مَن يجد الأُنس مع ذاته، سيأنَس به كل مَن يُجالسه، لأنه مُمتلئٌ بنفسه، بأفكاره، وخواطره، وآرائه، وتأمُّلاته، ورؤيته للحياة من حوله، فهو غنيّ بعُمقه الداخلي، ولا يستطيع إدراك حقيقة هذا العُمق الذي يحمله إلّا مَن شابهه.
إنّ هذه الحياة بكل ما فيها من أحداث، ومواقف، وتجارب، وحكايات، وأفراح، وأتراح، ليست إلا رحلة، والكل فيها عابر، والسعيد حقًا في هذه الرحلة هو مَن حمل معه الرضا زادًا، والإيمان سلاحًا، والصدق دافعًا، والحكمة بوصلةً، والنقاء لباسًا، وجعل الله حاضرًا بين عينيه دومًا.
هناك شعورٌ جميل يسمو بالإنسان، ويغسل روحه من غبار الأيام، ويُنقّي قلبه من الأدران، ألا وهو التخفُّف، فتجد الإنسان الذي يتنعّم بإحساس الراحة والسلام يتخفّف من الأشياء التي لا طائل منها، ومن كل شيء بائِد ومُتهالك، ولا يُبقِي في منظومة حياته إلا ما لهُ جدوى ومعنى.
حافِظ على قلبك سليمًا من الأكدار، نقيّاً من السواد، خاليّاً من الأحقاد، فإنّهُ بوصلتك الصادقة إذا تعاهدتهُ بالرعاية والعناية، وإنّهُ سيغدو صمام أمانك في الشعور الصادِق الذي يمدّك به في كافّة أمورك، فما أقبَل مُقبِل على قلبه بالتهذيب إلا جنَى أطيَب الثمار.
كُن خفيف الروح، لطيف المعشر، واسِع الصدر، فإنّ الحياة فيها ما يكفي من الأثقال والأعباء، وكُن ممن إذا حضر استبشرَت به النفوس، وانشرحت به الصدور، ونشر البهجة والنور فيمن حوله، فالأرواح تميل إلى مَن يُشعِرها بالسكينة، والقلوب تألَف مَن يهبها الطمأنينة.
هناك أشخاص لهم شكل الفأل الحسَن، لا يأتونك إلا بخير، ولا يجلبون معهم سوى الخير، ولا ينقلون لك إلا كل خير، حتى إذا نظرت إليهم وجدت لوجوههم ملامح البُشرى الطيّبة انعكاسًا لنقائهم، وتجد أن حضورهم يرتبط عندك ذهنيّاً بالبهجة، ما أجملهم وما أجمل وجودهم في الحياة.
يمضي بك الزمن، وتصقلك التجارب والمواقف، فلا يعود ما كان يهمّك سابقًا في حيّز اهتمامك الآن، ولا تعود الأمور التي كانت تُقلقك تُشكِّل شيئًا لديك، ويتغيّر ترتيب أولويّاتك، وترى الحياة من منظور آخر؛ أكثر اتّزانًا، وأناةً، وسدادًا، وهذا أثمَن ما يهديك إيّاه النُضج.
مَن وُهِبَ الحكمة سيدرك أن هناك صمت يحمل الكثير من الكلام، وهناك كلام لا معنى له، وسيعرف متى يطلق كلمته، ومتى يمسكها، سيدرك أن الإقدام قد يكون عزيمة وإرادة وقد يكون تهوّر وحماقة، وسيعرف متى يقدّم خطوته ومتى يؤخّرها، سيترفّع عن ما لا يستحق، وسيختار معاركه بعناية.
لو يدرك الإنسان أن كل ما يصدر منه من خير أو شَرّ، أو نَفع أو أذى؛ يعود إليه بشكل أو بآخر، طال الزمن أو قصر، لأجل ذلك يحرص العاقل الحصيف أن يكون مُنصِفًا في أقواله وأفعاله، وأن لا يصدر منه -قَدر استطاعته- إلا الخير، مُستحضرًا سُنّة هذه الحياة في استرداد ديونها.
أن يكون المرء شاعرًا، ليس بالضرورة أن يكتب قصيدة بوَزْن وقافية فحسب، بل أن يحمل شعورًا عميقًا تجاه المفردات المحيطة به؛ أن يشعر بالكلمات والتفاصيل، ويتحسّس معناها، ويقرأ ما وراءها، ويستشعر عمقها، ويغوص في معانيها اللامنطوقة، فالشِعر في جَوْهره مُستمدّ من الشعور.
يُسخّر الله للطيّبين أشباههم، من الأشخاص الطيّبين، والمسارات الطيّبة، والخيارات الطيّبة، والأحداث والمواقف والأقدار الطيّبة، فإنّ نوايا الخير التي تنبع من أعماقهم تبني لهم صروحًا من الخير الوفير، مِصداقًا لقوله تعالى: "إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا"