أعمل منذ عدة أسابيع على ورقة بحثية تتتبع تطور العلاقات السودانية–الأميركية منذ اندلاع حرب العدوان، وأحد محاورها دراسة تطور مواقف أعضاء الرباعية، والتباعد الذي طرأ على مواقف مصر والسعودية من المقاربة الأميركية لإنهاء الحرب، وخصوصاً ما يتعلق بالهدنة.
وما تكشفه البيانات الرسمية خلال العام الأخير يختلف جذرياً عن الادعاء بأن القاهرة اصطفّت إلى جانب أبوظبي ومسعد بولس للضغط على الحكومة السودانية لقبول مقترح الهدنة الأميركي.
معروف أنه في سبتمبر ٢٠٢٥، تبنت الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية ونظام أبوظبي، تصوراً متسلسلاً يبدأ بهدنة إنسانية لثلاثة أشهر، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي. ورفضت الحكومة السودانية هذا التسلسل لاعتبارين: رفض الهدنة غير المشروطة باعتبارها شرعنة لتقسيم السودان، ورفض التعاطي مع أي آلية وساطة تكون ابوظبي جزء منها.
وحتى مارس ويونيو ٢٠٢٦، ظلت القاهرة تجمع في بياناتها بين الدعوة إلى هدنة إنسانية والتشديد على حماية مؤسسات الدولة وعدم مساواتها بالمليشيات المسلحة غير الشرعية.
لكن منذ أغسطس ٢٠٢٦، أخذت صيغة الهدنة تختفي من البيانات المصرية المتعاقبة، بما فيها البيانات الصادرة عقب اتصالات ولقاءات مباشرة بين وزير الخارجية المصري ومسعد بولس خلال سبتمبر، لتحل محلها صياغة تركز ع��ى وحدة السودان وسيادته، وصون مؤسساته الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، والحل السياسي بملكية وقيادة سودانية.
وفي ٢٢ سبتمبر، أصدرت مصر والسعودية وتركيا وباكستان بياناً مشتركاً في نيويورك أكد ضرورة الحفاظ على المؤسسات الوطنية الشرعية، ورفض الكيانات الموازية، ووقف التدفق غير المشروع للسلاح والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى السودان. ولم يتضمن البيان أي دعوة إلى هدنة أو جدول زمني للانتقال السياسي.
ثم جاء خطاب رئيس الوزراء المصري أمام الجمعية العامة في ٢٥ سبتمبر ليضع دعم المليشيات والحركات الانفصالية وتقويض مؤسسات الدول ضمن مصادر تهديد الأمن الإقليمي، ويؤكد حماية مؤسسات السودان من التفكيك، من دون المطالبة بهدنة. وفي اليوم التالي، ركز خطاب وزير الخارجية السعودي أمام الجمعية العامة على الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية والحل السياسي السوداني–السوداني، من دون طرح الهدنة أيضاً.
وفي المقابل، واصل نظام أبوظبي التمسك بالهدنة الفورية غير المشروطة، بل كان هو الجهة الوحيدة على الكوكب التي أصدرت في ٢٣ سبتمبر بياناً مستقلاً يرحب بالموقف الأميركي الأخير الذي يطعن في شرعية المؤسسات السودانية.
هذه ليست انطباعات عن نوايا الدول، وإنما مواقف رسمية معلنة يمكن تتبعها زمنيّاً ومقارنتها.
أما الزعم بأن القاهرة انضمت إلى أبوظبي لفرض مقترح بولس على السودان، فيحتاج إلى دلي�� أقوى.
حتى الاتصالات السودانية–الأميركية لم تتوقف منذ إعلان الرباعية قبل ثلاثة عشر شهراً، لكن التواصل لم يعنِ القبول بالشروط والضغوط. والسودان نفسه لم يقبل بالهدنة حين كان حليفاه، مصر والسعودية، يتحدثان عنها، قبل أن تتباعد مواقفهما المعلنة عن مواقف بولس ونظام أبوظبي.
إن قصف الطيران المصري للمعدّنين السودانيين وقتل مواطنين سودانيين أمر غير مبرر، ويستوجب تحقيقاً وكشف المسؤوليات وإنصاف الضحايا، كما يستوجب موقفاً أكثر وضوحاً وحسماً من الحكومة السودانية.
لا تمنح العلاقات مع مصر، ولا المصالح المشتركة معها، أي حصانة من المساءلة عن دماء السودانيين، بل تقوى العلاقة بالشفافية والمصارحة. لكن الانتقال من إدانة القصف إلى الجزم بأنه وسيلة لإجبار السودان على قبول الهدنة الأميركية يحتاج إلى دليل على هذا الغرض السياسي. ففداحة الواقعة لا تثبت تلقائياً هذا التفسير.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تحجب الجريمة البيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها السودان ومصر، وما يواجهانه من تحديات مشتركة متصاعدة تتصل ببقاء الدولة ووحدة الأراضي وأمن النيل والبحر الأحمر. هذه البيئة تفرض مصالح متقاطعة يجب إدراكها وإدارتها. والمطلوب من السودان أن يحمي مواطنيه وحقوقه وسيادته، وأن يدير علاقاته انطلاقاً من تقدير شامل لمصالحه ومصادر التهديد، يجمع بين المحاسبة والحساب الاستراتيجي.
لا توجد لدينا أوهام حول خيرية مطلقة أو نسبيّة للنظام الدولي أو العلاقات بين الدول، وحتى أقرب الأشقاء والأصدقاء تنشأ بينهم خلافات ويدخلون في تنافس محموم حول المصالح والنفوذ. أما افتراض اصطفاف القاهرة مع نظام أبوظبي، ثم تفسير كل اتصال واعتقال وقصف باعتباره تنفيذاً لهذا الاصطفاف، من دون قراءة التفاصيل وإثبات الروابط، فهو انطلاق من النتيجة يعيد ترتيب الوقائع لخدمتها.
لعن الله الفتنة ومن أوقدها!
نعم، الدم السوداني بيغلي لما حدث، والحصل كان مجزرة بشعة في حق أولادنا وإخواننا وأهلنا.. نسأل الله أن يتقبلهم مع الصديقين والشهداء، ويصبر أهاليهم ويجبر كسرهم.
صراحة، الواحد اتردد كتير قبل ما يكتب الكلام دا، لأنه ممكن يُفهم غلط من البعض، لكن في النهاية لابد أن نقول ما قد نُسأل عنه يوم القيامة، وبعدها لا يهم من يغضب أو من يرضى.
طبيعي جدًا نزعل من الحصل، ونغضب ونضايق، ويكون في غضب شعبي، حتى ولو كان داخل الميديا فقط.. نحن فقدنا شباب مننا وفينا، شباب أجبرتهم قساوة الدنيا، وآثار الحرب، وتردي الاقتصاد، وقلة الرواتب وغلاء المعيشة، على اتخاذ قرار العمل في التنقيب عن الذهب، وسط الصحاري والجبال، بحثا عن لقمة العيش، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع طبيعة العمل.
لكن العايز أقوله إنو، رغم بشاعة الحصل ليهم، ونسأل الله أن يتقبلهم في جناته، في جهات بدأت منذ اللحظة الأولى في استغلال هذه الفاجعة لإشعال نار الفتنة بين الشعبين السوداني والمصري.
الشعب المصري يظل شعب شقيق للشعب السوداني ..
ومافي إن��ان أصيل بقدر يجحد المواقف دي.. من اللحظة الأولى لاشتعال الحرب، استقبل المصريين السودانيين وفتحوا أبوابهم أمامهم.. وبغض النظر عن التعليقات البتقول إنو "ما بي حقنا"، مصر استقبلت ولا تزال تستقبل أعداد كبيرة من السودانيين، من اللاجئين والمقيمين والطلاب والتجار والمستثمرين.
نعم، من حقنا نغضب، ومن حقنا نطالب بحق أولادنا، ومن حق أسر الضحايا تعرف الحصل لأبنائها شنو.. مافي زول من حقه يطلب منا السكوت عن دم أهلنا.. ولا المقصد أن تتحول الدعوة إلى تجنب الفتنة إلى وسيلة لإسكات المطالبين بالعدالة.
لكن في فرق كبير بين المطالبة بالعدالة والتحريض على شعب كامل ..
المواطن المصري القاعد في بيته ما مسؤول عن الجريمة، وما من حقنا نعمم الاتهامات أو نسبّ شعب كامل.
لاحظت في الساعات الفاتت تعليقات فيها ألفاظ نابية وإساءات وتعميمات ما تخدم قضية الضحايا، بل بتفتح الباب أمام مزيد من الكراهية.
وأنا شخصيا ما بسمح لحسابي يكون وسيلة لتمرير الفتنة بين الشعوب.. مهما كانت مكانة الشخص عندي، أي تعليق بيحوّل القضية إلى تحريض وإساءة جماعية سأضطر إلى حظره.
ومن المهم أن ننتبه إلى إنه هناك جهات وحسابات بتستغل مثل الأحداث دي لتحقيق أجنداتها.. في جهات عندها خلافات سياسية مع الحكومة السودانية، وجهات عندها خلافات مع الحكومة المصرية، الجهات دي ممكن تستفيد من تحويل جريمة محددة إلى خصومة بين شعبين.
عشان كدا، ما كل منشور مستفز يستحق أن نرد عليه، وما كل حساب بيرفع شعارات الغضب حريص فعلا على دم الضحايا.
ومن اللحظات الأولى، أصدرت جهات سياسية بيانات بشأن الحادثة، من بينها مليشيا الدعم السريع عبر حكومتها.. الغير معترف بيها من اي جهة.. موقف أي جهة من الحادثة دي لا يُقاس بمجرد إصدار بيان، وإنما بمواقفها وأفعالها وسجلها، وما مفروض أنه نسمح لأي طرف باستغلال دماء الضحايا لتلميع صورتهم أو توجيه غضب الناس نحو خصومة لا تخدم قضيتهم.
نحن بن��رف كويس حجم الجرائم والانتهاكات الارتكبتها مليشيا الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة والجنينة والفاشر وكردفان وغيرها من المدن والقرى السودانية، وهي جرائم ومقاطع مصورة بايديهم.
دم أولادنا ما رخيص، لكن دمهم كمان ما مفروض يكون وقود لفتنة جديدة ..
في النهاية، أهلنا ما زالوا في مصر، و��ي من يستعد للسفر إليها، وفي مصريين وسودانيين تجمعهم علاقات الجيرة والصداقة والعمل والحياة اليومية.
فما تسمحوا لأي جهة، ولا لأي حسابات ذباب إلكتروني، أن تستفزكم وتجرّكم إلى معركة ما عندها أي فائدة غير زيادة الكراهية.
نغضب، نعم. نطالب بالعدالة، نعم. لكن ما نعمم الجريمة على شعب كامل، وما نسمح باستغلال دماء ضحايانا لإشعال الفتنة.
خاتمًا، عشان ما أصرف عربي كتير.. الناس تكون عاقلة، وتفرق بين المطالبة بالحق والتحريض، وبين الغضب المشروع والكراهية العمياء.
لعن الله الفتنة ومن أوقدها.
ذو الكفل.
His name was Al-Tayeb Al-Hadi Ahmed. He was 16 years old.
Both his parents were dead. He was raising five younger siblings. He owed two measures of sesame and four sacks of sorghum.
He went looking for work near the Sudanese-Egyptian border. He never came home.
His final words to his siblings?
“I forgive you, and I am pleased with you. Please forgive me, too.”
Even as he lay dying, he worried about repaying the sesame he owed.
Sixteen years old. Five younger siblings. A debt measured in sesame.
This is what war and displacement have done to Sudan’s children. Robbed them of their childhoods, forced them to carry unimaginable burdens, and, in Al-Tayeb’s case, stolen their lives.
May Allah grant him Jannah and protect the five children he leaves behind.
Remember his name. Remember Sudan.
#KeepEyesOnSudan #TalkAboutSudan