قبل فترة، اتخذت قرارًا يمكن أن يراه البعض بسيطًا، لكنه بالنسبة لي كان نقطة تحول حقيقية في حياتي... سجلت في النادي.
في البداية، كنت أظن أن هدفي مثل أغلب الناس؛ أن أحسن شكلي، وأبني جسمًا أفضل، وأكون بصحة جيدة. لكن مع مرور الأيام اكتشفت أن أعظم تغيير لم يكن في المرآة، بل كان في داخلي.
الرياضة علمتني أن الإنجازات لا تأتي في يوم وليلة، وأن كل نتيجة عظيمة تبدأ بخطوة صغيرة تتكرر كل يوم. علمتني الصبر عندما كنت أريد النتائج بسرعة، والانضباط عندما كنت أبحث عن الأعذار، والالتزام عندما كانت الراحة أسهل من الاستمرار.
بدأت ألاحظ أن حياتي أصبحت أكثر ترتيبًا. أصبحت أنام في وقت مناسب، وأستيقظ بنشاط، وأخطط ليومي بدل أن أتركه يمضي بلا هدف. تعلمت أن احترام الوقت هو أول خطوة لاحترام النفس، وأن الإنسان عندما يلتزم بشيء واحد في حياته، يبدأ هذا الالتزام بالانتقال إلى كل جوانب حياته.
لكن أكثر شيء تغير فعلًا هو نفسيتي.
كنت أعتقد أن التعب يزيد الإنسان إرهاقًا، لكنني اكتشفت أن هناك تعبًا يعيد إليك الحياة. بعد كل تمرين كنت أشعر أن الضغوط التي حملتها طوال اليوم أصبحت أخف، وأن الأفكار السلبية فقدت قوتها. أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر صبرًا، وأقل توترًا. لم تختفِ مشاكل الحياة، لكنها لم تعد تسيطر علي كما كانت من قبل.
أصبحت أفهم أن الصحة النفسية ليست مجرد كلام، بل هي عادات يومية. نوم جيد، حركة، غذاء مناسب، ووقت تقضيه مع نفسك بعيدًا عن الضوضاء. هذه الأشياء البسيطة تصنع فرقًا كبيرًا مع الوقت.
وثقتي بنفسي أيضًا لم تأتِ لأن شكلي تغير فقط، بل لأنني أثبت لنفسي أنني قادر على الالتزام. كل يوم كنت أذهب فيه إلى النادي رغم الكسل، كنت أبني داخلي شخصًا أقوى من الأمس. وكل مرة أنجزت فيها هدفًا صغيرًا، ازداد يقيني أن الإنسان يستطيع الوصول لأي شيء إذا صبر واستمر.
ومن أعظم النعم التي رزقني الله بها خلال هذه الرحلة أن علاقتي بربي أصبحت أفضل. عندما انتظم يومي، أصبحت الصلاة في وقتها جزءًا أساسيًا من حياتي. لم أعد أنظر إليها كواجب فقط، بل كراحة، وطمأنينة، ولحظة أستعيد فيها نفسي وسط زحمة الحياة. شعرت أن بركة الوقت زادت، وأن راحة القلب لا يمكن أن يعوضها أي شيء في الدنيا.
اكتشفت أن النجاح ليس في أن ترفع أوزانًا أكبر فقط، بل أن ترفع من أخلاقك، وانضباطك، وصبرك، وإيمانك. وأن أقوى إنجاز ليس أن تبهر الناس بجسمك، بل أن تصبح نسخة أفضل من نفسك، حتى لو لم يلاحظ أحد ذلك.
اليوم، عندما أنظر إلى الوراء، أحمد الله على تلك الخطوة التي ظننتها بسيطة. لأنها لم تكن بداية رحلة رياضية فقط، بل كانت بداية حياة جديدة. حياة فيها نظام، وراحة نفسية، وثقة، وهدف، وقرب من الله.
إذا كنت تنتظر الوقت المناسب لتبدأ، فتذكر أن الوقت المناسب قد لا يأتي أبدًا. ابدأ بما تستطيع، ولو بخطوة صغيرة. بعد أشهر أو سنوات ستلتفت إلى الخلف، وستدرك أن قرارًا واحدًا كان كفيلًا بأن يغيّر حياتك كلها.
الحمد لله على كل نعمة، والحمد لله على كل خطوة قادتني إلى هذه المرحلة.
ليس مجرد نادي فقط انه حياه .
أمر الله بين الكاف والنون
شيء واحد فقط
“كن… فيكون.”
أحياناً يتبدل حال الإنسان باتصال أو دعوة أو باب يفتحه الله فجأة بدون أي مقدمات فقط لأنه سبحانه أمر.
لذلك اليقين مهم أكثر من الصبر أحياناً،
لأن الإنسان إذا فقد اليقين صار الصبر ثقيلاً عليه،
لكن إذا امتلأ قلبه يقيناً، صار ينتظر الفرج وهو مطمئن.
تخيل لو أنك ذاهب لملك من ملوك الدنيا، ووعدك بنفسه أنه سيعطيك ما تريد.
كيف سيكون شعورك؟
هل ستدخل عليه وأنت خائف؟
أم أنك ستدخل مطمئناً لأنك واثق من وعده؟
فكيف برب السماوات والأرض؟
كيف إذا كان الذي وعدك هو الله؟
الله الذي يقول:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
لم يقل: بعد العسر
قال: مع العسر
أي أن الفرج يسير معك في الطريق نفسه، لكنه لا تراه بعد.
لهذا لا تجعل تأخر الشيء يجعلك تظن أنه لن يأتي، ولا تجعل طول الطريق يجعلك تشك في الوعد.
بعض الأقدار الجميلة تتأخر فقط، ليصل الإنسان إليها وهو أقوى، وأوعى، وأقرب إلى الله، وأتمسك باليقين.
لأن الذي أوصل يوسف من البئر إلى الملك، وقلب النار على إبراهيم برداً وسلاماً، وشق البحر لموسى، ما زال هو ربك اليوم.
وما دام الله موجوداً فلا يوجد شيء اسمه مستحيل
في رحلةٍ طويلةٍ لا أعرف إلى أين تنتهي، أمضي على طريق لم تُرسم ملامحه بعد، طريق يبدو كأنه وُلد من الضياع، لا يحمل علامةً تدل على نهايته، ولا يهمس بشيءٍ عن الوجهة التي يقود إليها. كلما وطأت قدماي هذا الطريق شعرت أنني أبتعد أكثر عن كل ما أعرفه، وأن المسافات التي أقطعها لا تُقربني من الوصول بقدر ما تزيدني حيرةً وتعباً.
أسير وفي قلبي أسئلةٌ لا تجد جواباً، أحمل من الذكريات ما يُثقل الخطى، ومن الخيبات ما يجعل الطريق أطول مما هو عليه. ألتفت خلفي فأرى أعواماً مضت ولم يبق منها سوى أطيافٍ باهتة، وأنظر أمامي فلا أرى إلا امتداداً لا نهائياً من المجهول. وكأنني عالقٌ بين ماضٍ يؤلمني ومستقبلٍ لا أعرف إن كان يحمل لي شيئاً يستحق الانتظار.
وكلما ظننت أنني اقتربت من نهاية هذا الطريق، اكتشفت أن النهاية كانت سراباً آخر، وأن ما حسبته وصولاً لم يكن سوى بدايةٍ لتيهٍ جديد. حتى أصبحت أشعر أنني لا أسير بحثاً عن مكان، بل أبحث عن نفسي التي أضعتها بين المنعطفات الكثيرة، وعن ذلك الأمل الذي كان يرافقني يوماً ثم اختفى دون وداع.
ومع ذلك أواصل السير، لا لأنني أعرف الطريق، بل لأن التوقف لم يعد خياراً، ولأنني أخشى أن أقف فأدرك حجم المسافة التي قطعتها وحيداً، وحجم العمر الذي مضى وأنا أنتظر نهايةً لم تُكتب بعد. ولعل أكثر ما يؤلمني أنني لم أعد أبحث عن الوصول، بل عن سبب يجعلني أواصل المسير، فقد تعبت من مطاردة النهايات، وتعبت من تعليق قلبي على أبوابٍ لا تُفتح، وأحلام لا تعود.
أمضي وفي داخلي يقينٌ موجع بأن بعض الطرق لا تقود إلى مكان، وأن بعض الرحلات خُلقت فقط لتُعلّمنا معنى الفقد، ومعنى أن يحمل الإنسان نفسه فوق طاقته ثم يواصل السير كأن شيئاً لم يكن. وحتى إن وصلت يوماً، أخشى أن أصل متأخراً، متعباً، خالياً من كل شيء، وأن أكتشف أن الذي كنت أبحث عنه طوال الطريق قد ضاع
رحل كل الكلام وما بقى غير .. الحروف الخرس
تغص بحنجرة حزني وبعض أحيان .. تدفعني
أنادي للسكوت وللحنين ولـ الظلام الدمس
ولا به غير طيفك .. في غيابك صار يسمعني
تعبت أتخيّلك مقبل وأثاري خطوتك بالعكس
تبي تبعد عن الواقع وفي حلمي .. تفزعني
تمهّل .. قبل لا ترحل ويغرب للمحبة شمس
ويعمّ الحزن عقب الوصل والفرقا .. تلوّعني
ووادعني الوداع اللي يليق بحبنا .. بالأمس
حرام ختام هذا الحب .. يموت ولا توادعني
وعاهدني على الذكرى وحفظ أسرارنا بالنفس
وأنا عهدٍ علي ما أنساك لو حبك يضيعني
وتذكرني بصبح العيد وأيام الفرح والأنس
تذكر بس لا تنسى .. وداعك جرحٍ أوجعني
وإذا باقي بقلبك شيء من شوق وكلام وهمس
تذكر بـ إن طيفك ماقطعني ، وأنت قاطعني
وتذكر إنك أول حب في عمري وأخر درس
ولا قبلك ولا بعدك أحد بالحب طوعني
-
يُساق المرء أحياناً إلى طريقٍ لم يختره، طريقٍ تعبت بصعوبته
رياح الشك، وتتكسر على صخوره العواطف الرقيقة. قد
تتساءل: «لماذا أنا؟ وأنا الذي لم أجد يوماً عن
الاستقامة؟»
لكن القدر يعلم أن الاستقامة بلا تجربة تظل هشة، لذا كان
لزاماً عليك أن تخوض في تلك الدروب الوعرة؛ لا تفقد
هويتك، بل لتنال منها قناعة لا تتزعزع. هذه القناعة هي التي
ستصقل في روحك الصرامة الضرورية، وتمنحك درعاً من
الحزم في مواجهة مقبل الأيام.
سيدرك حينها أن كل حجرٍ تعثرت به لم يكن عثرة، بل كان
لبنةً في بناء شخصيتك الجديدة، وأن الوعورة لم تكن إلا
وسيلة لتجعل خطواتك أكثر ثباتاً. وفي نهاية ذلك الدرب،
ستكتشف أنك لم تخرج منه كما دخلت؛ بل خرجت بيقينٍ لا
يعرف التردد، فمن عبر تلك المسالك بصبره، لا تكسره
عواصف الأيام المجهولة أبداً
لا نجاة… ولا حياة تُشبه تلك التي تمنّيتها يوماً. أعيش الآن كأنني ظلُّ ذلك الطفل الذي كان يركض خلف أحلامه بعينين تلمعان باليقين، لا بالشك. كنتُ أشيد في خيالي عوالم كاملة، أرسم ملامح مستقبلي بثقة لا تعرف التردد، وأظنُّ أن الطريق، مهما طال، سينتهي بي إلى الضوء. لكنني لم أصل… لم أصل إلى شيء سوى هذا الفراغ الذي يتّسع في داخلي كلما حاولت أن أقنع نفسي بأنني بخير.
منذ طفولتي، وأنا أبني أحلاماً كأنني أبني وطناً، حجراً فوق حجر، أملاً فوق أمل. كنت أؤمن أنني مختلف، أن لي نصيباً من تلك الحياة التي تُروى في القصص، حيث يتحقق المستحيل ويكافأ الصابرون. لكنني اليوم، حين أنظر إلى الخلف، لا أرى إلا آثار خطوات تائهة في صحراء بلا نهاية. كل ما ظننته طريقاً كان سراباً، وكل ما حسبته بداية كان خدعة أخرى من خدع الأمل.
لقد طاردت أوهامي بإخلاص لم أجده في الواقع. ركضت حتى أرهقني الركض، وانتظرت حتى صار الانتظار عبئاً أثقل من الخيبة نفسها. لم يكن هناك نور في نهاية النفق، لأن النفق ذاته لم يكن يقود إلى مكان. كنت أدور في حلقة مفرغة، أستهلك نفسي في محاولة الوصول إلى شيء لم يكن موجوداً من الأساس.
واليوم، أقف في منتصف هذا العمر، لا أنا الذي عدت كما كنت، ولا أنا الذي وصلت إلى ما أردت. شيء في داخلي انكسر… ليس انكساراً يُسمع له صوت، بل صمت ثقيل يشبه الانطفاء البطيء. لم أعد أحلم كما كنت، لأن الأحلام أصبحت تُذكرني بما لم يتحقق. ولم أعد أنتظر، لأن الانتظار صار مرادفاً للخسارة.
أعيش، نعم… لكن حياة بلا ملامح، بلا شغف، بلا ذلك الإحساس الذي كان يجعلني أستيقظ وفي صدري رغبة في أن أكون شيئاً. الآن، كل شيء يبدو عادياً إلى حد الألم، صامتاً إلى حد الاختناق. كأنني أؤدي دوراً في حياة لم أخترها، وأكمل طريقاً لا أؤمن به، فقط لأنني لم أعد أملك طاقة التوقف أو البدء من جديد.
لم يكن أكثر ما يؤلمني أنني لم أصل، بل أنني صدّقت طويلاً أنني سأصل. أنني منحت أحلامي كل هذا الإيمان، ثم تركتني وحيداً في مواجهة الحقيقة: لم يكن هناك شيء ينتظرني في النهاية. لا نور… لا خلاص… فقط إدراك متأخر بأنني كنت أطارد سراباً، وأن السراب، مهما بدا حقيقياً، لا يروي عطشاً… ولا يمنح حياة
كل من حولي يُصافحون النسخة التي صنعتها لهم، النسخة التي لا تشكو، ولا تسقط، ولا تُثير القلق. لكنهم في الحقيقة، لا يعرفون شيئاً عن الشخص الذي أواجهه عندما أصبح بمفردي.. ذلك الذي يسكنني خلف الأبواب المغلقة، ويحدق في بعينين متعبتين من ثقل التظاهر.
بمفردي، أسقط من عيني قبل أن أسقط من أعينهم. أقف وجهاً لوجه أمام حطامٍ لا يراه أحد، وأحاول عبثاً ترتيب شتات بعثرته الأيام والوجوه والكلمات التي لم أقصدها. في تلك العزلة، لا توجد مجاملات، ولا أقنعة، هناك فقط الصدق الجارح الذي يُخبرني بأنني أهدرت عمري في ترميم أشياء لا تخصني، وفي إرضاء عابرين لا يهمهم انطفائي.
أجدني غريباً حتى عن جدران غرفتي، كأنني أستأجر جسداً لا يملك قلبي، وأعيش حياةً ليست لي. لقد استنزفتني التفاصيل الصغيرة، وتآكلت روحي في سبيل معارك وهمية لا منتصر فيها. أجدني الآن، وبكل ما أوتيت من تعب، أقف في منتصف الطريق متسائلاً: لن كل هذا النزيف؟ ولماذا عليَّ أن أستمر؟
لقد وصلتُ إلى اللحظة التي لم يعد فيها للصبر معنى، بعد أن أرهقت من ثقل ما لا يستحق الإرهاق، وكأنني وُضعت في مسرح عبثي أؤدي فيه أدواراً لا أفهمها أمام جمهور غير موجود.
يقول محمد المقحم لازم الواحد يذكر
نفسه بأشياء تبسط له الحياه
لذالك :
الحياه رحله فاستمتع بتفاصيلها
افرح بكل يوم جميل واصبر على كل يوم مؤلم وحزين
انتبه لتقلباتها وتغيراتها فمن يستأمنها سيخدع بها ومن يبالغ بالحذر سيفقد بهجتها
تاكد دائماً ان :
صيبك من الله ثابت باللوح المحفوظ
ولو تجتمع كل البشر مايردونه
فاطمئن ي انسان .
منشغل بأحلامي اللي دونها قومة وطيحة
اقتنص حلو الفُرص .. قبل المنايا تقّتنصني
ولو يحاول ينتقصني " نقص " قلت : الله يبيحه
والله انْه يزيدني رِفعة لاحاول ينتقّصني
ما تكدّر خاطري .. ذمّة خبيثين الشريحة
وما تفرّح قلبي المدحة ! من اللي ما بخصني
أنصحوني "صدّق أحساسك" ولا طعت النصيحة
والله إن قلبي قبل تقرصني العقرب .. قرصني :)
ياللي تغامر بالمقام وسمعتك مثل الفتيل
ترى مشاريه الرجال احدّ من حدّ الشبا
ٓ
خل الطموح يموت موتة عبدٍ لربه ذليل
اهم شي يعيش عز النفس ويعيش النبا !
ترا الغني من مات مال الناس في بطنة جميل
لو حالته يجوز فيها الاكل من مال الربا
وان مر بك دربك على بيت الردي عابر سبيل
لازم تلطم كنك الي داخلٍ ديرة وبا
العمر لا ينتظر المترددين
فالحياة لا تفتح أبوابها لمن يقف طويلًا أمام العتبات، ولا تمنح أجمل ما فيها لمن يستهلك أيامه في الخوف من الخطوة الأولى. إنها تمضي، سواء تقدّمت نحوها أو بقيت تراقبها من بعيد، وتمضي معها فرص لن تعود، وأشخاص لن يتكرروا، ولحظات لو عشتها لصنعت منك إنسانًا آخر.
ومعنى الحياة ليس أن تبقى آمنًا دائمًا، بل أن تجرؤ، أن تخطئ ثم تتعلّم، أن تسقط ثم تنهض أكثر فهمًا وصلابة، أن تعيش التجربة بدل أن تندم على فواتها. فالعمر أقصر من أن يُهدر في التردد، وأثمن من أن يُعاش بنصف قلب، وأكبر من أن يُختصر في خوف صنعته الأوهام.
اعبر أيامك بشجاعة، وقل ما تريد، وافعل ما تؤمن به، وامضِ نحو ما يستحقك… لأن الحياة لا تتوقف حتى تقرر، والزمن لا يلتفت لمن تأخر، ومن اعتاد التردد خسر أشياء كثيرة دون أن يخوض معركة واحدة.
من ينجو من الحب لا يخرج منه كما دخل
يتأقلم الإنسان مع الحزن نعم لكنه لا يعود أبداً كما كان لأن الحزن ليس عابراً يمر بالقلب ثم ينصرف بل هو قوة خفية تدخل الروح وتجلس طويلاً وتعيد ترتيب الداخل دون استئذان ثم تترك وراءها إنساناً يشبه نفسه القديمة في الملامح وحدها أما في العمق فقد صار شخصاً آخر أكثر صمتاً وأكثر فهماً لثقل الأشياء وأقل قدرة على الفرح كما كان في أول العمر والحزن يشبه ناراً تأكل الخشب ببطء فلا تبقيه كما كان ولا تعيده غصناً أخضر والإنسان يتأقلم مع هذا اللهب يتعلم كيف يمشي وحده في الطرقات التي كان يعبرها مع من أحب وكيف يجالس الفراغ دون أن ينهار وكيف يتنفس وفي صدره غصة لا تزول يتأقلم لا لأنه شفي بل لأنه أدرك أن الحياة لا تتوقف عند انكسار واحد وأن القلب مهما أثقله الوجع مضطر أن يواصل الخفقان وحين يحب الإنسان حقاً لا يكون الحب طيفاً عابراً على القلب بل يصير جزءاً من تكوينه يدخل إلى أعمق موضع في الروح إلى حيث لا تصل الأشياء العابرة ويستقر هناك كجذر شجرة معمرة قد تذبل الأوراق وقد تتبدل الفصول وقد يبدو كل شيء من الخارج هادئاً لكن الجذر يبقى ضارباً في تربة القلب ولهذا لا ننسى من القلب بل نتجاوز والتجاوز ليس خيانة للذكرى ولا موتاً للشعور بل هو شجاعة الاستمرار رغم المعرفة القاسية بأن شيئاً في الداخل لن يبرأ تماماً وأن بعض الغياب لا يرحل مهما مر عليه الزمن وأن بعض الأحبة إذا سكنوا الروح صاروا فيها كالندبة لا تؤلم كل حين لكنها لا تزول أبداً وحين يتجاوز الإنسان حقاً يكتشف سراً موجعاً وهو أنه لا يرى أمامه إلا من أحب لا لأن الوجوه الجديدة قليلة ولا لأن الحياة خلت من البشر بل لأن الحب الصادق يترك صورته في العين وفي السمع وفي نبض القلب فكل وجه يعبر يوقظ ملامح قديمة وكل صوت يحمل رجع نبرة بعيدة وكل دفء يمر على الروح يعيدها إلى يد كانت يوماً وطنها فيصبح من أحببناه مرة الطريق مهما اتجهنا وجدناه في التفاصيل وفي الظلال وفي الأشياء التي لا ينتبه لها أحد لا لأنه يطاردنا بل لأننا نحمله في بؤبؤ العين وفي أعماق الذاكرة وفي ذلك الموضع الخفي من القلب الذي لا تطاله الأيام ومن خرج من حب حقيقي يشبه من نجا من غرق عميق هو حي يمشي ويتنفس ويبتسم أحياناً ويبدو للناس كأنه تجاوز لكن البحر لا يخرج من ذاكرته أبداً ولهذا لا يعود الإنسان كما كان لأن الحب غيره والحزن أعاد تشكيله والتجاوز علمه كيف يعيش بنصف ضوء ونصف ظل وكيف يخفي في صدره حكاية لا تموت وأثراً لا يمحى وشاهداً صامتاً يذكره دائماً بأن من أحب مرة بصدق لم يعد بعد ذلك إنساناً عادياً أبداً
حاربتُ الحياة في عمر كان المفروض أن أعيش فيه أجمل أيامي، عمر يفترض أن تكون ضحكته سهلة، وأحلامه قريبة، وخطواته خفيفة لا تعرف ثقل الخسارة ولا وجع الانتظار، لكنني وجدت نفسي في معركة طويلة مع أيام لا ترحم وقلب يتعب ولا يشتكي.
كبرت قبل أواني، وتعلمت أن أخفي وجعي بابتسامة متقنة، وأن أواسي غيري وأنا أحمل داخلي ما يكفيني من الانكسار، كنت أقف ثابتاً من الخارج بينما في الداخل كانت المعارك تنهك روحي بصمت لا يسمعه أحد.
مرت الأيام ببطء، وكل يوم كان اختباراً جديداً لقوتي، أحمل همًا أكبر من سني، وأحلاماً مؤجلة، وخيبات علمتني أن ليس كل ما نريد يأتي، وليس كل ما نفقده يعوض، ومع ذلك كنت أواصل السير لأن التوقف لم يكن خياراً.
حاربت الحياة لأجلي، لم أجد من يحارب معي، واجهت الليالي الثقيلة وحدي، وتعلمت أن أرمم نفسي بنفسي، وأن أجمع شتات قلبي كل مرة يسقط فيها، وأن أؤمن أن البقاء رغم التعب هو بحد ذاته انتصار.
واليوم، ورغم كل ما مر، ما زلت واقفاً، أحمل في صدري آثار المعركة، لكنني أحمل أيضاً قوة لم أكن أعرف أنها تسكنني، قوة رجل صمد في زمن كان يفترض أن يكون فيه سعيداً، فصار صبره هو أجمل ما كسبه من هذه الحياة .