عزيزي أبي
29/5/2025 - 29/5/2026
عام واحد مضى
جفّت مُقلتاي وأنا أناديك
أعطيكَ عُمري ونظري لتعود
ألا يكفيك؟
لا خطابات طويلة اليوم.
لن تجد كلمات منمقة ولا جملًا مترابطة، فكل ما في صدري أثقل من أن يُقال كما ينبغي
أمشي بين الغرف فأشعر وكأن الجدران تعرف أنك لم تعد هنا،
وأنها فقدت معناها برحيلك
لم يتغير شيء، ومع ذلك تغيّر كل شيء
فالبيت الذي كان يمتلئ بك أصبح صامتًا بشكل لا يُحتمل.
ما يؤلمني حقًا هو أنا بدونك
كيف أعتاد فكرة أنك لم تعد هنا؟
كيف أعيش أيامًا كنت أنت أساسها؟
وكيف أحافظ على تفاصيلك حيّة في ذاكرتي؟ وأنا أخشى أن تأكلها الأيام
هل ستكفيني الذكريات؟
أم سيخذلني عقلي مع الوقت، فأفقد ملامح صوتك، وضحكتك، وطريقتك في الحديث؟
وماذا لو مرّ العمر، وبدأت تفاصيلك تتلاشى؟
هل تكفي الصور لتعوض غيابك؟
وهل تحمل الصور كل ما كنت عليه؟
لا بيت لي اليوم،
الحقيقة أنك كنت البيت كله،
والشيء الوحيد الذي كان يجعل أي مكان.. بيتًا
لكنني لم أعد أحتمل
اثنا عشر شهرًا، هذا أقصى ما احتملت بدونك
لن أكتب لك مرة أخرى
سئمت الحديث، وسئم من حولي سماعي
ربما الصمت أصدق من أي كلام، وربما آن الأوان لأن تتوقف هذه الرسائل.
ولكن اعلم يا أبي
أنك كنت وما زلت الشيء الوحيد الذي لن أتعافى منه، ولا أريد..
عامٌ إلّا أربعة أيام يا أبي
وانا ألبسك كما تلبس الملابس، أضحك كما ضحكتك وأسعل كما سعالك وأخطو على نفس بلاطات البيت كما هي خطواتك. لم يتغير شيء سوى أن الفاعل الأصلي الذي هو أنت قد غاب إلى الأبد . وما انا يا والدي سوى مقلدة فاشلة تحاول أن تكون طبيعية بعد وفاة نموذجها والأسطع في الحياة والأخلاق والأدب.
عام كامل يا حبيبي بابا.
أنت أمامي الان تراني وانا اكتب عنك واسمع صوتك واضحا: بس بدون زخرفة لغوية .
عام كامل يا ابي وانا انام في سريري. يملؤني صوتك وانت تحدثني عن البلاد ويكسرني حزنك الدائم على موت عبد الناصر. وتطيرني ضحكتك على طرائف الرجال في البلاد .
عام كامل يا عمري .
يطمئنني انك الان مع ثلة من اصدقائك الذين كنت تحبهم، وتتحدث عنهم دائما أمامنا بشغف وحماسة.
رحمك الله يا أعز من روحي ونفسي .
ترحموا على والدي فإنهُ والله كان من أطيب وأحن الرجال
اللهم اجعل أبي من الضاحكين المُستبشرين الغارسين من ثمار جنّتك الشاربين من حوض نبيك والمحظوظين بشفاعته يا أرحم الراحمين
مش معقول تبني مواقفك من الناس على تجارب واحتكاك ومعرفة وخبرة مسبقة،
لازم تترك مجال للفرصة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة
كيف يمكن أن تكون هنا ثم لا تكون؟
كيف يمكن لصوتك الذي أيقظني صباحًا
أن يصبح ذكرى في نفس اليوم؟
أدخل البيت فأبحث عنك دون وعي،
أنتظر صوتك، خطواتك، نداءك،
ثم أتذكر.. في كل مرة.
عزيزي أبي،
كان عامًا طويلًا، ثقيلًا، صامتًا في أغلبه
تغيّر في داخلي الكثير،
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير..
اشتياقي لك.
لم أتعلم كيف أتجاوز غيابك،
ولا كيف أعتاد فكرة أنك لن تناديني مجددًا في الصباح.
أتمنى أن تكون بخير،
أن تكون في مكانٍ يليق بقلبك الطيب،
أن تكون في رحمةٍ أوسع من هذا الحزن كله.
أفتقدك أكثر مما يمكن للكلمات أن تقول.
29/5/2025 - 29/4/2026
عزيزي أبي، كيف حال الجنة اليوم؟
عاهدت نفسي مرارًا ألا أكتب لكَ مجددًا، ألا أحزن مجددًا، ألا أناجيكَ مجددًا.
وأجدني أفشل مجددًا!
قد ضاق صدري اليوم عليّ، فلا أكاد أتنفس جيدًا،
واختنقت الكلمات في حلقي، فلا أجد ما أقول.. ولمن أقول؟
زهدني أصدقائي، قد ملّوا من حزني وشكواي، والتفت أغلبهم لحياتهم.
فأجدني كعادتي، وحيدةً في بيتنا.. لا أجد غيرك أحدثه.
أتذكّر ما تمنيته العام الماضي،
أتذكّر أمنيتي أن يحلّ عامٌ آخر دون مرضٍ ينهش رئتيك.
والغريب أن أمنيتي قد تحققت بطريقةٍ ما:
لا تليّف اليوم، لا ضيق نفس، لا أوجاع صدر، لا أجهزة أكسجين، لا مستشفيات، لا طوارئ، ولا حتى يوسف..
أتمنى أن تكون وفاتك خيرًا لك
أتمنى أن تكون رئتاكَ بخير الآن..
أتمنى أن تكون هادئًا، صحيحًا، ساكنًا، وسعيدًا.