فــي حــب ايـفــا.. «أبـهــا» التـي أعـــرف |
عندما صدح طلال مداح -رحمه الله- بـ«لا تلموني في هواها، قلبي ما يعشق سواها- شفت أبها» في مسرحه المسمّى باسمه، كانت أبها كلها تصغي إليه كأنها تغنّي لنفسها. كانت صوته، وكانت لحنه، فأصبحت بصوته ذكرى بهاء هذه المدينة الساحرة، كمفتاحٍ لذاكرةٍ لا تشيخ. مبدعها المصري أحمد رجب، الذي كان معلمًا في أبها حينها، كتب رائعته «شفت أبها» التي ظل الناس يختلفون حول معناها؛ فمنهم من قال إنها قصيدة لفتاةٍ رآها وأحبها وتقدم لخطبتها فُرِفض طلبه، وثمة من يقول إنه فعلاً شاف أبها التي أعرف، وكانت فعلًا قصيدةً مجردةً لها.
أما أنا، فميلي دائمًا للرواية الأولى؛ لأن لا شيء أصدق من عاشقٍ يوارب اعترافه باسمٍ يشبه محبوبته، ولا شيء أبلغ من شاعرٍ يصف مدينته كما يصف وجه حبيبته.
أما عن «إيفا»، الاسم القديم الذي يُقال إنه كان لأبها ويعني «البهاء والجمال»، فقد ظلّ مثار جدلٍ بين من يؤكدونه ومن يردّونه إلى اسمٍ آخر هو «أبقا». وكعادة الجنوب في جدل المسميات، تبقى أسماؤنا قابلةً للتأويل والاختلاف دائمًا. لكني، دون عناء البحث ولا شغف المؤرخين، أختار الأجمل بينهما: أختار «إيفا»، لأنه يليق بأبها التي أعرفها، ولأن البحث الدقيق قد يفسد سحر التذكّر. وأنا هنا لا أكتب مرجعًا يُعتد به أو يُؤخذ منه فائدة، أنا أكتب حكاية طفلٍ عاش في أبها التي يعرفها بنظرته المحدودة.
رسمت أبها على عماراتها وأبوابها شكلًا لا يشبه أحدًا. كل جدارٍ فيها بيتٌ من قصيدةٍ كتبها المطر، ألوانها لا تلتزم مذهبًا واحدًا، وكل لونٍ فيها يعيش في سلامٍ مع ضده؛ البنفسجي يجاور الأزرق، والأخضر يطلّ من خلف الأصفر، والمدينة تبدو كلوحةٍ لا تكتمل أبدًا.
في حاراتها القديمة -النَصَب، وشمسان، والقابل، والحي الذي أعيش فيه، الوردتين- لكل حيٍّ منها وجه، لكن المشترك بينها جميعًا شوارعها الضيّقة التي بالكاد تتّسع لمرور سيارةٍ واحدة، لتجعلك تخلق لغة تفاهمٍ مروريٍّ فريدة، لا تُدرَّس في مدارس القيداة. تلوّح بيدك لجارك ليمرّ أولًا، أو يلوّح هو لك، وفي هذه الإيماءة الصغيرة تختصر أبها فلسفتها.
في حيّنا «الوردتين» كانت هناك بوفية صغيرة لا تتّسع إلا لطاولتين، يديرها رجلٌ تركيّ يُدعى أبو وحيد. كان سريع الغضب، حاد الطباع، لا تراه مبتسمًا دائمًا، لكنه محبوبٌ على نحوٍ غريب، وقد صار مع الأيام واحدًا من ملامح الحيّ نفسه.
كل صباح، يجتمع عنده كبار السن من حينا ليفطروا ويتحادثوا عن المطر والسياسة وغلاء التيوس، بينما يتذمر منهم الموظفون الذين يمرّون على عجلٍ قبل دوامهم وهم في المقابل لا يستعجلهم شيء على الإطلاق، مما يسبّب مشاكل في المحل بعض الأيام. ومع ذلك، كان أبو وحيد يُشبه الأمّ التي تحتضن الجميع، كما وصفه جارنا أبو علي مازحًا. أمّا الموظفون، فكانوا يشتكون من ازدحام البوفية، لكنهم يعودون إليها في اليوم التالي كما يعود المرء إلى عادته الأليفة، وذلك يعود بالطبع لارتباطهم العاطفي بالمكان الذي كانوا يرتادونه منذ طفولتهم.
وذات يوم، كان أبو وحيد يسامر والدي في لحظة صفاءٍ نادرة منه، قال جملةً ظلّت عالقةً في ذاكرتي:
«أبها كشك إسطنبول.»
خرجت مع أبي أسأله بدهشة: وش يعني كشك إسطنبول؟ فأجاب: يقصد إن أبها إسطنبول الصغيرة التي لم يشعر فيها بغربة.
أبها التي أعرف، تعرف كيف تخلّد ناسها. فكما منحت أحمد رجب قصيدته، وأعطت أبا وحيد وطنًا جديدًا، وألهمت المطربين عشرات الأغاني التي تجاوزت السبعين أغنية، لتصبح أكثر مدينةٍ عربيةٍ غُنِّي لها.
لكن أبها في المقابل، لا تفتح ذراعيها للغرباء سريعًا، وإن فعلت، احتضنتك للأبد. كما احتضنت قبل أكثر من ثلاثين عامًا أشجار الجاكرندا التي جاءت من أمريكا الجنوبية لتجد في الضباب موطنها الجديد. وسرعان ما أحبّوها، وصاروا يزرعونها أمام بيوتهم وفي الطرقات، لتهديهم الجاكرندا هويةً جديدةً للمدينة في ربيعها الذي يكتسي بلون البنفسج.
أبها التي أعرف لا تُرى بوضوح؛ هي قريةٌ قديمةٌ متعطرةٌ بذاكرتها، مدينةٌ لا تُبهر من النظرة الأولى، فهي مدينة الألفة لا الإبهار، تطلب منك أن تتأمّل البيت الذي لا يُقفل بابه، والضباب الذي لا يتبدّد، والأغنية التي لا تنتهي، وصوت المطر الذي يختلط برائحة خبز الميفا و الحماقة.
في أبها، تتعلم كيف تمارس الألفة كفنٍّ من فنون الحياة، تتعلم أن تفسح الطريق لجارك في الشارع الضيّق، وأن تصبر على طلبات كبار السن الإعجازية عند أبي وحيد، وأن تجيب بابتسامةٍ على أسئلة عم محمود التي لا تنتهي عن أدق تفاصيل يومك.
هكذا تصبح الألفة نمطًا من العيش، مثل المطر متكرر، لكنه لا يمل.
ولأن كل مدينةٍ تُختصر في شخصٍ أو حكاية، فإن أبها - بالنسبة لي- تُختصر في مشهدٍ صغيرٍ أراه كل يوم:
«ظاهر»، شابٌّ يوقف شاحنة الآيس كريم خاصته تحت ظل جاكرندا، يفتح النوافذ، ويبدأ في خلط النكهات . يُردد أغنيةً قديمةً بهمس لم أستطع معرفتها، لا ينتظر شيئًا من أحد، فقط يعيش لحظته.
مشهد ظاهر البسيط تحت الجاكرندا هو خلاصة الحكاية، وهو الذي يمنح اسم «إيفا» معناه الأعمق. فجمال أبها في كونها مدينةً لا تحتاج أن تُثبت شيئًا، وتكتفي بأن تُصغي إليها، لتجدها في التفاصيل الصادقة، حيث يكفي مشهدٌ صغيرٌ ليروي قصة المكان، وتدرك سرّها الأبدي؛ كأن المدينة تهمس مثل همس ظاهر بأغنيتها: «إن التحيف تحيف.»
يارب، أدعوك دعاءً لا أحسن ترتيبه، ولكنك تعلم مافي قلبي، وتبصر حاجتي، اللهم اختر لي ما هو خير، واصرف عني ما هو شر، وغيّر حالي إلى أفضل حال، اللهم أمانينا التي نرجوها، اللهم حقّقها لنا برحمتك، اللهم لا تجعل يوم عرفة ينقضي إلا وقد غفرت لنا، وغيّرت أقدارنا إلى أجمل مما نتمنى.
@ended_everyone Austin was genuinely talented but the constant comparisons to Justin Bieber basically sabotaged his career back then.
TBH I still listen to his music and I still enjoy it.