يحدث أن أتنقل بين طيات ذاكرة قديمة ، قد دونت فيها بعض مشاهدات غريبة ، أن أحلم بخريطةٍ يختفي من طياتها الهلع ، ان أحلم بأن أتمكن من رسم الهواء الساكن في رئتي بريشةٍ ساحرة فلا يعود هناك ما يضطرب هنا ، يحدث ان يأخذني فوج من الحديث بعيداً عن هدوء سريرتي ، ان يتركني السلام الذي تمكن مني وهو يحمل صرةً صغيرة، صرةٌ أصغر من أن تكفي الطريق فيبدأ سفرًا لغربةٍ أخرى بعيدة عني ..
يحدثُ تكراراً أن لا أعرف ماذا سيحدث ، أن أستشعر الأثام الحزينة كأرنب لا يجد ما يبرر ذعره المخبوء في قفزته ،
يحدث ان يأخذني السؤال .. و الشك و هاجسي الثقيل .
يحدثُ ان تحتلني فكرة فضح هذا العبث المحيط بمشاهد حياتي فأنزوي، و اتمنى للحظة ان احمل كاميرا وأجول في الأرض لأسجل الانكسارات التي لا يشعر بها الاخرون و لاتشعر بها الأرض ..
**
يحدثُ أن اخبئ متاهتي المستعصية على الحل داخلي وارتدي مخرجًا واضحًا ، لتلومني رفيقة ، و كما يحدثُ دوماً أنني لا أهتم البتة و لا أبالي ولا أبكي حين يستدعي البكاء ، و لكن أبكي لجارة عازف طبل و للمعتوه و للألم الذي لا دواء له، يحدث ُ أن أبكي بحثاً للروح عن مُستراحٍ لنومٍ أو هنية هدوء ويحدث ان لا يغيب الصوت ولا يطيع النوم وليس للبال ما يرفو تمزق دثار أمانه!
يحدثُ أن لا أود الاختلاء بي ، ولا الإكتمال بي
يحدثُ ان أشعر بأنني محاصرة في داخلي وأحاول أن أنجو بي مني ولا يمنحني الله اليوم-ليس بعد- ما قد يبلل الظمأ المتقرح في هذه الروح.
ويحدثُ أن أشعر بي حجرة صماء لا شكل لي .. لا لون ولا روح او و��ه .. وكأنما ألقتني الريح الى حفرة عابثة فرحتُ اهوي..وأهوي..لا المسافة تنقضي ولا أفقد هذا الشعور بالسقوط الكامل التام في جوفٍ معتم
كموتُ وميلاد متعاقبان .. كلعنة..
يكون بها التنفس طعنة الهواء للرئة المعطوبة
والسباتُ الغادر هبةُ الغيبوبة الرحيمة التي يتمناها الشخص خلاصاً لا يلوذ إليه ولا يُلبى !
ويحدث أن أشعر بي حجرة صماء لا شكل لي، لا أنتمي لمجموعةً أخرى، ولا أُحسب على نطاق الأشياء والمخلوقات .. فلا تتسلقني الطحالب وليس لثقلي ما يترك اثرًا .
يحدث ان لا اكون في بيئتي الخاصة ولا اتكيف .
و أن أحزن، وأحزن كثيرا .. وأبكي كل مرة يتحقق فيها الحُلم . يحدث أنني لا أفتأ أؤمن بالأحلام وأنها لا بد ان تتحقق من الإيمان بها .
ويحدث أن أصدق وأدافع وأتحمس لشيءٍ ما ، تافه، أو غير مهم، انما يخصني في تلك اللح��ة .. يخصني وحدي دونًا عن الكل ، يعني لي أن أجد من يستمع لي في فلسفة خاصة ، من يشاركني اهتمامًا عابرًا ، من يحتوي قلقي ويتركني رغم صرامتي أنتحب لمشهدٍ تلفزيوني ساذ��، واتمنى قداحة عجيبة لسجائر تاملي ونافورة بمياه ثرثرتي ، وأن أضع على رف الذاكرة كل ما قرأت لأباطرة الكتاب
وأعود لبطولة حياتي وحيدًا اكمل ماتبقى ..
ان الحياة صيرتني السؤالَ والجوابَ في آنٍ واحد، و كأن الوجع فتح بي ما أغلقه الوجود بي ، فتركني معلقًا بين النور و الظلمة ..
أرى ولا أُبصر ، وأُبصر ما لا يُرى !
ربما لم اكن خياركِ المعتاد ، و لكني جئتكِ احمل كل أضدادك ، و حتمًا قد شعرتِ بكل ما قد يُشعرُّ بِه وجودي ..
اني أقرب من الفكرة ، وأبعد من الفهم امرّ في القلب كما تمرّ تسميةً على جرحٍ نائم ! لا يقُبض عليها ولا يُحاط بها
لكن تشعرُ كل خلية بأنها شاهدة على المشهد !
ياتي عليك وقت تشعر به
كمن برد حلمه الحارق وانطفأت شرارة جوفه ، وقتٌ لا تعود فيه النفسَ مُعذبةً كما كانت .. بل تصبح مجرّد علامة ، تجلس أمامها بهدوء غريب، تتأمل بقايا هذا الخراب كما لو كان مشهدًا من حياة لم تكن تخصك أصلًا ، فمهما بلغ مبلغ ما دفعته لم يكن فيها شيء ينتمي لك ..
تتذكر الأيام التي حاولت فيها إنقاذ ما لا يُنقَذ !
و كيف كنت تمنح النور لقلوب لا تُبصر وتُغدق بالصدق على من لم يعرفوا يومًا معناه !
**
لتدرك فجأة أن كل الإنهاك الذي أصابك لم يكن في الفقد الذي عصف بحياتك ، بل كان نابعًا من الإصرار على البقاء حيث لا حياة لكَ ولا مكان يحتويك .. كل شيءٍ يتغير حين تفهم أن النجاة لم تكن دائمًا جميلة .. لكنها ضرورية و حتمية ..
**
امضي ..
لا انتقامًا ، بل احترامًا لكل ما تبقى منك . امضي بخفة من تخلى عن أوزانه القديمة
و ترك صراعاته البالية ..
و تنازل عن انتصارات لم يكن يومًا سيتقلدها .
قيس بن الملوح مرةً شعر بغربة قلبه بين أضلاعه ،
فيني عقلٌ لا ينتمي لي .. و أضلاع تقسُم انها كانت أعمدة في أرض بابل ، و عينان مازالتا تحلمان في منزلها بين النجوم ، و يدانِ كانتا مراوح ريشَ لملكة في سبأ ..
انا لا أمُلك مني إلا صوتيْ .
٥ صفـر | رسالة في وقتٍ متأخر.
لا مناص من كوننا سنعيش ( مرة واحد�� ) وربما تكون .. صعبة ، مُتعرجة ومليئة بالابتلاءات ،
حزينة وغير منصفة احيانًا !
ولكن لا سبيل لنا سوى ان نتحايل عليها ، ان نرتدي لها احيانا الوجهَ الذي تبتغيه منا ، نصوُل شوارعها مُتجلدينَ بالقليل الذي رَسَخَ من قوتنا ..
ان نعيش حيواتَ لاجل تلك اللحظات الدافئة التي نُقدرها ، و بقدر تلك الكتب التي نقرأها ، و الاصوات التي نقرع بها أرصفة هذه الحياة ، فلنخلق الصدى ولتخلقِ من هذه الليلة نسمة تنتشيها شمس السبت فتصبرُ من نارها لصبركِ و صبريَ .
لو ان لك يدًا بربرية ، و شققتي جمجمتي لكنتِ ستجدين رياحاً (أفكاراً) تشابه هذه الريح في ع��فها و خطرها ..
و أنا سأموت ذات يوم، إذ أن الرياح سوف تدفعني لأسقط في الهوة..
و لكن ��لرياح التي سوف تدفعني ليست رياح هذه الأرض، و إنما هي أفكاري .. سوف تقتلني .
انا مجرم نفس ارتكب في عمره جنايات عظمى جردته من إنسانيته فصار يهذي في طريقه الى فوهة العدم ؛ مدحاً/هجاءً ،فخراً و رثاء و غراماً،
ان يقول كل شيء إلا استنجادا.
حلمت فيهم وانا أمشي اتبعهم..
ولما التفت أورفيوس .. كدت اصفعه هو وشعره الاجعد .. لعنك الله يا مُفلفل !
انهار بكاءًا على العتبة الأخيرة بعد اختفاءها
وانا اقف اسفل منه بثلاث عتبات ، اصفر بفمي و اضرب احجار العالم السفلي الصغيرة بطرف قدمي متظاهرة ا��ي غير موجودة ..
لئلا اضطر لمواساة هذا الفديغ .
كان الشرط طبعًا /
أنه في الطريق لعودتهم إلى العالم العلوي، لازم يكون يمشي هو قدامها دون أن يلتفت وراءه أو يكلمها.
وافق أورفيوس .. فمشى و سمع صوت خطواتها تتبعه بهدوء و هكذا أخذا كلاهما يسيرًا طويلا و هو كان يحاول أن يرقق سمعه كي يتأكد أن خطوات محبوبته تتبعه. كان يمشي وهو "يهوجس كما نيران " يخشى أن تُجهد، أو أنها تتخلف عنه كثيرًا دون أن يدري فيفقدها .. و زد عليها أن اللهفة عليها كانت تجذبه طول الوقت من أجل أن يشاهدها لأول مرة بعد هذا ال��قت الطويل من فراقهم .
ولما وصل إلى الدرجة الأخيرة، لم يعد يقوى على الصبر أكثر، فقام بالالتفات نحوَها..
و هكذا فقدها إلى الأبد.(:
و الآن.. نجي للسوال الصعب و الإشكالية في النهاية :
التفاتته قبل وصوله إلى العتبة الأخيرة -مع علمه أن هذي الالتفاتة بيترتب عليها فقدانه ليوريدس إلى الأبد- هذي الإشارة.. هل هي تصب في صالح حب أورفيوس في الأخير؟ أم أنها تنقص منه؟
هل هو عندما لم يكن قادرًا على مغالبة شوقه الهائل لرؤيتها ، ولا دفع القلق الهائل المترتب على عدم تأكده من انها كانت خلفه ، مما دفعه للالتفات
هل كان ذلك دليلا على عظم حبه؟
.. أم أنه لما ضعف فاستعجل هذه اللذة الآنية
مع علمه أنه سيفقدها إلى الأبد ، فضحى بها من أجل شأن ذاتي الا و هو انه يراها
هل هذا ينافي حبه و ينقص منه؟
كيف من المفترض أن تُفسر هذه الالتفاتة الأخيرة؟ كيف تفسر هذه الدلالة؟