"كُلما اشتد ارتباط المرء بذاته، ازداد حرصه على تهذيبها، كأنما يسعى ليدفعها نحو مقامات أرقى وأصفى، فالنفس التي تُصان تُثمر. أما من انقطعت صلته بعُمقه، تراه غافلًا عن إصلاح عيوبه،مستسلمًا لظلمة قلبه، ورداءة صحبته، وإهمال مظهره، وذٰلك من أشد صور الجفاء للنفس"
"ساعة الجمعة، ساعة تتنزّل فيها رحمات البَرّ الودود سبحانه، ومن أعظم الدعاء الذي تحصل به رحمة الله ومن خصائص هذا اليوم العظيم، الصلاة على رسوله ﷺ الذي اصطفاه وجعله من أعظم مظاهر رحمته"
"فلم تُمْسِ بنا نعمةٌ ظهرت ولا بَطَنت، نِلْنا بها حظًّا في دينٍ ودنيا، أو دُفِع بها عنّا مكروهٌ فيهما، وفي واحدٍ منهما، إلا ومحمّدٌ - صلى الله عليه - سببُها، القائدُ إلى خيرِها، والهادي إلى رُشْدها، الذائدُ عن الهَلَكة ومواردِ السوء في خلاف الرشد، المُنَبِّهُ للأسبابِ التي تُورِدُ الهَلَكة، القائمُ بالنصيحةِ في الإرشادِ والإنذارِ فيها، فصلّى الله على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّى على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّه حميدٌ مجيد"
- الإمام الشافعيّ رحمه الله في مقدّمة الرسالة
"أقصر الطرق إلى حاجتك: أن تشكو إلى الله تعالى حالك وما بك، متعرضا لكرمه وعفوه وإحسانه .. اشكُ كل ما يكون بك، واعرض حالك عليه، وقل: بي كذا وكذا، وأرجو كذا وكذا ..
ولا يغِبْ عنك مشهد نداءات زكريا وأيوب ويونس وهمهمات الحزن اليعقوبية وهواجس الخوف الموسوية!
وما أجمل أن تصحب هذا كله بالثناء عليه والاستغفار من ذنبك ومعاينة الفقر التام له سبحانه، مع اليقين التام في قدرته على كل شيء، ومحبته سماع الشكوى منك، وأن أمرك كله عليه هينٌ سبحانه وبحمده"
"وإنَّ الحكمةَ لتَخفى على العبدِ كُليةً حتى لم يعد أمامَهُ سبيلٌ إلا التسليم،
وإنَّ الدنيا لتضيقُ بالعبدِ على رحابتِهَا حتى لم يعد فيهَا سَعَةٌ إلا بالله،
وإنَّ ما كُتِبَ في اللوحِ واقعٌ بالرضا أو بغيرِهِ واللهُ وحدَه هو المعين،
مَا شاءَ اللهُ كانَ ولا رادَّ لأمرِه وإنَّ لحظةَ السَخطِ لتُعَكِّرُ سنواتٍ من الصبرِ كما يُعَكِّرُ الترابُ كأسَ الماءِ،
وإنَّ صفوَ القلبِ ليسَ يُدركُ إلا بالرضا،
فإنْ كانَ قَدَرُ اللهِ واقعًا لا محالةَ فالأجرُ في الرضا بالحُكمِ، واللطفُ في حسنِ الظنِّ، والنَّجاةُ في التضرعِ والدعاءِ!"
مع اجتماع أسباب إجابة الدعاء (يوم عرفة، للصائم دعوة لاترد، ومواطن الإجابة في سائر اليوم) يبقى أعظمها: ما يقوم في قلبك من إيمانٍ بأن الله أمرك بدعائه، ويقينٍ أنه جلّ وعلا يسمعه ووعدك بإجابته، وثقةٍ بكرم الله وعطائه الواسع، وسكونٍ إلى حسن الظن به، ادعُ ربك وأنت موقنٌ بقربه وإجابته
لا تنسوني من دعائكم يا كِرام
"ادعْ الله وقلة الحيلة شعارُك، والافتقار دثارُك، وكأنّك فقدتَ كلّ شيء، وكل النّاس جفوك، ولم تجد حولك صاحبًا ولا ناصحًا.. والحلول منكَ قد ضاعت، والأسباب قد غابت، وكأنك ذاكَ المسكين الذي يحتاج لقوتِ يومه، وذاكَ العليل المتلهّف لمادة حيويّته.. وذاكَ الذي انقطعت به السبل أثناء سفره في شدّة عتمةِ الليل والمكان من حوله قفار!
ادعه بعينِ الحُرقة والحَيرة اللتين تستهلّ بهما شكواكَ إلى من تظنّه يفهمك من البشر
استنهض روحك واجمع قلبك، وادعُ الله جل جلاله وكأنكَ قد عميتَ عن الدنيا برمّتها إلا قبلةَ بيته فثمّ الغوث والكفاية ممن يعلم حالك حقيقةً ويقبلك
دونَك عرفة، قد أضفى عليه الله البُشرى بإجابةِ الدّعوات حتى غدا للسائلينَ من شروق شمسه إلى غروبها رداءً يدثرهم حنانًا ولطفًا.. رددها مرارًا وقلبكَ معلنٌ ضعفه واستسلامه: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير"
سبحان مصوّر الخلق على اختلاف، وفاطر النّفوس على تباين، الذي جعل بين الأرواح مقاربة خفيّة ومنافرة عَييّة، فمنهم من تمازجُ محبّته أجزاء روحك في غير معرفة واتّصال فلا تنفكّ تدعو له بكل خير وتثني عليه في كل محفل، ومنهم من تودّ لو أنّ بينك وبينه بُعد أقطار الأرض والسماوات وفي كليهما عجيبُ آيات القبول والضدّ، فاللهمّ اجعلنا من عبادك المصطَفين المقرّبين أهل الودّ
"ساعة الجمعة، ساعة تتنزّل فيها رحمات البَرّ الودود سبحانه، ومن أعظم الدعاء الذي تحصل به رحمة الله ومن خصائص هذا اليوم العظيم، الصلاة على رسوله ﷺ الذي اصطفاه وجعله من أعظم مظاهر رحمته"
وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وخيرتُه من بريَّته، وصفوتُه من خَليقته، وأمينُه على وَحْيِه، وسفيرُه بينه وبين عباده، أعرفُ الخَلقِ بِه وأقومُهم بخشيته، وأنصحُهم لأمّته، وأصبَرُهم لِحُكمِه، وأَشكرهم لِنِعَمِه، وأقربُهم إليه وسيلَةً، وأعلاهُم عنده منزلةً، وأعظمُهم عنده جاهًا، وأوسعُهم عنده شفاعةً، بعثهُ إلى الجَنَّةِ داعيًا، وللإيمانِ مُناديًا، وفي مرضاته ساعيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، فَبَلَّغ رسالاتِ ربِّه، وصدّعَ بأمره، وتحمَّل في مرضاته ما لمِ يتحمَّلْه بشرٌ سواه، وقام للَّه بالصَّبرِ والشُّكر أحَقَّ القيام حتى بَلَغ رضاه، فَثَبَت في مَقامِ الصَّبرِ حتى لم يلحقْه أحدٌ من الصّابرين، وَتَرقى في دَرَجةِ الشُّكر حتى علا فوقَ جَميعِ الشاكرين.
• عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لابن قيم الجوزيَّة.
"إياك أن تملّ من طرق باب السماء وترديدك لذات الدعوة التي تتمناها، فربما دعوةٌ من فرط صدقها وإلحاح صاحبها وشدّة توسله في الخفاء قد أُجيبت له أو ردّت أقداراً كادت أن تقع، تيقن أن الله يسمع خفقات قلبك قبل نطقك، وما يخالجك من ضيق صبرك ماهو إلا بشارة لقرب جبر قلبك، والعليم أدرى بحينِك"
تذكّروا وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلّم: "فأكثروا فيهنّ من التهليل والتكبير والتحميد"
ليس علينا أن نكبّر فحسب؛ بل أن نُكثر! فهذه كلمات يحبّها الله
الله أكبر الله أكبر لا إله إلّا الله
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
"إذا ضاقَ بك الطريق، وأخذتكَ الظنون من كلّ صوب، فلا تفتّش عن يقينك في تكدّس الأسباب، ولا في تدابير الناس، بل ارجع إلى قلبك واسأله: ما الذي بقي من ثقتك بربك؟
فالقلوب التي تتهدّج من فرط القلق، لا تحتاج إلى خارطة جديدة، بل إلى سكينةٍ تُستمدّ من قوله: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)، واليقين ليس أن ترى المخرج، بل أن تمشي إليه وأنت أعمى من كل جهة إلا جهة السماء، هو أن تثبت حين يتهاوى الجميع، لأنك لم تتعلّق بهم أصلًا، بل بمن إذا قال للشيء كن كان.
وما أشدّ غفلة من يتعلّق بأسباب الأرض، ويُراوغ في مواطن الدعاء، كأنه يستدرّ الرزق من غير بابه، ويستعجل النصر من غير ميقاته"
من لا يحسن إليك إلا هو، والذي يجود عليك برحمة لولاها لكنت هالكًا، والذي بسط عليك رداء ستره، فآواك إلى حلمه، وأمهلك بلطفه، ونجاك من عثرات الضلال، وغمرات الوبال، وضافك في بيته، ويسر لك ذِكره، وشرفك بالنسبة إليه، وهو أقرب إليك من حبل الوريد، ومن كل قريب، وأرحم بك من نفسك وأمك وأبيك
ربنا العظيم الذي لا مثل له، ولا ند له، ولا كفؤ له، ولا والد ولا ولد له، الملك الذي تقدس وتبارك، واستوى على عرشه وأحاط علمًا بخلقه، ووسعهم بحلمه ومغفرته ورحمته
ما لك تُعرض عنه، وقد يبس لسانك بالغفلة، وأحاطت القسوة بقلبك، فكان في معية الحيرة والخوف والضيق مع الكسل عن طاعته والبعد عن نعيم عبادته ومعرفته
اذكره ذكرا كثيرًا فأنت أفقر شيء إلى ربك، وكل ما فيك لا استقامة له إلا بسيده ومالكه
"ثم تُدرك -بعد مُضيّ الزمان- أن تلك الأسباب القاطعة لم تكن في حقيقتها إلا أسبابًا واصلة، وأن ما ظننته شرًّا كان في حقيقته رحمة، وأن ذلك الطريق المكروه قد انتهى بك إلى غايةٍ ما خطرت على قلبك لحظة، وأن عطاء الكريم جل جلاله قد أنساك مرارة التيه ولوعة الابتلاء."
(والله يعلم وأنتم لا تعلمون)
"سبحانك تمَّت لك المحامدُ كلُّها، فلا يزيدك حمدُ الحامد شيئًا، ولا ينفعك ثناء المثني، ولا يضرُّك جحود الجاهل المغتر، بأنَّك الغنيُّ الحميد المجيد ذو الجلال والإكرام!
سبحانك، بأنَّه ما كان عطاؤك محظورا، يا من لك دعوة الحق في الدنيا والآخرة وفي السماوات والأرض، أنت الذي في السماء إله وفي الأرض إله، تباركت وتعاليت يا ذا الكبرياء والعظمة.
سبحانك لك الحمد، لا يرحم كرحمتك أحد، ولا يعلم كعلمك أحد، ولا يقدر كقدرتك أحد، بأنَّه ليس كمثلك شيء، الحيُّ القيُّوم الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، جلَّ جلالك وعزَّ سلطانك، نسألك من فضلك ورحمتك بأنَّه ليس لنا من دونك من وليٍّ ولا نصير، وبأنَّا نشهد أنك أنت الله ربنا، لا إله إلا أنت"
"حديثكَ الرقيق، حروفكَ السّهلة، كلامك الليّن المتواضع، لا تظّن أنه يَذهب هباءً أدراج الرياح، بل ترتفع به إلى نعيم لا يدركه إلا القلّة من أهل الجنة؛ قال ﷺ: إنّ في الجنة غرفًا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام"
"لا شيء يُطمئنُ نفسَ المؤمنِ إلا أنَّ أمرهُ كُلَّه بيدِ خالِقه ومالِكه ومُدبِّر شؤونه، إن عزَّ به الخطب، وطالَ به البلاء، وحلَّ عليه الأسى، تذكَّر إنما هو هيِّنٌ بلُطفِ مولاه، يسيرٌ برحمته، مُنفرجٌ بقُدرته جلَّ جلاله، ومن رُزقَ اليقين في هذا سكَنت نفسهُ، وسلَّم بالرِّضا قلبه"