﴿ولو كنت فظًّا غليظَ القلب لانفضّوا من حولك﴾ هذه الآيه كفيلةٌ بأن تُعلِّمك أن السجايا الحسنة ليست زينةً تُتجمَّل بها، بل أسبابٌ تُقام بها المودّة وأن القلوب لا تُستمال بحدّة الطبع، وإنما تُفتح بالرِّفق ويُصان الودُّ بحسن الخُلُق قبل فصاحة القول.
جسدٌ يستنفد آخر ما فيه، وعقلٌ أثقله الضجيج حتى لم يعد يميز بين النجاة والاستسلام تتكاثر في داخلي رغبةٌ صامتة بالانسحاب من هذا العالم لا كرهًا له بل عجزًا عن إيجاد حيّزٍ يتّسع لذاتي.
لا يزال الله يفتح لعبده أبواب الفهم، حتى يفقه أن بعض التعلّق تعب وبعض الانتظار وهم، وأن ما كتبه الله له سيأتيه وإن انقطعت إليه الأسباب، وما لم يكتبه له فلن يكون له ولو اجتمعت له الدنيا.
في انكسار الروح وضيقها، تهاوت مني المعاني وتبعثرت فلم أعد أُمسك منها إلا شظايا متناثرة بين يدي وخلفي أتعثر بالمفردات وأستدعيها منقوصة لا تفي بما في الداخل وما أكتبه ليس إلا غيضٌ من فيضٍ لا يُدرك كله ولا يُحاط به
يقيني بالله مقامٌ لا تبلغه المقامات ولا تفسده تعاقبات الحياة؛ كل ما يمر بي يعود في حضرته إلى قدره الحقيقي، فلا يتضخّم في قلبي ما دام أمره عند الله ولا يستبدّ بي فقدٌ وأنا أعلم أن ما يُنزَع من اليد لا يخرج عن رحمته.
يــاربَّ أشعر كأن شيئًا مني يتوارى كل يوم وكأن نفسي تمضي في دروبٍ لا تعرفها تضعف عزيمتي أحيانًا ويخفت بريق ما كنت أظنه ثابتًا في قلبي فألوذ بك وحدك يا واسع الرحمة رُدّ إلى روحي سعتها وخذ بيدي إلى موضعٍ آمنٍ لا تضيع فيه الخطى وتعود فيه روحي إلى وجهتها التي أضلتها الأيام.
الانقياد لله بالطَّاعة نورٌ يضيء حياتي ومددٌ ألتمسهُ من السَّمَاء يخلع على قلبي هناءً، ويضفي إلى نفسي ارتياحًا أتنعَّم به وأفزع إليه في المُلِّمَات وإن قَاسَت نفسي مكروهات الحَيَاة فإنِّي في سعَادات لا سعادة أحيَا برضَا وتَسليم وأرجو أن ألقاه راضيًا عنِّي.
روحي مُشعّة كما كانت، غير أن مرارة الطريق أعادت ترتيب مقاصدي؛ فلم أعد ألتفت إلى ما كان يستوقفني قديمًا ولا أرى في ازدحام الحياة ما يستحقّ اقتفاء أثره اكتفيتُ بطلبٍ واحد سلامٌ رحبٌ يأوي إليه القلب وسكينةٌ لا تستأذنها العوا��ف وما سوى ذلك؟ فمتاعٌ عابر.
عندها لا أسأل إلا نفسي أين كان ظني؟ وأين كانت حيلتي؟ فأجد أن الأمر كله كان بيد الله
وأن ما ظننته تدبيرًا مني لم يكن إلا جزءًا من تدبيره سبحانه وأن رحمته كانت تقودني من حيث لا أشعر وتحفظني مما لا أعلم.
أدرك الآن أن الله قد يحجب عني بعض الفطنة التي أظنها نجاتي ليمضي فيَّ ما كُتب لي ثم إذا استقرّ الأمر وانقضى القدر أعاد إليَّ بصيرتي لأرى المشهد كاملًا
فأقف متأملةً كيف سارت الأمور على غير ما خططت؟ وكيف مضى التدبير بما أراده الله لا بما أردته أنا.