكبر....
لا يجوز أن تتحول معرفة السبب إلى رخصة دائمة للأذى....
فهناك لحظة يجب أن يتوقف فيها الإنسان عن قول: "أنا هكذا بسببهم"، ويبدأ بسؤال أشد شجاعة: "ما الذي سأفعله الآن حتى لا يصبح غيري هكذا بسببي؟".
أما الشفاء فليس في "إعدام الأب" داخل النفس، فهذه عبارة صاخبة أكثر مما هي دقيقة؛ بل في عزله عن منصب القاضي الأعلى....
أن تعيد الأب إلى حجمه البشري:
رجل أصاب وأخطأ، أعطى أو عجز، أحب أو شوّه الحب، لكنه ليس المرجع النهائي لقيمتك، ولا يملك بعد اليوم إصدار الأحكام على استحقاقك....
أن تشفى يعني أن تقول:
كان أبي باردا، لكنني لست غير جدير بالدفء....
كان غائبا، لكن غيابه لا يعني أنني لا أستحق الحضور....
احتقر ضعفي وعلاماتي المُخزية في الرياضيات، لكن ضعفي لم يكن عارا.....
لم يعرف كيف يحبني، وهذا وصف لحدوده هو، لا تعريف لقيمتي أنا....
والبر لا يعني تزوير الذاكرة.....
تستطيع أن تُحسن إلى والديك كما أمرك ربّك عز وجل.. من غير أن تسمي الإساءة تربية، وأن تحفظ لهما حقهما من غير أن تمنحهما حق تدميرك المُستمر..
حتى القرآن الكريم، وهو يأمر بصحبتهما في الدنيا معروفا، لم يأمر بإلغاء العقل ولا بطاعتهما في الباطل....
الرحمة لا تعني إنكار الجرح، والمغفرة إن حدثت لا تعني فتح الباب للضرر مرة أخرى.
إن أكثر الناس دفاعا عن قداسة العائلة ليسوا دائما أكثرهم وفاء لها؛ فقد يكونون أكثرهم خوفا من كشف ما يحدث خلف أبوابها....
فالمجتمع الذي يمنع الابن من وصف ألمه لا يحمي الأسرة، بل يحمي المسيء داخلها....
والأسرة لا تنهار حين نتكلم عن أذاها؛ إنها تكون قد تصدعت حين وقع الأذى، ونحن فقط نرفع السجاد الذي أُخفي تحته الركام.
ولا ينبغي في المقابل أن نحاكم جميع الآباء بجريمة بعضهم....
هناك آباء عاشوا في الظل كي يعيش أبناؤهم في الضوء، ورجال أخفوا تعبهم حتى لا يصل الخوف إلى البيت، وآباء كان حضورهم في حياة أبنائهم أول برهان على أن القوة يمكن أن تكون رحيمة.
العدل ألا نحوّل هؤلاء إلى متهمين، وألا نحوّل المسيئين إلى قديسين....
فالتعميم ظلم في الاتجاهين: ليس كل أب جلادا لأنه كان صارِما في التربية ورفض ما لا يليق، وليس كل أب بريئا لأنه أب.
لقد ورث بعضنا أرضا ومالا، وورث آخرون خوفا، وشعورا بالنقص، وطريقة مشوهة في فهم الحب....
لكن الميراث النفسي ليس وصية واجبة التنفيذ....
تستطيع أن ترد ما ورثته من قسوة، وأن توقف انتقاله عندك، وأن تكون النهاية التي لم يستطع أسلافك أن يكونوها.
الشفاء الحقيقي ليس أن تقضي عمرك في كراهية أبيك؛ لأن الكراهية، مثل التقديس، قد تبقيه مركز عالمك.....
الشفاء أن يكف عن إدارة حياتك من داخلك، وأن تختار شريكك لأنك تحبه لا لأنه يشبه جرحك، وأن تربي أبناءك من وعيك لا من رد فعلك، وأن تكف عن مطالبة الحاضر بتسديد ديون الماضي.
لسنا مذنبين بالجرح الأول، لكننا نصبح مسؤولين عن منع نسخته الثانية.
وهذا هو الانتصار الأعمق:
ألا تعاقب نفسك لأن أحدا عجز عن حبك،
وألا تعاقب أبناءك لأن أحدا عجز عن احتوائك،
وألا تختار جلادك كل مرة ثم تسمي انجذابك قدرا.
النضج ليس أن تنكر البيت الأول، ولا أن تحرقه في ذاكرتك، بل أن تغادره أخيرا. أن تحمل منه الحقيقة دون أن تحمل سجنه، وأن تفهم أن الإنسان قد يبدأ بوصفه أثرا لأبويه، لكنه لا يجب أن ينتهي كذلك....
فأعظم ما يفعله المرء بنفسه ليس أن "يقتل الأب القاسي" في داخله، بل أن يُحرر الطفل الذي ظل واقفا أمام بابه ينتظر كلمة قبول، ثم يأخذ بيده ويقول له:
لقد طال انتظارك بما يكفي.....
لن نطلب من الجرح أن يعترف بنا بعد اليوم.....
بل سنعيش ونعبد الله ونفرح ما دام على الأرض ما يستحق الحياة ...
==
إحسان الفقيه
من يوميات كاتبة مُصابة بالوضوح
@dr_a_badawi لذلك يقوم البعض (مضطراً )ب(الإستجابة)لهذه البيئة السامة بإرتداء الأقنعة (الملونة) لعلها تنجيه من النقد ويخفي مبادئه وصفاته الجميلة لحين وجود بيئة صحية مناسبة لها ويضهرها 🙏💐