كيفَ يُمكن أن تشرح للغير أنّكَ ما عدتَ تصلُح للأحاديث اليومية السطحية؟، وأنّك مُستنزف لدرجة تحتاج فيها فُسحة من الوحدة كي تُرمم ما دمّرتهُ الحرب في داخلك، كيفَ يُمكن للغير أن يحترمُوا أنّك ما عدتَ قادرًا على الإجابة عن سؤال عادي أو روتيني أو تجاذُب أطراف حديث طبيعي أو تافه؟.
كانت تتذكر التفاصيل التي ينساها الجميع، وتنتبه إلى ما لا ينتبه إليه أحد، وتقرأ الوجوه والنبرات والصمت بين الكلمات.
علمها الخوف أن تترقب، وأن تحلل، وأن تستعد للأذى قبل وقوعه، فزاد ذلك معاناتها في هذه الحياة.
كبرت هذه الطفلة، وكل ما فيها يحلم بالنسيان. كانت تظن أن النسيان سيخفف العبء، وأنه سيجعلها أخف من أن تنكسر، وأخف من أن تتألم، وربما أخف من أن تُرفض.
لكن حتى النسيان لم يقف بجانبها، بل كانت لعنتها في هذه الحياة شدة ذاكرتها.
أذكر في مرة شخص عزيز قال لي "الناس مثل الطيور، افتحي لهم القفص، إذا رجعوا فهم كانوا لك من البداية، وإذا لا ما تقدرين تجبرين طير يضل أسير" ها أنا ذا أطلق سراح الجميع..
يكسرُني حُزنُ مَن أُحبُّ، ويأخذُ مِن عافيتي، أتخبَّطُ بشدَّةٍ محاولًا رسمَ الابتسامةِ على شفتيهِ.
كيف تطيبُ لي الحياةُ وضِلعُ مَن أُحبُّ مائلٌ مِن شدَّةِ الحِمل؟
كيف لعيني أن تغفى في الليلِ وهو يجفوهُ النَّوم؟
بعد فوات الأوان تتمنى لو أنك قضيت أيامك مع من تحب، لو أنك ألقيت الدنيا بما فيها وراء ظهرك، يكفي أن تكون أيامك مليئة بتفاصيل الأشخاص الذين ترتاح بقربهم.