في زمن تتصدّع فيه الجدران بالصمت، وتذوب فيه الرجولة خلف المكاتب الوثيرة، يقف الحكّام العرب أمام دماء غزّة موقفَ المتفرّج البارد، كأنّ الأشلاء لا تصلهم، وكأنّ صيحات الأمهات لا تمرّ عبر أسلاكهم الدبلوماسيّة.
تكسو وجوههم أقنعة الحكمة، لكنّها لا تُخفي جبن ال��واقف، ولا سترَ للعار في زمن الشاشات. يدينون الجريمة في البيانات، ويصافحون الجلّاد في الغرف المغلقة. يسيرون خلف مصالحهم كما يسير الظلّ خلف الضوء، لا يملكون من القرار إلا شكله، ولا من الكرامة إلا خطاباتها.
غزّة تُذبح على الهواء، وهم مشغولون بترتيب كراسيهم، وتلميع صورتهم أمام الغرب. صمتهم ليس حيادًا، بل خيانة بحجم الوطن، وخذلانٌ كُتب عليه أن يُدرّس في كتب التاريخ كوصمةٍ لا تزول.
وهكذا، تظلّ غزّة وحدها، تقاتل نيابة عن أمّةٍ أعياها الخوف، وقيادةٍ خانت أمانتها، فصارت غزة ميزان الرجولة، وكشفًا فاضحًا لعورات الزيف، ونبضًا حرًّا في جسدٍ مات ضميره.
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَأَنتُمْ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾
سورة الأحزاب
#ابو_عبيدة