وصية صباحية | 1
ما من يومٍ يطلع على المؤمن إلا وهو يحمل بين يديه رأس مالٍ جديدًا، فإن أحسن استثماره في طاعة الله، ربح ربحًا لا يقدَّر بثمن، وإن أضاعه في الغفلة، فلن يستطيع استرداده مهما امتلك من الدنيا.
فليكن أول ما يُستقبل به الصباح تجديد النية، وإصلاح القلب، وكثرة ذكر الله؛ فإن القلب إذا امتلأ بذكر ربه، هانت عليه هموم الدنيا، واستقام طريقه ولو كثرت العقبات.
ولا نغترَّ بكثرة الأعمال، فإن الله لا ينظر إلى كثرتها، وإنما ينظر إلى ما قام في القلب من إخلاص، وما صحب العمل من صدق وإحسان. ورب عملٍ صغيرٍ بارك الله فيه حتى صار أثقل في الميزان من أعمالٍ كثيرة خلت من الإخلاص.
فإذا انقضى هذا اليوم، فليكن قد ازداد القلب قربًا من الله، لا مجرد ازديادٍ في المشاغل والانشغالات؛ فإن أعظم الخسارة أن تمضي الأيام، ولا يزداد العبد من ربه إلا بُعدًا.
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50].
د. عبد الكريم بكار
"مهما تعقدت الأمور في نظرك، تذكر أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها. أنت تملك من القوة ما يكفي لتجاوز هذا الضيق، وما هي إلا فترة تدريب لقلبك ليتسع لليسر القادم. اتركها للمدبر، وأبشر بالخير، فقل الحمدلله دائماً وأبداً"
يمر الأسبوع على الناس كأنه عجلة لا تتوقف عن الدوران؛ ركض خلف الرزق، وتفكير مستمر في الغد، وهواتف لا تسكت عن الرنين. وفي وسط هذا التعب كله، يأتي يوم الجمعة كأنه منحة ربانية عظيمة، ليعيد السكينة إلى النفوس، ويعيد الإنسان إلى دفء بيته وأهله.
إن التفاف العائلة في هذا اليوم ليس مجرد تجمع عادي لتناول الطعام، بل هو دواء طبيعي يداوي جراح الأسبوع ويغسل تعب النفوس.
الأشياء البسيطة التي تحدث في هذا اليوم هي التي تبني جدران البيوت الحقيقية، وتترك أثراً في النفوس لا يمحوه الزمن:
- رائحة البيت الصباحية: صوت تلاوة القرآن الكريم في أرجاء المنزل، مع فنجان القهوة أو الشاي قبل الصلاة، يبعث في النفس طمأنينة لا توصف.
- مائدة الغداء الدافئة: الاجتماع حول مائدة واحدة بعد الصلاة، حيث تسقط الحواجز والكلفة، وتدور الأحاديث العفوية والضحكات النابعة من القلب.
- كوب الشاي العائلي: تلك الجلسة الهادئة مع الوالدين والإخوة، والإنصات لقصة قديمة أو نقاش بسيط، تمنح المرء شعوراً بالأمان والقبول غير المشروط.
يعتقد البعض أن إسعاد الأبناء يتطلب جلب الهدايا الثمينة أو توفير الرفاهية الزائدة، ولكن الحقيقة التربوية تؤكد أن الأبناء لا يتذكرون تفاصيل الألعاب، بل يتذكرون "أمان البيت".
إن رؤية الأبناء للوالدين وهما في حالة هدوء وسلام يوم الجمعة، والإنصات لحديث الجد والجدة، وتبادل الضحكات بين الإخوة، هي التي تبني شخصية الطفل وتمنحه ثقة بالنفس وصلابة في مواجهة الحياة. هذه اللحظات الدافئة هي "الدرع الواقي" الذي يحمي الأجيال الصاعدة من برد العالم الخارجي وصخبه.
في هذا اليوم المبارك، يحتاج الإنسان إلى تقديم أفضل هدية لعائلته، وهي "الحضور الحقيقي". ترك الهواتف جانباً لبعض الوقت، والنظر في أعين المحبين، والإصغاء إليهم بقلب حاضر، هو الاستثمار الأجمل الذي يعيد البركة للبيوت.
البيوت لا تُعمر بجمال الأثاث ولا باتساع المساحات، بل تُعمر بـ الرحمة، والتغافل الصادق عن الهفوات، والمحبة الصافية. فالحمد لله الذي جعل البيوت سكناً، وجعل يوم الجمعة فرصة لترميم القلوب والتقاء الأرواح في مرفأ السلام.
د. عبد الكريم بكار
كلما تقدمتُ في العمر، ازددتُ اقتناعًا بأن الإنسان يقضي جزءًا كبيرًا من حياته وهو يسعى وراء أشياء، ثم يكتشف متأخرًا أن أثمن ما في الحياة لا يُشترى.
يمكن للمال أن يشتري بيتًا... لكنه لا يشتري أسرةً يسكن إليها القلب.
ويستطيع أن يشتري سريرًا فاخرًا... لكنه لا يمنح صاحبه نومًا هادئًا.
ويستطيع أن يشتري دواءً... لكنه لا يضمن عافيةً، ولا طمأنينة.
ويستطيع أن يفتح أبوابًا كثيرة... لكنه لا يفتح باب محبة الناس، ولا احترامهم.
إن أكثر ما يحتاجه الإنسان في حياته ليس المزيد من الممتلكات، وإنما المزيد من المعنى.
ولهذا رأينا أناسًا يملكون القليل، لكنهم يعيشون في سكينة، ورأينا آخرين يملكون الكثير، لكنهم لا يعرفون الراحة.
المشكلة ليست في السعي إلى الرزق، فطلب الرزق عبادة، وإنما في أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح جمع المال مشروع العمر كله.
إن الإنسان يحتاج أن يسأل نفسه بين حين وآخر:
ما الذي سيبقى مني بعد عشرين سنة؟
هل سيتذكرني الناس بما امتلكت؟
أو بما قدمت؟
إن أعمارنا قصيرة، وما نتركه في القلوب أطول عمرًا مما نتركه في الحسابات البنكية.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي ليس فيما نقتنيه، بل فيما نبنيه داخل أنفسنا، وفيما نغرسه في أبنائنا، وفيما نقدمه للناس من علم، أو خلق، أو نفع.
فالأشياء تبلى...
أما الأثر الصالح، فيبقى.
د. عبد الكريم بكار
أما قبل:
قد يجد بعضكم هذه المقالة طويلة، لكنها في الحقيقة ليست مقالة، بل المسودة الأولى لفكرة أرجو أن تنضج يوما وتصبح كتابا كاملا؛ لأن تغيير الحياة أعقد من أن يُختزل في منشورٍ مُكرر ، أو مقالة قصيرة، أو قائمة نصائح....
فالمعذرة... إن كنت لا تحب القراءة، أو لا تجد مُتّسعًا لهذا القدر من التأمل، فاقلب الصفحة وابحث عن مُبتغاك في صفحات سواي....
أما أنا، فلن أختصر الأفكار التي أؤمن بها يا عزيزي المشغول..
ولن أقتلها إرضاءً لثقافة السرعة، أو لضيق وقت قد نكتشف - لو راجعنا أنفسنا بصدق - أننا نهدر أكثره فيما لا ينفع ولا يُجدي....
أما بعد...
أنت تعرف ما يجب أن تفعله... فلماذا لا تتغير حياتك؟!
أغلبُكم لا تنقصهم النصائح... أعلم ...
- يعرف المدخن أن التدخين يؤذيه
- ويعرف البدين أن الحركة وعدم إدخال الطعام على الطعام قد يُنقذه ...
- ويعرف المُسرف أن المال الذي يبدده اليوم سيحتاج إليه غدا
- ويعرف من يُهدر عمره على الهاتف أن الساعات لا تعود...
- ويعرف من يعيش في علاقة تستنزفه أنها تؤذيه ...
الجميع يعرفون تقريبا ما ينبغي فعله.... لكن المعرفة ليست هي المشكلة.
المشكلة أن الإنسان قد يعرف باب النجاة، ثم يظل سنوات واقفا أمامه؛ لأنه يريد حياة جديدة من دون أن يفقد عاداته القديمة، ويريد نتائج لم يدفع ثمنها، ويريد أن يتغير كل شيء حوله بينما يبقى هو كما هو....
لهذا لا تتغير الحياة عندما نعرف أكثر، بل عندما نتوقف عن التفاوض مع ما يهدمنا...
إن أول خطوة نحو حياة أفضل ليست أن تسأل: ماذا أريد أن أضيف إليها؟
بل أن تسأل بشجاعة أشد إيلاما:
ما الذي يجب أن ينتهي؟
ما العلاقة التي تستنزف كرامتي؟
ما العادة التي تسرق صحتي؟
ما الفكرة التي أقنعتني بأنني عاجز؟
ما الأشخاص الذين لا يجتمعون بي إلا ليعيدوني إلى النسخة الأضعف من نفسي؟
ما النفقات التي أشتري بها لحظة لذة وأبيع مقابلها أمنا كان يمكن أن أحتاج إليه؟
ما الأعذار التي أكررها حتى صارت في ذهني حقائق؟
فالحياة لا تضيق دائما بسبب قلة الفرص؛ بل قد تضيق لكثرة ما نحمله فيها مما انتهت صلاحيته:
خوف قديم، وإهانة لم نغادرها، وندم نعيد اجتراره، وعادة سيئة، وعلاقة لا تنمو، ونسخة من أنفسنا لم تعد تصلح للمرحلة القادمة.
بعض الناس يريدون بدء حياة جديدة، لكنهم يصرون على اصطحاب كل ما أفسد حياتهم القديمة....
وهنا تبدأ الخديعة.
نكتب أهدافا جميلة، ونشتري مفكرة جديدة، ونعلن بداية مختلفة، ثم نعود إلى البيئة نفسها، والسهر نفسه، والأصدقاء أنفسهم، وطريقة التفكير نفسها، وننتظر نتيجة أخرى.....
والحقيقة التي لا يحب الإنسان سماعها هي أن النيات العظيمة لا تهزم الأنظمة الرديئة.....
يقول الكاتب جيمس كلير: "أنت لا ترتفع إلى مستوى أهدافك، بل تهبط إلى مستوى أنظمتك"؛ فالهدف يخبرك إلى أين تريد الوصول، أما عاداتك اليومية فهي التي تقرر أين ستصل فعلا.....
لهذا....
- لا تقل: أريد أن أصبح قارئا، ثم تنتظر مزاجا مثاليا للقراءة.....
ضع الكتاب قربك، وأبعد الهاتف، واقرأ عشر صفحات كل يوم....
- لا تقل: أريد أن أستعيد صحتي، ثم تعقد مع جسدك اتفاقا مؤقتا كلما شعرت بالحماس....
بل ابدأ بالمشي، واضبط طعامك، ونم في موعد معلوم، وكرر ذلك حتى تصبح العناية بنفسك جزءا من هويتك، لا عقوبة موسمية بعد أن تكره صورتك في المرآة...
- ولا تقل: أريد أن أصبح ناجحا، بينما أول ساعات يومك تذهب في مراقبة حياة الآخرين على أنستجرام ..
= كثيرون لا يعيشون حياتهم؛ إنهم يشاهدون حياة غيرهم حتى ينتهي يومهم....
يعرفون من سافر، ومن تزوج، ومن اشترى منزلا، ومن خسر وزنه، ومن تعلّم الرقص، ومن أتقن عدّة لغات، ومن أطلق مشروعا، لكنهم لا يعرفون ما الذي صنعوه هم في يومهم.....
= المقارنة المستمرة لا تمنح الإنسان خطة، بل تستهلك طاقته في متابعة سباقات لم يختر المشاركة فيها.
وتغيير الحياة لا يبدأ باحتقار الذات....
فالإنسان الذي يكره نفسه قد يعاقبها، لكنه قلما يستطيع بناءها....
هناك فرق بين أن تقول: "أنا فاشل"، وأن تقول: "هذه الطريقة التي أعيش بها تفشلني".
الجُملة الأولى تحكم على هويتك، أما الثانية فتفتح باب التغيير....
العار يقول لك: أنت سيئ ولا أمل فيك....
أما المسؤولية فتقول: لقد أخطأت، ولكنك تستطيع أن تختار فعلا آخر.
ومن أعمق ما قرره علم النفس أن الإنسان لا يملك دائما ما يحدث له، لكنه يملك قدرا من الحرية في كيفية استجابته له.....
والمقولة المشهورة: "بين المثير والاستجابة مساحة، وفي تلك المساحة قدرتنا على الاختيار"... تُعبّر عن معنى نفسي عميق، وإن كان معهد فيكتور فرانكل ينبه إلى أنها تُنسب إليه من غير توثيق حاسم في كتبه....
وهذه المساحة الصغيرة هي التي تتغير فيها الحياة....
بين الغضب والشتيمة مساحة....
بين الحزن والانهيار مساحة....
بين الرغبة في الشراء وتمرير البطاقة مساحة.....
بين صوت الهاتف وفتحه مساحة.....
بين الإهانة والعودة إلى من أهانك مساحة.....
بين الخوف ورفض الفرصة مساحة.....
قد لا تستطيع منع الشعور، لكنك تستطيع أن تتعلم ألا تجعل كل شعور أمرا واجب التنفيذ.....
فليست كل رغبة حاجة، وليست كل فكرة حقيقة، وليس كل خوف نبوءة، وليس كل حنين دليلا على أن العودة صحيحة.....
لا تجعل الماضي وظيفة بدوام كامل...
من حقك أن تحزن على ما حدث، لكن ليس من الحكمة أن تعيد توظيف الماضي كل صباح كي يفسد يومك....
بعض الناس أخطأوا مرة، ثم عاشوا بقية عمرهم يدفعون الخطأ نفسه؛ لا لأن العالم لم يغفر لهم، بل لأنهم لم يسمحوا لأنفسهم أن يغادروا غرفة المحكمة....
الاستفادة من الماضي لا تعني الإقامة فيه....
الماضي معلم، لكنه سجان رديء....
- خذ منه الدرس، واترك له المشهد....
اسأل نفسك: ما النمط الذي يتكرر في حياتي؟
لماذا أختار الأشخاص أنفسهم بأسماء مختلفة؟
لماذا أؤجل حتى تتراكم الأزمات؟
لماذا أهرب إلى الطعام أو التسوق أو النوم أو الهاتف كلما تألمت؟
لماذا أبدأ بقوة ثم أتوقف؟
الخطأ الذي لا نفهم جذره لا ينتهي؛ إنه يغير ملابسه فقط.
وقد يترك الإنسان علاقة مؤذية، ثم يدخل علاقة تشبهها، ويغير عمله، ثم يعيد السلوك نفسه، وينتقل إلى بلد جديد، لكنه يحمل معه العقلية القديمة....
فتغيير المكان لا يكفي إذا حملت معك الشخص الذي صنع الفوضى الأولى....
لا تنتظر الثقة كي تبدأ...
من أكثر الأكاذيب شيوعا أن الإنسان ينبغي أن يثق بنفسه أولا، ثم يتحرك.
غالبا يحدث العكس....
أنت لا تكتسب الثقة قبل الفعل، بل بعد أن ترى نفسك تفعل....
الثقة ليست خطابا تقوله أمام المرآة، بل ذاكرة أدلة تجمعها عن نفسك...
كل مرة تفي فيها بوعد صغير قطعته لنفسك، تضع حجرا في بناء الثقة....
وكل مرة تعلن بداية ثم تنسحب، تعلم عقلك ألا يصدقك....
لذلك لا تبدأ بوعود بطولية....
لا تقل: سأتغير كليا ابتداء من الغد....
قل: اليوم لن أخون هذا القرار الصغير....
الإنسان لا يبني نفسه بالقفزات النادرة، بل بالأفعال الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح طبيعة ثانية....
قد تغير حياتك ساعة مبكرة تكررها، أو نصف ساعة مشي، أو مبلغ صغير تدخره، أو كتاب تقرأه على مهل، أو مهارة تتعلمها، أو قرار بالتوقف عن الرد حين تكون غاضبا....
الحياة الكبيرة تختبئ غالبا داخل انضباطات صغيرة لا يصفق لها أحد.
ابدأ من الصفر ولا تخجل....
هناك من يبلغ الأربعين أو الخمسين، ثم يخشى أن يبدأ تعليما جديدا أو عملا جديدا؛ لأنه يتصور أن البداية المتأخرة إدانة للماضي....
لكن ما البديل؟
أن تهدر ما بقي من عمرك عقابا لنفسك على ما مضى منه؟
البدء متأخرا ليس عيبا....
العيب أن تعرف أنك في الطريق الخطأ، ثم تستمر فيه حتى النهاية فقط لأنك قطعت فيه مسافة طويلة.
كم إنسانا بقي في وظيفة تقتله لأن سنواته السابقة فيها كثيرة؟
وكم امرأة بقيت في دائرة اجتماعية تحتقرها لأنها اعتادت عليها؟
وكم شخصا احتفظ بمشروع خاسر لأنه يخشى الاعتراف بأن اختياره الأول لم يكن صائبا؟
العودة إلى نقطة الصفر لا تعني أنك عدت بلا شيء.
أنت تعود بخبرة الطريق الخطأ....وهذه ليست صفرا...
إنها معرفة ثمينة بما لا ينبغي تكراره.
لا تطرق الأبواب وأنت تعتذر عن وجودك....
تغيير الحياة يحتاج أحيانا إلى قدر من الجرأة يبدو للآخرين وقاحة، لكنه في الحقيقة استرداد لحق الإنسان في المحاولة.
اطلب العمل...
قدم المشروع....
راسل المؤسسة....
تعلم اللغة....
سافر إن وجدت فرصة آمنة....
ابدأ تجارة صغيرة....
اعرض فكرتك....
لا تنتظر أن يأتي العالم إلى بابك ليكتشف موهبة أخفيتها عنه بإتقان.....
قال تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾، وقال سبحانه بعد صلاة الجمعة: ﴿فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾.
الإيمان لا يربي الإنسان على انتظار الرزق وهو ساكن، بل يجمع له بين التوكل والحركة، وبين الدعاء وبذل السبب.
فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم مع كمال توكله، وأعد الراحلتين، واختار الدليل، وأخفى المسار، ورتب من يأتيه بالخبر والطعام....
لم يكن الأخذ بالأسباب نقصا في اليقين، بل كان من تمامه.....
ومريم عليها السلام، وهي في أشد لحظات ضعفها، قيل لها: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾.
كان الله قادرا أن يسقط الرطب بلا هز، لكن في القصة تربية للإنسان:
افعل ما تستطيع، ولو بدا السبب أضعف من النتيجة التي ترجُوها....
- احذر البيئة التي تكافئ أسوأ ما فيك...
لا يكفي أن تكون نيتك صالحة إذا كانت بيئتك مصممة لإسقاطك....
من يجلس طوال يومه مع المستهزئين بكل نجاح، سيحتاج في كل مرة إلى الدفاع عن طموحه قبل أن يبدأ....
ومن يحيط نفسه بالمسرفين سيبدو له الاعتدال بخلا....
ومن يعيش بين الكسالى سيبدو له الاجتهاد مبالغة....
ومن يجالس أصحاب الشكوى الدائمة قد ينتهي إلى تفسير العالم كله بوصفه مؤامرة شخصية عليه....
ليس المقصود أن تهجر كل متعثر أو فقير أو مبتلى؛ فالفشل مرحلة قد يمر بها أشرف الناس....
المقصود أن تحذر ممن جعل العجز فلسفة، واتخذ السخرية من المجتهدين وسيلة لحماية كسله....
- هناك إنسان متعثر يريد النهوض؛ خذ بيده....
- وهناك إنسان استوطن الحفرة، وكلما حاولت الخروج منها جذبك إليه؛ احذر أن يسمي سقوطكما معا وفاء....
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".
فالصحبة لا تنقل إلينا الأفكار فقط؛ بل تنقل إلينا سقف الممكن....
حين تعيش بين أناس يعملون ويتعلمون ويخططون، يصبح الإنجاز طبيعيا...
وحين تعيش بين أناس يسخرون من كل محاولة، يصبح الاستسلام هو الوضع الاجتماعي الآمن....
الوقت لا يضيع وحده؛ نحن نبدده...
نقول: ضاع الوقت، كأنه خرج من البيت ولم يعد.
لكن الوقت لا يضيع وحده....
نحن نقدمه طوعا لمحادثات لا تعنينا، ومقاطع لا تضيف إلينا، وأشخاص لا يفعلون شيئا سوى إعادة القصة نفسها، وخصومات على الإنترنت لن يتذكرها أحد بعد يومين.....
المشكلة ليست في أن الإنسان يحتاج إلى الراحة؛ فالراحة ضرورة.....
المشكلة أن نخلط بين الراحة والتخدير....
الراحة تعيدك إلى حياتك أقوى....
أما التخدير فيجعلك تهرب من حياتك حتى تتراكم عليك....
- راقب ما تشعر به بعد ساعات الهاتف: هل ارتحت، أم أصبحت أكثر تشتتا وضيقًا ومقارنة؟
ليس كل ما يسليك يريحك، وليس كل ما يتعبك يضرك....
قد يتعبك المشي وينفعك، ويريحك الكسل ساعة ويفسد عليك سنوات....
ضع أهدافا، لكن ابنِ لها طريقا...
الهدف الذي لا ينزل إلى جدولك مجرد أمنية محترمة.
أن تقول: أريد أن أتعلم، لا يكفي.
متى ستتعلم؟ وأين؟ وكم ساعة؟ وما المادة الأولى؟
أن تقول: أريد مشروعا، لا يكفي.
ما أول خدمة ستبيعها؟ من أول عميل محتمل؟ ماذا ستنتج هذا الأسبوع؟
أن تقول: أريد حياة هادئة، لا يكفي....
ما العلاقة التي تحتاج إلى حدود؟ وما الالتزام الذي يجب أن ترفضه؟ وما العادة التي تسرق نومك؟
الأهداف تحدد الاتجاه، لكن الانضباط اليومي والتنظيم يصنعان التقدم....
وهذه هي الفكرة التي يشدد عليها جيمس كلير: الأهداف نافعة لتعيين الوجهة، أما الأنظمة فهي التي تحرك الإنسان إليها.
لا تسأل فقط: ماذا أريد بعد سنة؟
اسأل: ما الذي يجب أن أفعله كل يوم كي أصبح الشخص القادر على بلوغ ذلك؟
ليس كل ما اعتاده المجتمع فضيلة...
بعض الناس لا يعيشون حياتهم، بل يؤدون الدور الذي كتبه لهم الآخرون.
يختار تخصصا لا يحبه لأن الناس يرونه مرموقا....
ويبقى عاطلا لأنه يستنكف من عمل شريف لا يناسب صورته الاجتماعية.
ويستدين ليقيم حفلا لا يقدر عليه، ثم يقضي سنوات يسدد ثمن إعجاب الناس بليلة واحدة.
ويشتري ما لا يحتاجه، بالمال الذي لا يملكه، ليثير إعجاب أشخاص لا يحبونه.
ثقافة العيب حين تمنع الإنسان من الحرام أو الدناءة نافعة.
أما حين تمنعه من عمل شريف، أو تعلم جديد، أو اعتراف بخطأ، أو طلب علاج نفسي، أو مغادرة بيئة مؤذية، فهي وثن اجتماعي ينبغي كسره.
ليس العيب أن تبدأ صغيرا....
العيب أن تبقى بلا عمل لأنك تنتظر بداية تليق بكبريائك ....
ليس العيب أن تقول: لا أعرف.
العيب أن تعيش جاهلا كي تحافظ على صورة العارف.
وليس العيب أن تطلب المساعدة....
العيب أن تغرق بصمت حتى لا يقال إنك احتجت إلى أحد.
التغيير ليس تفاؤلا ساذجا ...
النظرة الإيجابية لا تعني أن تقنع نفسك بأن كل شيء جميل.
قد تكون بعض الأمور قاسية فعلا.
وقد تكون مريضا، أو مثقلا بالدين، أو وحيدا، أو محاصرا بظروف لم تخترها...
علم النفس الناضج لا يقول للمجروح: ابتسم فقط.
بل يقول: اعترف بالألم، ثم ابحث عن الجزء الذي ما زال في يدك.
قد لا تملك تغيير الماضي، لكنك تملك منع الماضي من اتخاذ القرار نيابة عنك.
قد لا تملك منع الناس من ظلمك، لكنك تملك أن تضع حدودا.
قد لا تملك فرصة كبيرة الآن، لكنك تملك أن تستعد لها.
قد لا تستطيع إصلاح حياتك كلها هذا الشهر، لكنك تستطيع ألا تزيد خرابها اليوم.
وهذا فرق هائل.....
قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.
هذه الآية ليست قاعدة تنموية بسيطة تعني أن الإنسان يخلق قدره مستقلا عن الله، بل تقرر سنة إلهية في ارتباط أحوال الناس بما يقوم في نفوسهم وأعمالهم؛ فالتحول الداخلي من طاعة وشكر واستقامة أو من انحراف وجحود تترتب عليه تحولات في الحال، مع بقاء الأمر كله لله وتقديره.
فالقرآن لا يربيك على وهم السيطرة الكاملة، ولا على الاستسلام الكامل.
بل يضعك بين حقيقتين:
أنك عبد لا يملك كل شيء.... وأنك مسؤول عما تستطيع.
تدعو الله، ثم تتحرك....
تتوكل، ثم تأخذ بالأسباب.....
تستغفر ربّك على أخطاء الماضي، ثم لا تصر عليها ..
ترجو الفرج، ثم تهيئ له ما تقدر عليه.....
وحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز"، جمع منهجا كاملا للحياة في كلمات قليلة:
حدد ما ينفعك....
احرص عليه ولا تتعامل معه بفتور....
استعن بالله ولا تغتر بقوتك....
ولا تستسلم للعجز قبل أن تستنفد وسعك.
كيف تبدأ فعلا؟
لا تبدأ بإصلاح حياتك كلها في ليلة واحدة، لأن الحماس الذي يعدك بكل شيء قد يتركك بعد أيام بلا شيء....
اختر ثلاث جبهات فقط:
شيئا تتوقف عنه....
وشيئا تبدأه.....
وشيئا تستمر عليه.....
توقف عن عادة واحدة تستنزفك.
ابدأ سلوكا صغيرا يمكن قياسه.
واستمر في أمر جيد تفعله بالفعل.
لا تحاول أن تصبح إنسانا آخر غدا....
حاول أن تكون اليوم أوفى لنفسك من الأمس....
نَظِّف محيطك لا تسنى يا عزيزي...
رتب نومك...
اكتب مصروفاتك...
امش ولو قليلا....
اقرأ ولو صفحات....
أنهِ مهمة مؤجلة....
اعتذر إن أخطأت...
قل "لا" حين تكون "نعم" خيانة لنفسك....
اطلب المساعدة حين تتجاوز المشكلة قدرتك....
ولا تحتقر الفعل الصغير؛ فالسفينة لا تغير اتجاهها دفعة واحدة، بل بانحراف قليل يستمر حتى يقودها إلى ساحل آخر.....
وفي النهاية، لن تتغير حياتك لأنك قرأت مقالة مؤثرة لكاتبة تزعم أنها عاشت تجارب لم يعش كمثلها أحد، ولا لأنك شعرت بالحماس ساعة، ولا لأنك بكيت على السنوات التي ضاعت....
ستتغير حين تصبح قراراتك اليومية أكثر صدقا من أعذارك....
حين تكف عن انتظار النسخة المتحمسة منك، وتبدأ بالنسخة المتعبة الموجودة الآن.
حين تفهم أن إنقاذ النفس ليس لحظة بطولية، بل وفاء يومي صامت.
وحين تدرك أن العمر لا يطلب منك أن تعيد كتابة الماضي، بل أن تتوقف عن منحه الصفحات الباقية.
لا تنتظر أن تصبح الظروف مثالية....
فالحياة لا تفتح أبوابها عادة لمن يقف أمامها مكتمل الاستعداد، بل لمن يبدأ ناقصا، خائفا، مترددا، ثم يتعلم وهو يسير.
ربما لا تستطيع اليوم أن تغير حياتك كلها.
لكن تستطيع أن تتخذ قرارا واحدا يجعل حياتك غدا أقل سوءا.
ثم قرارا آخر....
ثم آخر....
وهكذا لا تستيقظ ذات صباح لتجد أن المعجزة حدثت.
بل تكتشف أن ما كنت تسميه معجزة، كان مجموعة اختيارات صغيرة لم يرك أحد وأنت تتمسك بها.....
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
==
إحسان الفقيه
من كتاب "مصابة بالوضوح" قيد الكتابة ولم يُنشر بعد..
يظن بعض الناس أن الحياة تبدأ بالانكماش مع تقدم العمر… وكأن السنوات لا تضيف إلى الإنسان إلا التجاعيد، وتنتزع منه الشغف شيئًا فشيئًا. لكن الحقيقة النفسية مختلفة تمامًا، فالذي يشيخ أولًا ليس الجسد… بل المعنى!
أحياناً قد يبلغ الإنسان السبعين، وما زال يكتشف، ويتعلم، ويحب، ويضحك، ويخطط للغد. وقد يبلغ الأربعين فقط… لكنه يعيش وكأن الحياة انتهت.
في علم النفس، لا يُقاس العمر بعدد السنوات، بل بقدرة الإنسان على أن يبقى منخرطًا في الحياة.
وتشير الأبحاث النفسية، إلى أن الأشخاص الذين يحتفظون بهدف، أو هواية، أو دور اجتماعي، يتمتعون بصحة نفسية أفضل، ويكونون أقل عرضة للاكتئاب والعزلة والتدهور المعرفي. فالدماغ لا يتقاعد… بل يستجيب لما نطلبه منه.
كل تجربة جديدة، وكل مهارة نتعلمها، وكل مكان نزوره، وكل شخص نتعرف إليه… يدفع الدماغ إلى بناء روابط عصبية جديدة، فيما يُعرف بالمرونة العصبية. ولهذا، فإن التجديد ليس رفاهية، بل حاجة بيولوجية أيضًا.
أما المدرسة الوجودية، فترى أن الإنسان لا يفقد المعنى لأنه تقدم في العمر، بل لأنه توقف عن صناعته. فالمعنى لا يسقط علينا من السماء، بل نصنعه كل يوم. في كتاب نقرأه، أو شجرة نزرعها، أو حفيد نحتضنه أو كلمة طيبة نتركها في قلب إنسان.
التحليل النفسي، فيرى أن بعض الناس يستسلمون للروتين لأنهم يعتقدون، دون وعي، أن أفضل سنوات حياتهم انتهت،
فيعيشون بقية العمر في مقارنة مستمرة مع الماضي، يتحدثون عما كانوا عليه بدل أن يسألوا أنفسهم: "من أستطيع أن أكون اليوم؟".
لكن الحياة لا تطلب منك أن تعود شابًا، بل أن تبقى حيًا من الداخل وأجمل أشكال الحياة، أن تظل قادرًا على الدهشة، لا تتوقف عن السفر إن استطعت، ولا تتوقف عن التعلم، ولا تتوقف عن تجربة شيء جديد، حتى لو كان بسيطًا.
غير طريق مشيك، ازرع نبتة، تعلم لغة، اقرأ كتابًا في مجال لم تعرفه من قبل.. لأن الروتين الطويل لا يسرق الوقت فقط، بل يسرق الإحساس بالحياة.
ولا تجعل الزواج يتحول إلى عقد إدارة منزل، فشريك الحياة لا يحتاجك فقط عندما يمرض بل يحتاج أن يشعر، بعد عشرين أو ثلاثين سنة من الزواج، أنك ما زلت تراه، اخرجا معًا، تحدثا عن أحلام جديدة، لا عن الفواتير فقط، امشيا يدًا بيد، حتى لو اشتعل الشيب في الرؤوس. قل كلمة حب، حتى لو ظننت أن الطرف الآخر يعرفها.
فالدراسات تشير إلى أن العلاقات التي تستمر في تبادل المودة والاهتمام والامتنان تكون أكثر استقرارًا ورضا، بغض النظر عن عمر الزوجين.
إن العمر ليس عدًا تنازليًا نحو النهاية، بل فرصة متجددة لزيادة الأثر، فالإنسان ما دام يتنفس فما زال قادرًا على أن يتعلم، ويصلح، ويغفر، ويحب، ويصنع خيرًا. والأيام التي بقيت لك، ليست أقل قيمة من الأيام التي مضت، بل ربما تكون أكثر نضجًا، وأكثر حكمة، وأكثر قدرة على صناعة السلام.
لا تخف من أن يكبر جسدك، بل خف أن يصغر عالمك. ولا تسمح للروتين أن يقنعك أن العمر انتهى، ولا تسمح للسنوات أن تسرق فضولك، أو دهشتك، أو قدرتك على الحب. فالإنسان لا يشيخ عندما يمتلئ شعره بالشيب، بل عندما يتوقف عن انتظار صباح يحمل شيئًا جديدًا. وما دمت تستيقظ كل يوم، فما زالت الحياة تقول لك: "لديك صفحة أخرى… فاكتب فيها شيئًا يستحق أن يُروى."
#ياسمين_العيساوي
#صحة_نفسية
لو سألت إنساناً قبل عقود من الزمن: "ماذا تريد من هذه الحياة؟"، لقال لك بلسان يملؤه الرضا: "ستر الله، والكفاية، وصلاح الذرية".
أما اليوم، فلو طرحت السؤال ذاته، لوجدت الإجابات مغلفة بقلق عميق، وتطلعات لا تنتهي، وركض متواصل خلف أهداف لا تُشبع صاحبها إذا وصل إليها!
ما الذي تغير؟
إننا لا نعاني اليوم من "ندرة الوسائل"، بل نعاني من "تضخم الرغبات". لقد نجحت الثقافة الاستهلاكية الحديثة في تحويل "الكماليات" إلى "ضروريات"، وصنعت في نفوسنا حساً دائمًا بالفقر والحرمان، مهما كنا نملك من النعم.
تتأسس هذه المعضلة الحياتية على ثلاث حقائق غائبة عن الكثير منا:
1. وهم "المنصة الفضية" (سيكولوجية المقارنة)
نحن لا نقيس سعادتنا بما نملك، بل بما يملكه "الآخرون" في محيطنا. بالأمس كان المحيط هو الجيران وأبناء العمومة، أما اليوم، فقد أصبح المحيط هو "العالم بأسره" عبر شاشات الهواتف.
حين نرى تفاصيل حياة الآخرين المنتقاة بعناية (سفرهم، طعامهم، نجاحاتهم)، ينشأ لدينا شعور تلقائي بالغبش والتقصير، وندخل في مقارنة ظالمة بين "كواليس حياتنا العادية" وبين "المشاهد المخرجة بعناية" من حياة الآخرين.
2. السير في "الساقية الدائرية"
هناك قانون نفسي عجيب يُسمى "التكيف المتعاظم"؛ حيث يعتاد الإنسان على النعمة الجديدة بسرعة ليفقد شغفه بها، ويبدأ فوراً في التطلع لما هو أعلى منها. إن الذي يركض خلف المظاهر والتملك كمن يشرب من ماء البحر، كلما تجرع منه كأساً، ازداد عطشاً. السعادة ليست في وفرة ما نملك، بل في قدرتنا على الاستمتاع بما نملك وتثمينه.
3. غياب "المركزية الأخلاقية"
حين تفرغ القلوب من التعلق بالآخرة وبناء الأثر الحقيقي، تصبح "الأشياء المادية" هي المعيار الوحيد لقيمة الإنسان. يتحول المرء من عبدٍ لله، إلى عبدٍ لصورته أمام الناس، وشتان بين حرية العبودية لله، وذل الاستثارة الدائمة لإعجاب الخلق.
كيف نسترد توازننا المفقود؟
الخروج من هذه الدوامة لا يكون بالزهد الجاهل الذي يعتزل الحياة، بل بـ "الزهد الواعي" الذي يملك الدنيا في يده ولا يسمح لها بدخول قلبه، وذلك عبر خطوات ثلاث:
أن نعتمد مقياس "الكفاية والبركة":
أن ندرك أن الرزق ليس رقماً مجرداً، بل هو "أثر ذلك الرقم في سكينة الروح ونماء العقل". فالقليل الذي يورث طمأنينة، خير من الكثير الذي يجلب الشتات والقلق.
أن نمارس "الحمية الرقمية":
بأن نغلق النوافذ التي تهب منها رياح المقارنة. ليس علينا متابعة كل تفاصيل حياة المشاهير والمترفين، فحراسة الرضا في قلوبنا أولى بكثير من إشباع الفضول العابر.
أن نتحول إلى "العطاء":
إن متعة "الأخذ والتملك" متعة لحظية تنتهي سريعاً، أما متعة "العطاء والبناء والأثر" فهي متعة ممتدة تملأ الروح بالمعنى. ابحث عن فكرة تنفع بها الناس، أو علم تنشره، أو أسرة تعينها، وسترى كيف يتقزم حجم الماديات في عينيك.
إن هذه الحياة رحلة قصيرة، ولم يُخلق الإنسان ليكون وعاءً يجمع المتاع، بل خُلق ليكون منارة تشع بالخير والوعي. فلنخفف من أحمالنا، ولنصلح بوصلتنا، ولنعلم أن أغنى الناس ليس أكثرهم تملكاً، بل أشدّهم غنىً بالله وعافية في نفسه.
حفظكم الله، ورزقنا وإياكم قلوباً راضية وعقولاً واعية.
د. عبد الكريم بكار
يمرّ الواحد منا بيومه، فيشعر بإنهاك شديد وكأنه قد هدّ جبالاً. نسأل أنفسنا في نهاية المطاف: "ماذا أنجزتُ اليوم حقاً؟"، فلا نكاد نجد جواباً شافياً!
إننا نعيش في عصر يُغرينا بـ "الحركة المستمرة" على حساب "التقدم الحقيقي". لقد تحول الكثير منا إلى كائنات "منفعلة" وليست "فاعلة"؛ نردّ على الرسائل، نتصفح الأخبار، نتابع السجالات، ونظن أننا في قلب الأحداث، بينما نحن في الحقيقة واقفون في أماكننا، بل ربما نتراجع إلى الوراء.
هناك فرق جوهري بين "الامتلاء" و"النماء": أن تمتلئ عقولنا بالمعلومات السطحية والأخبار العابرة، فهذا أمر سهل ومتاح للجميع. أما أن تنمو عقولنا وأرواحنا من خلال القراءة العميقة، والتأمل الهادئ، والعمل التراكمي الصغير، فهذا هو التحدي الحقيقي الذي يصنع الفارق بين إنسان يبني أثراً، وإنسان يتبخر أثره مع إغلاق شاشة هاتفه.
السنن الكونية لا تحابي أحداً
إن الله سبحانه وتعالى قد وضع في هذا الكون سنناً لا تتخلف؛ وأولى هذه السنن أن النتائج العظيمة هي بنت المقدمات الصبورة.
لا يمكن لجرعة معلومات سريعة مدتها دقيقة واحدة أن تصنع وعياً، ولا يمكن لعمل مشتت بين عشرات المهام أن ينتج إتقاناً. يقول الحق تبارك وتعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا}، والعمل في المنظور الإسلامي والحضاري ليس مجرد حركة عشوائية، بل هو "إتقان وسعي منهجي متصل".
إذا أردنا أن نخرج من تيه "الوهم الرقمي" والانشغال المزيف، فلنبدأ بثلاث خطوات عملية يسيرة، لكنها تحتاج إلى "مجاهدة":
أولاً: أن نحرس عقولنا:
بأن نجعل لأنفسنا ساعة واحدة على الأقل في اليوم، نتحرر فيها تماماً من المشتتات والشبكات؛ نقرأ فيها كتاباً يؤسس وعينا، أو نجالس فيها أهلنا بإنصات كامل، أو نتأمل في مسار حياتنا.
ثانياً: أن ندرك هيبة الصغائر (التراكم البطيء):
فنصف صفحة نكتبها يومياً في مشاريعنا، أو عشر دقائق نحفظ فيها علماً نافعاً، خيرٌ لنا بألف مرة من اندفاعة حماسية ليوم واحد ثم الانقطاع. فالقليل الدائم هو ما يصنع المعجزات عبر الزمن.
ثالثاً: أن نتحول من الاستهلاك إلى الإنتاج:
بأن نسأل أنفسنا قبل أن ننشر أو نشارك أو نقرأ: "هل هذا يضيف لآخرتنا أو دنيانا قيمة حقيقية؟ أم أنه مجرد ضجيج يملأ الفراغ؟".
إن أوقاتنا هي رأس مالنا الوحيد في هذه الحياة، وكل دقيقة تذهب دون وعي أو عمل صالح، هي جزء منا يرحل ولا يعود. فلنستعد وعينا، ولنعد ترتيب أولوياتنا، ولنعش الحياة بعمق يليق بالرسالة التي حُملنا إياها.
حفظكم الله، وألهمكم الرشاد والوعي.
صناعة الوعي جهاد مشترك.. ساهم بنشر المقال لتعم الفائدة، وشاركونا تجاربكم في التغلب على تشتت الأجهزة الرقمية في حياتكم اليومية.
د. عبد الكريم بكار
⏪️ احذر غضب العمانيون 🇴🇲
لا تغرنك السكينة التي تتلحف بها عُمان، ولا يخدعنك هذا السلام الممتد كبحرها الهادئ. العُمانيون أهلُ حلمٍ، وأصحابُ وقار، يدعون للسلام وكأنهم لم يعرفوا الحرب يوماً، ويتغاضون عن الزلات مرة، ومرتين، وألفاً، ترفعاً وتسامحاً وشيمةَ كبار..
ولكن.. إياك أن تظن هذا الصمت عجزاً، أو هذا التسامح ضعفاً .. "إنها عُمان.. الأرض التي إذا صمتت أنصتت لها الجغرافيا، وإذا غضبت زأرَ لها التاريخ."
وراء هذه الوجوه السمحة إرثُ سلاطين وقادة دكّوا عروش البرتغاليين، وبنوا إمبراطوريةً لم تكن الشمس تغيب عن شواطئها. هم سلالة من خاضوا البحار، وطوّعوا الصخور، وكتبوا بدمائهم وبطولاتهم فصولاً في كتاب المجد لا تمحوها السنون.
حلمٌ بلا حدود ..يتغاضون كرماً، ويصمتون حكمة. .. وبأسٌ لا يُرد إذا نُبشت كرامتهم، أو استُبيح حماهم، تلاشت طاقة الحلم، واستيقظ في عروقهم بأس الأجداد.
إذا غضب العُماني، فلا أمانعَ يحميك، ولا جدارَ يقيك. ينجلي لين السلام ليظهر معدنٌ أصلب من جبال الحجر، وتتحول تلك الحكمة إلى إعصارٍ جارف لا يبقي ولا يذر .. فهم دعاة سلامٍ ما استقام الناس، ورجالُ حربٍ إذا دارت رحاها.
يوسف القاسمي
ترحل القامات، لكن الخير الذي غرسوه هنا على هذه الأرض لا يرحل…
وتغيب الوجوه التي صنعت المراحل، لكن أثر أصحابها يبقى شاهدا في الأوطان وفي الرجال الذين حملوا الراية من بعدهم…
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وألهم سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وإخوته وأهله وأهل قطر الكرام جميعا .. جميل الصبر وعظيم الأجر، وأدام على قطر عزها ووحدتها واستقرارها، فخير عزاء للآباء أن يروا غرسهم قد اشتد عوده، وأن الأمانة قد بقيت في أيدٍ أمينة ..
إنا لله وإنا إليه راجعون…
السّلام عليكَ يا صاحبي،
تقولُ لي: يمضي العمرُ وليس لي إنجازاتٌ تُذكر،
فأقولُ لكَ: ومن قال لكَ أن الإنجازات يجب أن تكون خارقة؟!
ليستْ الإنجازات يا صاحبي هي فقط تلكَ التي تُدوَّنُ في كتبِ التَّاريخ، ويتحدث عنها الناس!
من قال أنّ علينا جميعاً أن نكون مخترعين،
أو فقهاء، أوأدباء، أو ساسة، أو أثرياء، أو مشاهير،
لنكون من أصحاب الإنجازات،
يكفي أن يكون المرءُ إنساناً، فهذا بحدِّ ذاته إنجاز عظيم!
نحن أبطال يا صاحبي،
وإن لم نقد الجيوش ونُحقق النصر،
أو نخترع دواءً، أو نكتشف قانوناً في الفيزياء،
أو نعثر على مركَّبٍ جديد في الكيمياء، أو نضع قاعدةً في الرياضيات،
أو بحراً جديداً من بحور الشِّعر، أو نفوز بجائزة نوبل!
نحن أبطالٌ حين نُجاهد أنفسنا كل يومٍ كي لا نعصي الله سبحانه،
وأبطالٌ حين نعصيه فنعود إليه مكسورين مستغفرين!
نحن أبطال حين نجبر خواطر النَّاس،
وحين نختار مفرداتنا بدقةٍ كي لا نُؤذي أحداً!
نحن أبطال حين نمرُّ بالبائع المتجول المسكين فنشتري منه،
ونتغاضى في السِّعر قليلاً، ونحسبُ هذه الصفقة صدقةً خفيَّة!
نحن أبطال حين نصل إلى آخر الشهر بمرتباتنا الهزيلة ونستر فقرنا عن النَّاس!
نحن أبطال حين نربي أولادنا كي يخافوا الله،
ونلاحقهم على حفظ جزء عمَّ كما نلاحقهم على حفظ جدول الضَّرب!
نحن أبطال يا صاحبي حين نبرّ آباءنا وأمهاتنا،
وحين نحسن إلى جيراننا، ونساعد زوجاتنا، ونصل أرحامنا!
نحن أبطال حين نجاهد على مقاعد الدراسة،
وحين نقتلع رغيف الخبز لأولادنا من الصخر!
دوَّن في خانة إنجازاتك يا صاحبي قيامك لصلاة الفجر!
ودوِّن أيضاً إمساكك بيد أحبائك رغم كلِّ شيءٍ،
فمن أعطاك قلبه فقد ائتمنكَ عليه،
والله يُحبُّ أن تُؤدى الأمانات إلى أهلها!
دوِّن في خانة إنجازاتك تلك اللحظة التي فرحتَ فيها بنجاح غيرك،
فهذا يعني أن لكَ قلباً طيباً!
ودوِّن أيضاً دعاءكَ بالبركة لكل صاحب نِعمةٍ،
فهذا يعني أنكَ تربَّيتَ جيداً، ورضيتَ بقسمة الله!
دوِّن في خانة إنجازاتك كل دمعةٍ مسحتها لمحزون،
وكل كلمةٍ حلوة قلتها لمجروح، وكل تربيتة ربّتها على كتف مكسور!
والسّلام لقلبكَ
ليست قيمة الإنسان فيما يملك، ولا فيما يُقال عنه، ولا في عدد الذين يقفون على بابه، وإنما في الثمن الذي يرفض أن يبيع نفسه به.
فالنفوس لا تتفاوت بحجم الأجساد، ولا بالألقاب، ولا بالأرصدة، وإنما بالحدود التي ترسمها لنفسها فلا تسمح لأحد أن يتجاوزها.
* هناك من يعيش عمره كله وهو يساوم على مبادئه من أجل منفعة، وعلى كرامته من أجل منصب، وعلى حريته من أجل رضا الناس، حتى تنتهي حياته وقد كسب أشياء كثيرة... إلا نفسه.
* وفي المقابل، هناك من يعرف قدر نفسه معرفة تُورثه سكينة لا كبرياء، وعزّة لا تعالي فيها، وهيبة لا غرور في حواشيها...
يعلم أن الله حين كرّم الإنسان لم يجعل كرامته هبةً من سلطان، ولا منحةً من جمهور، ولا شهادةً من مؤسسة، بل جعلها أمانةً يحملها الإنسان بنفسه؛ فإن صانها علت منزلته، وإن ابتذلها لم يرفعه بعد ذلك مال، ولا جاه، ولا تصفيق...
ولهذا كان علو الهمة، في حقيقته، ليس أن يعلو الإنسان على الناس، بل أن يعلو بنفسه عن كل ما لا يليق بها....
وعالي الهمة لا يرى نفسه فوق الناس تكبّرا، وإنما يراها فوق الشهوات، وفوق الابتزاز، وفوق كل ما ينتقص كرامتها...
فهو يعرف قدر نفسه، لا لأنه أعظم من غيره، بل لأنه يدرك أن النفس التي كرمها الله لا يجوز أن تُبتذل في سبيل مال، ولا منصب، ولا علاقة، ولا شهرة، ولا انتصار من أي نوع...
ولهذا كان أول مظاهر علو الهمة أن يرفض الإنسان أن يكون رخيصا...
إن الرخيص لا يبدأ حين يبيع دينه فقط، بل يبدأ يوم يبيع مبادئه ليكسب إعجابا، أو يصمت عن الحق ليحافظ على مصلحة، أو ينافق ليقترب من أصحاب النفوذ، أو يغير قناعاته مع اتجاه الريح...
فكل تنازل مجاني عن الكرامة هو جزء من ثمن يدفعه الإنسان مقابل أن يخسر نفسه.
ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته." ...
لأن الشهوة لا تهزم الإنسان القوي، وإنما تهزم الإنسان الذي لا يعرف قيمة نفسه.
ولهذا أيضا كان الذل يبدأ من الداخل قبل أن يفرضه الخارج....
فالأمم لا تُستعبد أولًا بالسلاح، وإنما تُستعبد حين تقبل أن تعيش على الفُتات، وحين تفقد ثقتها بنفسها، وحين تستصغر قدرها....
وكذلك الإنسان؛ فكل استعباد خارجي سبقه غالبا تنازل داخلي....
وما أكثر من دخل السجن وهو حر، وما أكثر من عاش في القصور وهو عبد لشهوة أو منصب أو تصفيق.
ولهذا فإن أعظم الحصون ليست القلاع، وإنما النفس التي لا تُشترى...
انظر إلى الذهب... لماذا يُحفظ في الخزائن المُحكمة؟
ليس لأنه يخشى الضياع أكثر من الحديد، بل لأن قيمته العالية تفرض طريقة مختلفة في التعامل معه....
وكذلك الإنسان؛ فكلما عرف قدر نفسه، أحاطها بسياج من المبادئ، فلا يسمح لكل أحد أن يدخل حياته، ولا لكل فكرة أن تسكن عقله، ولا لكل شهوة أن تقوده، ولا لكل إهانة أن تمر بلا موقف.
ولذلك كانت الأسود لا تعيش على الجيف وإن جاعت، بينما تتقاتل عليها الضباع... وليس الفرق في شدة الجوع، وإنما في طبيعة النفس....
فهناك نفوس إذا جاعت أكلت كل شيء، وهناك نفوس تموت جوعا ولا تأكل ما يهينها...
وكذلك البشر؛ فليس كل ما يقدر الإنسان عليه يليق به، وليس كل ما يربحه يستحق أن يربحه.
ومن هنا نفهم سر العظماء في التاريخ....
لم يكن ما ميزهم أنهم عاشوا حياة سهلة، بل أنهم كانوا يرفضون ما لا يليق بهم ولو كان أقرب الطرق إلى المكسب....
كم من منصب رُفض لأنه ينتقص الكرامة، وكم من مال تُرك لأنه مشبوه، وكم من نصر ظاهري رُفض لأنه لا يمر إلا فوق المبادئ.
تأمل يوسف عليه السلام حين خُيِّر بين شهوة عاجلة وسجن طويل، فاختار السجن ولم يختر أن يخسر نفسه....
وتأمل أحمد بن حنبل عليه رحمة الله وهو يُجلد لأن كلمة الحق عنده كانت أغلى من سلامة الجسد...
فما يصنع العظماء ليس أنهم لا يدفعون الثمن، بل أنهم يختارون أي ثمن يستحق أن يُدفع.
وفي المقابل، فإن أكثر السقوط لا يبدأ بجريمة كبيرة، وإنما بتنازل صغير يُبرّره صاحبه لنفسه، ثم تنازل آخر، حتى يستيقظ يوما فلا يجد النفس التي كان يحميها...
ولهذا فإن الشيطان لا يطلب من الإنسان أن يهوي من القمة دفعة واحدة، بل أن ينزل درجة كل مرة، حتى يعتاد النزول.
إن الإنسان الذي يعرف قدر نفسه لا يحملها ما لا تطيق، لأنه يعلم أن البطولة ليست في استنزاف النفس، بل في صيانتها....
ولا يضعها في مواضع الامتهان، لأن الكرامة لا تُستعاد بسهولة بعد أن تُراق...
ولا يزج بها في سفاسف الخصومات، لأن النسور لا تنافس الغربان على الجيف، ولا تتوقف عند كل نباح في الطريق.
ولعل أخطر ما يهدد الإنسان اليوم ليس الفقر، ولا قلة الفرص، بل اعتياد التنازُل...
فحين يعتاد الإنسان أن يقبل ما لا يليق به، يصبح الدون عنده طبيعيا، والذل مألوفًا، حتى يفقد الإحساس بأنه خسر شيئا.
أما عالي الهمة، فإنه يعيش بميزان مختلف؛ لا يقيس النجاح بما جمع، بل بما حفظ. حفظ دينه، وحفظ مروءته، وحفظ كلمته، وحفظ هيبته، وحفظ احترامه لنفسه.
لأنه يعلم أن هناك خسائر لا تعوضها أرباح الدنيا كلها.
ولهذا كانت النفوس العظيمة لا تبحث عن المكانة، بل تكون هي المكانة...
ولا تطلب الاحترام، بل تفرضه باستقامتها...
ولا ترفع صوتها لتثبت قيمتها، لأن الجبل لا يحتاج أن يعلن ارتفاعه، والشمس لا تقدم بُرهانا كل صباح على أنها الشمس.
إن علو الهمة ليس أن تصل إلى أعلى مكان، بل أن تبقى في أعلى مقام، فلا تنزل بنفسك إلى ما يجرحها، ولا ترضى لها أن تكون سلعة في أسواق المصالح، أو رقما في طوابير الطامعين.
فإذا عرف الإنسان قدر نفسه، عرف أن الكرامة ليست مجرد شعارات واقتباسات تُرفع وتُكرر، بل أسلوب حياة...
وأن العزة ليست كلمة تُقال، بل قرارات صعبة تُتخذ حين يكون التنازل أسهل...
وأن النفس الكريمة ليست التي لم تُختبر، بل التي خرجت من الاختبارات كلها وهي لا تزال كما كانت: طاهرة اليد، مستقيمة الظهر، مرفوعة الرأس.
فالإنسان قد يخسر ماله فيسترده، وقد يخسر منصبه فيعوضه، وقد يخسر معركة فيربح بعدها معارك، لكنه إذا خسر احترامه لنفسه، فقد خسر الميزان الذي تُوزن به كل الانتصارات...
ومن عرف قدر نفسه، عاش عزيزا وإن قلَّ ما في يده، ومن جهل قدرها، ظل يطلب قيمته من الناس، ولن يمنح الناس أحدا قيمة يجهل هو نفسه قدرها...
==
إحسان الفقيه
أنقره
مقال:
لماذا العزلة؟!
د. أيمن بدر كريّم
من الصعب شرحُ فوائد العزلة ومزاياها الكثيرة، فهي تستدعي تجارب ذاتية حتى يتسنّى للإنسان تكوين انطباع عنها وعن أهميتها الشخصية ومقدارها المطلوب، لكن بصورة مُبسّطة، تكمن مشكلة الاختلاط المُفرط بالناس وارتباطك بهم في معظم الأوقات ومسايرة أرواح لا تشبه روحك، أنها قد تتركك تائهًا مشتّتًا بشخصية مختلفة ونفسية مُنهَكة ومزاجٍ مضطرب، فمن خلال التجارب، يبدو أن العزلة احتياج وليست رفاهية.
وليست العزلة كالوَحدة، فالوَحدة، الشُّعور بالفراغ والخواءِ والاحتياج والضّيق، أما العزلة، فالشعور بالثراء والامتلاءِ والسكينة والانشراح، وهي صديقةُ المفكّرين، وملجأ المتأمّلين، وملاذُ المتألّمين، وعزاءُ المُنكسرين، وأنيسةُ المتعبّدين، وقرينةُ المُبدعين، وطريقةُ الواصلين.
وعلى أهمّية الاختلاط بالناس وفضيلته، إلا إن التعرّض للناس ومخالطتهم لا يخلو من الأذى كما هو مذكورٌ في الحديث، لذا كان من الحكمة تعلّم فنّ «الاعتزال الاجتماعي» لحماية النفس والمزاج من الضّرر. يقول الدكتور (أحمد خالد توفيق): «إني وجدتُ في الاعتزال راحةً، وإني إذا خالطتُ الناس تأذّيت»، وحين تكلّم سيّدنا (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه عن الأذى قال: «اعتزل ما يؤذيك»، ولم يقل، تحمّله.
وأرى أن العزلةَ الاجتماعية الاختيارية، والبعدَ عن التعامل مع الناس إلا لحاجة وفي أضيق الحدود، من الخياراتِ الحكيمة في هذا الزمن، ففي العزلة تعلّمٌ لأمور عظيمة، منها فنون الاستغناء والتخلّي والاكتفاء والرضا، وإطالة الصوم عن كلام الناس، فضلاً عن اللجوء لرياضات التأمّل والتفكّر والتعبّد.
ولعلّ قوة العقل تظهر في قدرته على احتمال الاعتزال عن الناس، والجلوس منفردًا دون الشعور بالحاجة المُلحّة لرفقة أحد أو اهتمامه. يقول الشيخ (أبو حامد الغزالي): «وفي العزلة صيانةُ الجوارح، وفراغُ القلب، وسقوطُ حقوق الخلق، وإغلاقُ أبواب الدنيا، وكسرُ سلاح الشيطان، وعمارةُ الظاهر والباطن».
يظهر من الحال، أن الأذكياء يفضّلون العزلة الاختيارية، ويهرعون إليها كملاذٍ آمن كلّما سنحت لهم الفرصة، ولعلّ معظم من يفضّلون الاعتزال عن جمهور الناس، هم من الأشخاص الذين يتمتّعون حقّا بمهارات اجتماعية جيّدة ولا ينقصهم ذكاءٌ عاطفي مُعتبر. يقول الكاتب الأديب (توماس كارليل): «يُظهر التاريخ أن أغلب من قاموا بعملٍ عظيم، قد قضوا حياتهم في عزلة»، فضلاً عن أن الإفراط في الاختلاطِ بجمهور الناس، قد يُميث القلب، ويُضعف الهيبة، ويمنع الحكمة، ويُورث الابتذال. يقول أستاذ علم الاجتماع الدكتور (علي الوردي) في معرِض وصفه لمزايا العزلةِ الاجتماعية وقلّة الاختلاط بالناس: «كلّما كان الإنسان أكثرَ اجتماعيةً، كان أقلّ عبقرية وأكثر ابتذالاً».
المنهج الإسلامي وتقديم الحلول العملية للمشكلات
==
بعض الدعاة والوعاظ يسيئون للإسلام من حيث لا يدرون، ومن صور هذه الإساءة الاقتصار خلال التطرق إلى أزمات الناس على الأمر بتقوى الله والتوجه إليه بالدعاء والعبادة، دون تقديم حلول عملية.
ولا يخفى أن الدراما قد أخطأت في تعميم هذه النماذج، وجعلتها كأنها تعبر عن اتجاه عام لدى القائمين على الدعوة والوعظ والإرشاد.
لكن على كل حال، هذا التوجه الدعوي الوعظي موجود، وينبغي بيان أنه قد خالف المنهج الإسلامي الرصين الذي يجمع في حل الأزمات بين الحل الإيماني والحل العملي، اتساقًا مع حقيقة التوكل على رب العالمين، حين يلتجئ العبد إلى ربه ويلوذ بجنابه ويدعوه خوفًا وطمعًا، وفي نفس الوقت يباشر الأسباب، وعينه على سنن الله في خلقه، والذي جعل لكل شيء سببًا، فهو الذي أمر نوحًا عليه السلام ببناء سفينة النجاة مع قدرته تعالى على إنجائه ومن معه من المؤمنين بلا سفن، وقال لمريم أم المسيح: (هزي بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا) وهو القادر على رزقها دون أن تحرك ساكنًا.
إن حقيقة الجمع بين مسلكي الإيمان والحلول العملية في التعامل مع الأزمات والمشكلات هو صلب المنهج الإسلامي القويم، ولم يشهد عهد النبوة والقرون المفضلة هذا الخلل الذي أصاب الأفكار اليوم.
ولنتناول مثالًا في العهد النبوي لمواجهة مشكلة الفقر، لم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في علاجها على الأمر بالتقوى والصبر والالتجاء إلى الله فحسب، وإنما استخدم أساليب متنوعة تتكامل فيها الأسباب الإيمانية مع الحلول العملية، فربط العمل بالمنظومة الإيمانية والخيرية، فقال حاثًا على العمل والكسب: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده).
ولم يقتصر في هذا التوجيه على التحفيز، بل فتح آفاقًا للعمل وبذل أفكارًا ثرية للتكسب، منها الإرشاد إلى استصلاح الأراضي كما في قوله (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، ومنها العمل بالتجارة كما في قوله: (لأن يأخذ أحدكم حَبْله فيأتي الجبل فيجيء بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)، ويلاحظ هنا أنه لم يكتف بالتعميم والإرشاد إلى التجارة بشكل عام دون تفصيل، وإنما وجّه إلى الاحتطاب، باعتباره تجارة لا تحتاج إلى رأس مال، فمن ثم تتناسب مع أدنى الظروف التي يمكن أن يكون عليها الإنسان.
إضافة إلى ذلك، قدم النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة مشكلة الفقر، معالجة شاملة ذات مراحل تفصيلية، فعندما جاءه من يسأله الصدقة، سأله النبي عما يملكه، فأخبره الرجل أنه ليس في داره سوى كساء من الشعر وقدح للشرب، فأتي بهما النبي وعرضهما للبيع، وباعهما بدرهمين، فأعطى الرجل درهمًا يشتري به طعاما لأهل بيته، واشترى بالآخر آلة للنجارة تسمى القدوم، وأمره أن يذهب ليحتطب، فجاءه الرجل بعد خمسة عشر يومًا وقد ربح من ذلك ربحًا طيبًا.
هذا المنهج النبوي هو الذي سارت عليه القرون المفضلة التي أدرك أهلها أن الأخذ بالأسباب العملية ينبغي أن يكون حاضرًا في التعامل مع أي مشكلة أو أزمة، جنبًا إلى جنب مع الأسباب الإيمانية من توكل ودعاء وصدق اللجوء إلى رب العباد.
والإمام الشعبي من أشهر التابعين، قد ولد في خلافة أمير المؤمنين عمر، مر يومًا بإبل قد فشا فيها الجرب فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إنَّ لنا عجوزا نتّكل على دعائها. فقال الشعبي: اجعل مع دعائها شيئا من القطران، يعني أن يدهن جسد الإبل بالقطران للتغلب على الجرب.
هذا هو المنهج الإسلامي الذي لا يُسأل عن خلل أتباعه في التطبيق، فما من خلل داهم أفكار المسلمين إلا من خلال النأي عن المنهج الأصيل، وإنما أثرت هذه القضية لأنها أحد وجهي التطرف في مواجهة الأزمات، فالوجه الآخر هو الركون إلى الأسباب العملية والاعتماد عليها مع نسيان الاعتماد على الله واللجوء إليه، والدخول في هذا النطاق بشكل مادي بحت يجرد الإنسان من أدب العبودية لرب العالمين.
==
إحسان الفقيه
https://t.co/8fyq21btO2
@Nasser1982_ ما كل فتاة تتشرط بعضهن يريدن الستر ويكون رجال صاحب دين وخلق وميسور الحال ، والبعض الآخر شروط تعجيزيه واذا ما حصلت المطلوب تفضل تكون عانس ولا تتزوج ربي يهديهن ويستر عليهن
⏪️ في عام 2016، عثرت العاملة الإنسانية الدنماركية أنيا رينغرين لوفين على طفل صغير يبلغ من العمر عامين فقط، تُرك وحيدًا في أحد شوارع نيجيريا يواجه الموت. كان جسده الهزيل يكشف حجم المعاناة التي عاشها، بعد أن نبذته عائلته بسبب الفقر ..
▪︎ كان الطفل، الذي أُطلق عليه اسم "هوب" (الأمل)، يعاني من الجوع الشديد والجفاف والإرهاق، بعدما عاش لأشهر طويلة في الشوارع دون رعاية أو حماية. وفي لحظة إنسانية مؤثرة، التُقطت صورة لأنيا وهي تقدم له الماء، لتنتشر لاحقًا في جميع أنحاء العالم وتُصبح رمزًا للرحمة والإنسانية.
▪︎ لكن القصة لم تتوقف عند تلك اللحظة. فأنيا لم تكتفِ بإنقاذ حياته، بل قررت أن تتحمل مسؤولية مستقبله بالكامل. نقلته إلى الرعاية الطبية، ووفرت له العلاج والدعم والتعليم والحب الذي حُرم منه منذ ولادته.
▪︎ ومع مرور السنوات، تحولت حياة هوب بشكل مذهل. تعافى تمامًا من حالته الصحية الصعبة، وأصبح اليوم شابًا يتمتع بالصحة والثقة بالنفس، يتلقى تعليمه ويخطط لمستقبله مثل أي طفل يستحق فرصة عادلة في الحياة.
▪︎ هذه القصة تذكرنا بأن شخصًا واحدًا فقط يمكنه أن يصنع فرقًا هائلًا في حياة إنسان آخر. أحيانًا تكون لفتة رحمة صغيرة أو قرار شجاع كفيلًا بتغيير مصير كامل.
▪︎ قد لا تتصدر الأعمال الخيّرة عناوين الأخبار كل يوم، لكنها تترك أثرًا عميقًا في العالم يفوق ما نتخيل. فحين يختار شخص واحد أن يساعد بدلًا من أن يتجاهل، قد يولد أمل جديد ويبدأ فصل جديد من الحياة.
▪︎ لا تستهِن أبدًا بقوة الخير، فقد تكون أنت السبب في إنقاذ شخص، أو إعادة ابتسامته، أو منحه فرصة لم يكن يعتقد أنها موجودة. فالأثر الحقيقي لا يُقاس بحجم ما نملك، بل بحجم ما نقدمه للآخرين...
«سبايدر مان» اليمن… ضحية الاقتصاد الرقمي
==
«سبايدر مان اليمن»، بذا اشتهر الشاب اليمني القعقاع عنتر العبسي ابن محافظة الضالع، البالغ من العمر 30 عاما، لأنه امتهن المخاطر وألعاب الموت، فاعتاد استعراض قدراته على تسلق المنحدرات الصخرية الوعرة بمهارة وسرعة، من دون اللجوء لمعدات مساعدة، للحصول على أعلى مشاهدات كمصدر للدخل.
لكن الشاب المغامر، طُويت صفحته وفارق الحياة خلال تسلقه فوهة بركانية شديدة الانحدار، إذ انزلقت قدمه ليسقط في عمق 31 مترا، ليخلف الحزن العميق لدى محبيه ومتابعيه.
يحزنني أن أرى من يتناول قصة هذا الشباب من زاوية البطل الشجاع الملهم الذي لا يهاب الأخطار، على الرغم من كون هذه المهنة التي كان يزاولها العبسي تجسد مأساة إنسانية بالغة، فهي قصة اقتصاد رقمي يزج بالشباب إلى تحويل حياتهم إلى سلعة، في ظل هتافات وإعجابات من جماهير جعلت مشاهد الموت والخطر مادة للتسلية والمتعة، وفي ظل تعامل رسمي سطحي مع تلك التحولات الخطرة التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي.
أنا هنا لست بصدد تناول حادثة سقوط عادية، إنما ظاهرة عالمية تزداد اتساعا، وتوغلت في بلادنا العربية جراء الانفتاح في عصر الثورة التكنولوجية والرقمية، التي جعلت العالم أشبه بقرية صغيرة، فتحولت ألعاب الموت إلى محتوى رقمي قابل للمشاهدة والبيع والتسويق.
لا يمكن ولا يسوغ تناول هذه الحادثة بمعزل عن البيئة الرقمية والمنصات التي فقدت معنى العنوان الذي ولدت به: «التواصل الاجتماعي»، فمنصات التواصل تحولت إلى سوق ضخمة للمنافسة على سلعة اقتصادية جديدة تسمى «الانتباه»، الذي يترجم إلى متابعين وإعلانات وعوائد مالية ورعاية شركات ومؤسسات، وغدت الخوارزميات تكافئ المحتوى القادر على إثارة الدهشة والصدمة والانفعال، وكلما ارتفع مستوى الإثارة، زادت إمكانية وفرصة الانتشار والربح. ولأن سوق العمل التقليدي في كثير من الدول، خاصة العربية، لم يعد قادرا على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب، فقد اندفع بعضهم، أو كثير منهم إلى البحث عن بدائل خارج هذه الأطر التقليدية، واستثمار الوظائف الجديدة التي أنتجها الفضاء الرقمي، الذي حول الخطر إلى سلعة قابلة للاستهلاك. هذا الشاب مات ضحية اقتصاد الانتباه الذي أنتجته المنصات الرقمية، التي جعلت قيمة المحتوى مرتبطة بالقدرة على إدامة الإثارة في عيون المستخدم، وهنا يضطر صانع المحتوى مع مرور الوقت إلى رفع سقف المخاطرة للحفاظ على جمهوره، فهو يدرك أن ما أثار الناس بالأمس أصبح اليوم أقل تأثيرا ووهجا، فيلجأ إلى مزيد من التأثير عبر تعريض حياته لأخطار أشد تجتذب الجماهير.
إن العبارات التحذيرية التي تضعها المنصات الرقمية أسفل المقاطع التي تحتوي على مثل هذه المغامرات المميتة، مهما كانت تعفيها من المساءلة القانونية، فإنها لن تعفيها من المسؤولية الأخلاقية، التي يفترض أن تجعلها تقلل من دوافع إنتاج مثل هذا النوع من المحتوى. الجمهور الباحث عن المتعة في ألعاب الموت شريك في الجريمة، لأنه جزء أساسي من هذه المنظومة العبثية عن طريق المشاهدات والإعجابات ومشاركة المحتوى وهو يدرك أن مادة المتعة والإثارة التي يشاهدها قد تتحول في لحظة إلى مأساة يروح ضحيتها صانع المحتوى. الجمهور الذي ذرف الدموع على الشاب هو نفسه الذي كانت تتسع عيونه وتتغير ملامحه من فرط الإثارة والمتعة وهو يشاهد الشاب يخاطر بحياته، فلسان حال الجمهور في هذه اللحظة: استمر.
المتابع شريك في هذه المأساة عندما استهلك تلك المقاطع للشاب بوصفها محتوى ترفيهيا، من دون التفكير في الثمن الحقيقي الذي يدفعه العبسي، وهو يضع نفسه في فم الموت.
وهنا يأتي دور الحكومات في التعامل مع هذا الواقع الجديد، فنعم هناك في الدول المتقدمة لوائح تنظم الأنشطة الخطرة وتفرض معايير السلامة على التصوير الاحترافي في المواقع الخطرة والمرتفعات، وتلزم صناع المحتوى باتخاذ إجراءات الحماية واستخدام معدات وقاية، لكن في الدول النامية والشرق الأوسط هناك تأخر في التشريعات عن مواكبة هذه التحولات والتعامل معها، بما تفرضه قيمة حياة الإنسان، فمعظم هذه الدول تنظر إلى مثل هذه الأنشطة باعتبارها أنشطة فردية خارج إطار التنظيم.
إن التدخل الرسمي لحماية هذه الأنشطة التي تنطوي على مخاطر عالية وسباق مع الموت، ليست قيودا على حرية الأفراد، وإنما هي توفير سبل الحماية لصناع المحتوى حتى لا تتحول أرواح البشر إلى سلعة للمتاجرة.
الأنشطة التي راح ضحيتها «سبايدرمان اليمن» وغيره تقع في نطاق مسؤولية الحكومات التي ينبغي أن تضع الحدود بين الإبداع والانتحار، بين حرية صناعة المحتوى والمسؤولية عن حياة البشر.
فلا يعقل أن تتدخل الحكومات في المحتويات التي تسيء للأنظمة أو تتضمن قضايا تثير الرأي العام ونحوه، ثم لا تتدخل في ما هو أهم من ذلك: أرواح البشر التي لا يمكن أن تعوض، فقيمة الحياة ينبغي أن تكون دائما أكبر من قيمة المحتوى الرقمي.
==
احسان الفقيه
https://t.co/WFb4sID8bj