شاهدت مقطعاً صادماً لأبٌ مثقف (يقال أنه دكتور) وملخص كلامه "نظراً لأن نسب الطلاق عالية فلماذا أزوج ولدي؟ خليه ينبسط ويعيش حياته ويسافر، رؤية أحفادي ليست أهم من راحة ولدي"
قد يظن الإنسان أن مثل هذا الكلام يجب أن يُتجاهل، ويوصف بالفضفضة، وهذا وجيه لذا فكلامي هذا ليس رداً عليه ، لكن نظراً لانتشار هذا المنطق وارتفاع صوته مؤخراً صار لازماً توضيح بعض وجوه خطئه:
1- نشر ثقافة التحرر من المسؤولية هي العكس تماماً لواجب المربي، فالطفل يحاول التحرر من قيود ومسؤوليات أهله، ووالداه يحاولان الضغط عليه لتحمل المسؤولية، لا العكس، إذ هذا الفكر يعمق الأنانية، فبينما الجميع يبذل وقته وجهده وماله لبناء المجتمع، هناك من يقول لولده: ما عليك منهم، احبس وقتك وجهدك ومالك لنفسك، لا تنشئ بيتاً ولا تعف امرأة ولا تكثر الأمة، ألزم ما عليك سعادتك ومن بعدك الطوفان.
2- مسؤوليات الإنسان تتطور بتطور العمر، والزواج هو التطور الطبيعي للإنسان بعد انتهاء فترة المراهقة: استقلاله ببيته وأهله، النفسية جاهزة لمواجهة التحدي الجديد، والدماغ لم يتوقف عن النمو بعد، فيسهل تدريبه على الالتزام طويل المدى، وعلى التأقلم مع الشريك وتقديم التنازلات التي تصنع الحياة المستدامة تحت سقف واحد، التأخر في الزواج يؤدي لضمور هذه العضلة، وتحجر النفسية في قالبها، ويصعّب الخروج من منطقة الراحة مما يجعل نجاح الزواج -بل حتى التفكير فيه- أصعب بكثير.
3- هذا الكلام يضع فرضية خطيرة للغاية وهي أن الزواج هو عكس الانبساط، وأن السفر لا يكون ممتعاً إلا حال العزوبية، وهو يروج لمبادئ فاسدة عديدة عجيب أن ينصح بها أب ولده، لا إشكال في سفر الرجل وحده أو مع أصدقائه لكن الأصل أن يستمتع بذلك مع زوجته، ويجب ألا نشوه هذه الفكرة الأصلية انطلاقاً من تجاربنا الخاصة المخيبة.
4- افتراض أن العلاقة ستنتهي بطلاق مبكر غير صحيح، وهو يخلق حالة تحفز للتطليق لا أصل لها، الحل مع ارتفاع نسب الطلاق هو الاتعاظ والدعوة للتريث قبل الطلاق، لا ترك الزواج من الأصل، فارتفاع نسب الحوادث يدفع للدعوة إلى تخفيف السرعة وترك الجوال لا إلى ترك ركوب السيارة بالكلية.
5- افتراض أن وقوع الطلاق دليل فشل الزواج خطأ، الزواج إذا حقق غايته وهي الإنجاب، أو استمر مدة معقولة يحصل بها للطرفين السكن والمودة والرحمة ثم انتهى لأي سبب، فقد كان ناجحاً بلا شك، ليس استمراره إلى حين الوفاة هو معيار نجاحه، لأن الظروف تتغير والنفوس كذلك وهذا في علم الغيب، فنحن نحاول تقليل الطلاق لكن إذا وقع فهذا يعني أنه حل لمشكلة لم يكن لها حل سواه، وليس دليلاً على فشل فكرة الزواج، ولو تركنا كل ما يُحتمل فشله فلن نفعل شيئاً، المشاريع التي تكلف أكثر من الزواج وفرص فشلها أكبر -كالتجارة- لا يحذر منها أحد لوضوح هذه الفكرة لديهم، بينما المشروع الفطري الأعظم فائدة للفرد والمجتمع يواجه التحذير؟!
6- هذا الفكر يجعل الرجل عالة على أهله وأصحابه في كبره، لأنه سيعتمد على أولاد غيره في العناية به عند كبر سنه وعجزه أو يموت وحيداً، فقد فضّل أن يسافر وينبسط على أن يتزوج وينجب.
7- حتى موارد الدولة تتأثر بهذا الفكر، قاعدة المعاشات للمتقاعدين تتكون من اشتراكات الطبقة العاملة حالياً، وإذا تقاعدنا فستكون معاشاتنا هي اشتراكات الطبقة العاملة حينها (أولادنا وأحفادنا)، فإذا نقص عدد المواليد سيكون عدد العاملين بعد 30 سنة أقل من عدد المتقاعدين ولا يمكن أن يفي باشتراكات المتقاعدين ومنهم هذا الشاب المدلل، ومع ذلك سيزاحم الشاب المدلل الآخرين في قبضه لمعاش التقاعد دون أن يساهم -بالإنجاب- في زيادة الاشتراكات (علماً بأن كل عامل يدفع 22٪ من راتبه فقط، فكأن كل متقاعد يحتاج لأربعة عاملين من أجل تغطية معاشه، أي نحتاج زيادة المواليد أضعافاً لا نقصهم).
8- انتشار هذا التفكير يترك النساء بلا زواج، فالمرأة لا تستطيع التقدم بطلب يد الرجل، الذي هو فضلاً عن تقاعسه يسمع والده يحذره من الزواج، وعواقب هذا الأمر وخيمة ولا تخفى، على نصف المجتمع بل على كله.
9- العالم كله يلتفت لمشكلة التكاثر (تعداد السكان) ويعده خطراً يهدد الوجود، حتى الدول المليارية، لأن استمرار الوفيات دون تعويض مناسب بالمواليد يؤدي لانخفاض عدد السكان جيلاً بعد جيل إلى أن يصبح تعويضه غير ممكن، وآثار ذلك على الاقتصاد والأمن وغيرهما كثيرة، وهذا هاجس حتى لدى الدول المليارية فكيف بنا ونحن دولة ناشئة كبيرة المساحة قليلة السكان؟
10- لا يقدم هذا الفكر أي حلول، بل يعالج المشكلة بمشكلة أكبر، فبدلاً من أن يقدم مشروعاً لتلافي الطلاق يجعل الحل هو عدم الزواج دون وضع حد معين غير (انتهاء الانبساط)، مما يجعله أقرب لكونه دعوة مفتوحة للفساد من كونه حلاً.