" السفن لا تغرق بسبب الماء الموجود حولها، وإنما حين يتسرب إل��ها ..
لا تدع ما يحدث حولك يتسرب إلى داخلك فيثقل قلبك ونفسك ويجعلك تغرق، وإنما تحصن دونه، لكي تعيش مرتاحاً مطمئن البال "
وحدكَ يا الله
كنتَ تعلم أثر الفقد على قلب أم موسى
حين كادت أن تُبدي به
فربطتَ على قلبها
وحدكَ كنتَ تعلم وجع مريم حين قالت
"ليتني مت قبل هذا"
فأرسلتَ إليها النداء
"ألا تحزني"
وحدكَ كنت تعلم حزن يعقوب حين قال
"إنما أشكو بثي وحزني إلى الله"
فرددتَ إليه يوسف
اللهم شيئاً كهذا ❤️
السَّلام عليكَ يا صاحبي،
يُعجبني قول عمر بن الخطاب:
"لستُ بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني!"
أو بالأحرى شخصية عمر بن الخطاب كلها تُعجبني،
كان يشتدُّ في مواضع الشِّدة،
حتى يكاد من يراه يقول: هذا الرجل لا يلينُ أبداً!
ويلينُ في مواضع اللين،
حتى يكاد من يراه يقول: هذا الرجل لا يشتدُّ أبداً!
وكان يلتفتُ لكل تفصيل،
حتى يكاد من يراه يقول: هذا الرجل لا يفوته شيء!
وإ��ا أراد أن يتغافل صوناً لودٍّ
مرَّرَ الأمر كأنه لا يرى ولا يسمع!
وهنا تكمن العبقرية يا صاحبي!
أن تضع كل شيءٍ في نِصابه،
الحزم حيث يجب،
والرأفة حيث تجب،
لأن وضع أحدهما موضع الآخر مهلكة!
وأن تُحاسب حيث يجب،
وتسمحُ حيث يجب،
فوضع أحدهما موضع الآخر مهلكة أيضاً!
خلاصة الأمر يا صاحبي،
أن تكون كما يقتضي الموقف أن تكون لا أقل ولا أكثر،
أن تضع العقل موضعه، والقلب موضعه،
والسوط موضعه، واليد موضعها،
لا تقُلْ لا في موضع نعم أبداً!
ولا تقُلْ نعم في موضع لا أبداً!
ولا تضع فاصلة حيث يجب أن تضع نقطة!
ولا تُغلق الباب نهائياً!
إن كان من الحكمة أن تتركه موارباً!
كُن طيباً دون سذاجة،
الطيب الحازم يُحترم،
أما الطيب الساذج فيُستهان به!
وكُن كريماً وأنت قادر على المنع،
الناس استغلاليون في مواقف كثيرة!
يا صاحبي،
كل هذا يُسمى الحِكمة
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
والسلام لقلبكَ
إِذْ جاءَه الأعمى!
جاءَ عبدُ الله ابنُ أُمِّ مكتوم إلى النبيِّ ﷺ،
وجعل يقولُ له: يا رسول الله أرشِدْني،
وعند النبيِّ ﷺ رجلٌ من عظماء المُشركين،
يرجو أن يُس��لِمَ، فيسلم بإسلامه غيره من الناس،
فجعلَ النبيُّ ﷺ يُعرِض عن ابن أم مكتوم،
ويُقبلُ على المشرك،
فأنزل�� الله تعالى قوله: "عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ"
الدَّرسُ الأوّل:
النبيُّ ﷺ إنسان نهاية المطاف،
ويقعُ منه ما جُبل عليه الناس فلا أحد يستطيع أن يخرج عن الطَّبع البشريِّ،
فقد بكى موت خديجة، وعمَّه حمزة، وابنه ابراهيم،
وهو في حزنه البشريّ هذا له قلب الأنبياء في الرّضى والتَّسليم،
وكان يُحبُّ عائشة أكثر من غيرها من زوجاته،
وحُبُّ الرّجلِ للمرأة فطرة لا تقدح في تمام النبوة بل تُزينها بالَّنزعَة الإنسانيَّة!
ولكنه حين مالَ بقلبِه كان له عدل الأنبياء في المُعاملة!
وقد غضبَ موسى عليه السَّلام من قبل وألقى الألواح!
وما وقع من النبيِّ ﷺ من عُب��سٍ في وجه ابن أم مكتوم،
إنما هو من طباع البشر الذين هو منهم،
ثُمَّ إنَّ هذا العبوس ما كان إلا حرصاً على دين الله، وهمّاً ثقيلاً في نشر الإسلام،
ولم يكن استنقاصاً شخصياً مقصوداً لابن أمِّ مكتوم،
ولكنّه كان يعرفُ كما نعرفُ جميعاً أن النّاس منازل، وبعض الناس مفاتيح لغيرهم،
وأنا وأنت نعرفُ أنه قد يكون للقبيلةِ الكبيرة، وللعائلةِ الواسعة،
رجلٌ مرموقٌ، وسيِّدٌ مُطاعٌ لا يخرج أحدٌ عن رأيه،
فإذا أردتَ من الجميع أمراً أتيتَ هذا السَّيد لِما تعرفُ من مكانته،
وهذا بالضبط ما فعله النبيُّ ﷺ،
ومن تمام الإيمان ألا يُحمل فعلُه ﷺ على غير هذا المَحمل!
الدَّرسُ الثّاني:
كُنْ ليِّناً، فإنَّ الله تعالى قد عاتبَ نبيَّه ﷺ،
على العبوس في وجه رجل لم يرَ عبوسه، فكيفَ لو كان ابن أم مكتومٍ يرى!
النَّاسُ خواطر وكرامات، وإنَّ كسر خواطرهم، وجرح كراماتهم مؤذٍ،
وإنَّ كسْرَ القلبِ مؤلم أكثر من كسْرِ العظم، وإن لم يُحدث هذا الكسر صوتاً!
انتبه لتعابير وجهك فبعض النظراتِ قاتلة، وبعض الإِعراضِ أليم،
وانتبه جيداً لمفرداتك فبعضً الكلام جارح،
ورُبَّ كلمةٍ لا تنتبه لها، تنغرسُ كالرِّمح في قلب سامعها فتدميه،
وإنْ كان العبوس قد حصل من النبيِّ ﷺ،
فهي حادثة يتيمة قد شرحنا أسبابها وبيَّنا ظروفها،
وإلا فهو بأبي وأمي جبَّارُ خواطر ومراعي كراماتٍ ومشاعر،
ولو أردنا أن نتتبَّعَ أدبَه ولُطفه وظُرْفَه وحنانه في مواقف حياته،
لألّفنا كتاباً ضخماً يفوق ألف صفحة!
وإني لأقف مطولاً كل مرَّةٍ عند إسلام عكِرمة بن أبي جهل،
حيث قال النبيُّ ﷺ لأصحابه:
يدخلُ عليكم عكرمة بن أبي جهلٍ مسلماً فلا تسبوا أباه!
راعى خاطر الحيِّ في ألا يُؤذي بميِّته، وإنَّ هذا الميت كان فرعون هذه الأمة!
الدَّرسُ الثَّالث:
لا تحكُمْ على النَّاسِ بالمظاهر،
فكم من أنيقٍ في صدره قلبٌ متسخ، وكم من رثِّ الثياب في صدره قلب أنيق!
وقيمة الإنسان الحقيقية بما في قلبه لا بما في جيبه،
بأخلاقه لا بمنزلته ورتبته، بأدبه لا بشهادته ووظيفته!
وإنك لترى الرجل المسكين البسيط فلا تحسبه شيئاً، وهو عند اللهِ حبيب أريب،
وقد ضحك الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود،
فأخبرهم النبيُّ ﷺ أن ساقيه أثقل في الميزان من جبل أُحد!
وإنك لو كنت في المدينة على عهد النبوة،
ودخلتَ المسجد فرأيتَ أهل الصُّفة في آخره لا يجدون رغيفاً يسدُّ رمقهم،
لهانوا في عينيك إذا نظرتَ إليهم نظرة المظاهر الخادعة،
ولكن متى علمتَ أنَّ فيهم أبا هريرة أكثر الصحابة روايةً للحديث،
وفيهم أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة،
وفيهم سالم مولى أبي حذيفة حامل القرآن واللواء،
وفيهم سلمان الفارسي صاحب فكرة الخندق،
وفيهم عبد الله بن مسعود النَّحيل الذي مُلئ علماً،
وفيهم عمَّار بن ياسر الشَّهيد ابنُ الشهيدة الأولى في الإسلام،
وقتها فقط لعلمتَ أنَّ للهِ حسابات أخرى غير حسابات الناس!
وإنكَ لو جئت المدينة في خلافة أبي بكر،
ورأيته في الطريق نحيلاً ��ا يكاد إزاره يثبتُ على خصره،
لأشحتَ نظركَ عنه ولم تحسبه شيئاً،
وهو صاحب نبيِّك الأوفى، وأعلى الناس إيماناً بعد الأنبياء،
الصِّنديد العنيد الذي قال: أينقص الدِّين وأنا حيُّ؟
المحارب الشَّرس الذي أدَّبَ المرتدين!
وإنك لو جئت المدينةَ في خلافة عمر بن الخطاب،
ورأيته في الطريق ماشياً بثوبه المُرقَّع، لربما قلتَ: يا له من مسكين!
ولكنه عُمر هازم الإمبراطوريات وفاتح البلاد،
رجل الدولة الفذ، صاحب الدواوين والتقويم الهجريِّ،
وهو قبل كل هذا الرَّجل الذي يهربُ الشيطان منه!
فلا تكُن سطحياً، ولا تخدعنَك المظاهر!
في بيتِ النََبيِّ ﷺ ١: موقِفٌ مُحْرِج!
الغيرةُ هي إحدى لغاتِ الحُبِّ، حين يَفيضُ عن حدِّ الاحتمال.
إنَّها ليست شكًّا أعمى، بقدر ما هي دفاعٌ عن مُمتلكاتِ القلب.
في بيتٍ تتنزَّلُ فيه الآيات، وتُصاغُ فيه الأخلاقُ قبل الأقوال، ظهرتِ الغيرةُ كما تظهرُ في كلِّ بيتٍ من بيوتِ النَّاس؛ صافيةً، عفويّةً، منساقةً مع الفطرة، بلا تزييفٍ ولا ادِّعاء.
كان من عادةِ النَّبيِّ ﷺ أن يقسِمَ المَبيتَ بين نسائه، لكلِّ واحدةٍ منهنَّ ليلتُها. وكانت تلك ليلةَ عائشة رضي الله عنها. وكان يجلسُ في بيتها، وعنده بعضُ أصحابه، الذين كانوا على موعدٍ مع درسٍ عظ��مٍ من دروسِ الحياةِ الزَّوجيَّة؛ درسٍ يُريك كيف يُطفئ الزَّوجُ الحكيمُ فتيلَ مشكلة.
كان كلُّ شيءٍ يسيرُ على ما يُرام، إلى أن قُرِعَ الباب، وقامت عائشةُ رضي اللهُ عنها لتفتح، فإذا هي بخادمِ زينبَ بنتِ جحشٍ رضي اللهُ عنها، وبيده قصعةُ طعامٍ طبختْه، فاجتهدتْ أن يأكلَ النَّبيُّ ﷺ.
تأجّجتْ نارُ الغيرةِ في قلبِ عائشةَ رضي اللهُ عنها؛ إنَّه بعُرفِ الضرائر اعتداءٌ صارخٌ على ليلتها، وبعُرفِ المرأةِ التي تفهمُ المرأة: ليست قصعةَ طعامٍ فحسب، بل رسالةَ حبٍّ مفادُها: لم تَطِبْ لنفسي أن آكلَ دونك.
فتضربُ عائشةُ رضي اللهُ عنها يدَ الخادم، وتقعُ القصعة، فتنكسر، وينسكبُ ما فيها من طعامٍ على الأرض.
يا لهُ من موقفٍ مُحرِجٍ لزوج!
ضع نفسَك مكانَ النَّبيِّ ﷺ، وأخبرني عن مشاعرك في تلك اللَّحظة. لعلّك أوّلَ ما ستفكِّرُ به أنَّك قد أُهنتَ أمام ضيوفك، وأنّ فعلًا كهذا يستوجبُ ردًّا لحفظِ ماءِ الوجه، ولا يجبُ بأيِّ حالٍ من الأحوال أن يمرَّ مرورَ الكرام.
والآن، انظرْ إلى النَّبيِّ ﷺ كيف تصرَّف في موقفٍ أحسبُه أنا وأنت انتقاصًا من رجولتنا، وتعالَ نتعلّمِ الدرسَ من سيّدِ الرِّجال.
لم يفعلِ النَّبيُّ ﷺ شيئًا أكثرَ من أن جلسَ على رُكبتي��، وجمعَ أجزاءَ القصعةِ المكسورة، ولملَم بقايا الطَّعامِ المتناثرِ على الأرض، وقال لمن حوله مبتسمًا: غارتْ أُمُّكم.
ثمّ قال لعائشةَ رضي اللهُ عنها: أعطيها قصعتَك.
حربٌ زوجيّةٌ كانت على وشكِ أن تقع، وإن شئتَ فقل: شرارةُ طلاق، ولكنّ النَّبيَّ ﷺ أطفأَ كلَّ هذا بهدوئه، واتّزانه، وفقهه.
عَلِمَ أنَّ المرأةَ تغارُ في مثلِ هذه المواقف، والمحبُّ إذا غارَ يفقدُ شيئًا من اتِّزانه ولباقته. نحن نستشعرُ هذا إذا ما تعلَّق الأمرُ بقلوبِنا.
الحياةُ الزوجيَّة، والتَّعاملُ اليوميُّ، وضغوطُ الحياة، تضعُنا دائمًا أمام مشروعِ حربٍ وقطيعة، ولكنّ ردَّ فعلِنا هو الذي إمَّ�� يصبُّ زيتًا على النَّار، أو ينتزعُ فتيلَ القنبلةِ قبل انفجارها.
ومخطئٌ جدًّا من يعتقدُ أنَّ الحياةَ الزوجيَّة ساحةُ حربٍ عليه أن ينتصرَ في كلِّ معركةٍ فيها.
على العكسِ تمامًا؛ إنَّ الحياةَ الزوجيَّة لا تستمرُّ إلَّا بالتَّغاضي: تغاضي الزَّوج، وتغاضي الزَّوجة. ولو توقَّفنا عند كلِّ خطأ، ووقفنا عند كلِّ موقف، وحلَّلنا كلَّ كلمةٍ، لأصبحتِ الحياةُ الزَّوجيَّة جحيمًا لا يُطاق.
ثمّ انظرْ إلى النَّبيِّ ﷺ: إنَّه لا يتغاضى عنها فقط، بل يلتمسُ لها العذر: «غارتْ أُمُّكم». لقد راعى طبعَها، وطبعَ المرأةِ أن تأخذَها عاطفتُها بعيدًا، وتُخرجَها غيرتُها عن لباقةِ التَّصرف، وتُفقدَها شيئًا من اتِّزانها إذا شعرتْ بالتَّهديد. ولا يوجدُ تهديدٌ للمرأةِ أكثرُ من المرأة.
الحياةُ الزوجيّة ميثاقٌ غليظ، وعهدٌ كُتِبَ في السماء، فكان في الأرض. بناءٌ شيَّدناه في لحظة، وعلينا أ�� نحميَه ونحافظَ عليه كلَّ يوم.
إنَّها تشارك يدًا بيد؛ تحمِلُها مرَّة، وتحمِلُك مرَّة، تتغاضينَ له مرّةً، ويتغاضى لكِ مرّةً،
تسامحينَ لأنّكِ بحاجةٍ إلى أن تُسامَحي، وتغفرينَ لأنّكِ بحاجةٍ إلى أن يُغفَرَ لكِ.
هذه قصّةٌ لا تُروى لبيانِ حادثةٍ، بل لتُعلِّمَنا أنّ بيتَ النَّبيِّ ﷺ لم يكن مثالًا بعيدًا عن البشر، إنّما كان أقربَ البيوتِ إلى قلوبهم؛ لأنَّه عاشَ الإنسانيّة، ثمّ ارتقى بها.
أدهم شرقاوي / صحيفة الوطن القطرية
السِّباحة عكس التَّيار!
ُوُلِدَ الكاتب المناهض للعبودية “فريدريك دوغلاس”، عبداً في “ماريلاند” عام 1817، كان قد كتب في كتابه الشهير “عبوديتي وحريتي”: العبودية منظومة مبنية على ��لق مستويات عميقة من الخوف! كان دوغلاس يسير دوماً عكس التيار! علَّمَ نفسه القراءة والكتابة، رغم خطر العقوبة المشدد! وحين جُلِدَ عقاباً على سلوكه المتمرد، هربَ إلى الولايات الشمالية في امريكا، في سن العشرين دون أي أموال أو علاقات! ولكنّه سرعان ما صار قيادياً في حركة مناهضة العبودية، يجوب الولايات الشمالية، سارداً على الجماهير عن شرور العبودية. أراد منه مناهضو العبودية أن يظلَّ في دائرة محاضراته، ليكرر نفس الحكايات مراراً وتكراراً، ولكنه أراد لنفسه أكثر من ذلك، فتمرَّدَ مرَّةً أخرى، وأسس جريدته الخاصة المناهضة للعبودية، وهو تصرف غير مسبوق من عبدٍ سابق! وحقق�� الجريدة نجاحاً ساحقاً!
أحياناً على المرء أن يخطو خُطوةً أبعد، لأن الخطوة الوحيدة المتاحة، أو التي يبدو أنها كذلك، في الغالب لا تُؤدي إلى نتائج مرجُوَّة! كان أمام دوغلاس أمران لا ثالث لهما، أن يتحمل عذاب الجلد كل مرَّة، أو أن يهرب، فاختار أن يهرب! لقد رأى أن المجهول الذي فيه حرية ومغامرة، أفضل من العبودية المبنية على السلامة إن هو أطاع! وبالمناسبة العبودية هي العبودية، ليس لها اسم آخر، ومهما كان طول الحبل الذي يُربطُ به المرء! المرءُ إما أن يكون حُراً أو يكون عبداً، لا يوجد منطقة وسطى!
الحياة في الغالب لمن يجرؤ فقط، ولمن يستطيع المواجهة، ولمن يرفض أن يكون في عنقه سلسلة ولو كانت من ذهب، ولكنها جرأة متعقلة، وإلا صار الأمر تهوراً، وجرأة منبثقة من قيمة عليا ومبدأ، وإلا صار الأمر انحلالاً!
بلال بن رباح تخلَّد في التاريخ لأنه، ثار على منظومة العبودية التي أرستها الجاهلية، العبدُ ملكٌ لسيده، هكذا كانت تقول شريعتهم، ليس له أن يختار ديناً، ولا رأياً، ولا حتى عاطفة بخلاف ما يأمر به السيد! أما بلال فكان له مع كل هذا شأن آخر، كانت أعلى أيامه في سلَّم الحرية حين رُبطَ على رمال مكة الملتهبة، ووضعت الصخرة على صدره! كان مو��قاً في الظاهر طليقاً في حقيقة الأمر، لقد هزَّ منظومة العبودية كلها!
سعد بن أبي وقاص تخلَّد في التاريخ لأنه أخذ موقفاً مغايراً لما تعرفه مكة، بل لما تعرفه العربُ جميعاً! العقيدة أهم من العائلة! هذا كان عنوان ثورته، وحين أقسمت أمه أن تقف في الشمس، فلا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه، قال لها: يا أماه، لو كانت لك مئة نفس، خرجتْ نفساً نفساً ما تركتُ هذا الدين!
صهيب الرومي تخلَّد في التاريخ لأنه قلبَ مفهوم المُلكية! المال صنو الروح، هذا ما تقوله العرب، ولكنه عندما خرج مهاجراً يريدُ المدينة، لحقت به قريش تحاول إرجاعه، فلما عجزتْ ساومته على ماله، كيف تأتينا صعلوكاً لا مال لكَ وتريدُ أن تُغادرنا ثرياً؟! هذا ما قالوه له! ولكنه دلَّهم على موضع ماله، فأخذوه، ومضى هو إلى حيث حبيبه، وفي المدينة تلقاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بابتسامة عذبة، وكان جبريلُ قد أطلعه على ما كان بين صهيبٍ وقريش، فقال له: ربح البيعُ أبا يحيى!
أدهم شرقاوي / صحيفة الوطن القطرية