أذا أثقلتك الحياة، فلا يكن سؤالك: متى أخرج من بطن الحوت؟
بل ليكن سؤالك: إلى من ألجأ وأنا في بطنه؟
فالنجاة لا تبدأ حين يلفظك الحوت، بل تبدأ حين يوقن قلبك أن الله لن يتركك فيه
تشاجرتُ مع قهوتي، وسألتها:
لِمَ كل هذا الثقل؟
فهمست:
ما كنتُ يومًا ثقيلة، ولكنك كنت تأتي إليَّ كل يوم، وتترك فيَّ ما عجزت عن حمله وحدك.
فسكتُ…
فبعض الحوارات لا تُحسم بالكلمات،
وبعض الأثقال لا تُخففها النصائح،
وبعض الأرواح لا تجد من يصغي إليها…
إلا فنجان قهوة
ما سبب الاشتياق المفاجئ لشخصٍ انقطعنا عنه؟
لأن بعض الغياب لا يموت… بل يبقى كجمرٍ خافت تحت رماد الأيام.
ولأن الأرواح حين تُرهقها الوحدة، تعود تلقائيًا إلى آخر مكانٍ شعرت فيه بالأمان.
نحن لا نعود للأشخاص دائمًا…
أحيانًا نعود إلى النسخة التي كنّا عليها بقربهم.
لو فقه الناس مقدار النعيم الكامن في كتمان الشؤون، وصيانة البيوت من ضجيج الحكايات، لاستلّوا سيوف الغيرة على تلك الطمأنينة استلالًا.
فما كلُّ سعادةٍ تُروى، ولا كلُّ دفءِ روحٍ يُباح للعابرين؛
إنّ أجمل ما في النِّعَم أن تبقى في سترها، نقيةً من أعين التطفّل، محفوظةً بهيبة الصمت.
حين يكون الوفاء من صديق العمل الذي ارتقى لمرتبة الاخوة الصادقة، اللهم أدم الوفاء وأهله … كتب تركي السبيعي في رثاء أخي المتوفى رحمه الله :
يا وجعَ الفقد حين يأتي بلا استئذان…
يا صمتَ الأماكن حين يغيب من كان يملؤها حياةً وهيبة…
انتقل إلى رحمة الله رجلٌ لم يكن عابرًا في حياتنا،
بل كان أثرًا ممتدًا… وذكرى لا تنطفئ… وقيمةً تُروى ولا تُنسى.
سعدي بن عبدالكريم الشمري…
لم يكن مجرد مدير،
بل كان قائدًا إذا حضر انتظمت الصفوف،
وإذا تكلّم أنصتت القلوب قبل الآذان،
وإذا نصح لامس أعماق الروح لا ظاهرها.
كان مُعلّمًا لا يكتفي بإيصال المعرفة،
بل يغرس القيم… ويوقظ الضمير… ويصنع الإنسان قبل أن يصنع النجاح.
وكان مدربًا لا يدفعك للأمام فقط،
بل يمشي معك حتى تتعلم كيف تمشي وحدك بثقةٍ وعزيمة.
كان صدرًا يتّسع، وقلبًا يحتوي،
وصوتًا حكيمًا في زمنٍ ضجّ بالضجيج.
كم من يدٍ أخذ بها إلى طريقٍ مستقيم،
وكم من نفسٍ أعاد لها ثقتها حين كادت تنكسر…
رحل…
لكن كيف يرحل من زرع نفسه في القلوب؟
وكيف يغيب من كان أثره أكبر من حضوره؟
إن العين لتدمع… وإن القلب ليحزن…
ولا نقول إلا ما يرضي ربنا:
إنا لله وإنا إليه راجعون.
إلى إخوانه وأهله الكرام…
عزاؤكم عزاؤنا، ومصابكم مصابنا،
فقدتم أخًا عظيمًا، وفقدنا قامةً لن تتكرر.
لكن عزاءنا أن له من الدعاء بقدر ما له من الأثر،
ومن الذكر الحسن بقدر ما ترك من الخير.
اللهم اغفر له، وارحمه،
وأنزل عليه سكينةً من عندك،
واجعل قبره روضةً من رياض الجنة،
واربط على قلوب أهله ومحبيه بالصبر واليقين.
نم قرير العين يا سعدي…
فما زرعته فينا لن يموت،
وما كنتَه في حياتنا… سيبقى فينا ما حيينا.
✍️ابوالجوهرة
تركي السبيعي