رجلٌ إذا ذُكر حضر الاحترام
في الناس رجالٌ تُعرَف أقدارهم قبل أن تُعرَف أسماؤهم، وتُحَسُّ آثارهم قبل أن تُروى أخبارهم، ومن أولئك الرجال الشيخ بريك بن مبارك بن مسلم اليوبي رحمه الله؛ رجلٌ كانت الرزانة فيه سجيّة، والوقار طبعًا، والخلق الرفيع خُلُقًا لازمًا لا يتكلفه ولا يتصنعه.
لم يكن أبو سليمان كثير الكلام، لأن العقول الراجحة يغنيها المعنى عن الإكثار من القول، وكان إذا تحدث أصغى إليه الجالسون لما يجدون في حديثه من حسن نظر وسداد رأي. لا تطول عباراته، ولكنها تبقى في الذاكرة، ولا يكثر النصح، ولكن كلماته تأتي في موضعها، فينتفع بها من سمعها. وكان حضوره هادئًا مطمئنًا، يأنس به الجالسون ويستفيد منه المستمعون.
وكان رحمه الله رجلًا عاقلًا، يعرف الناس ويعرف طبائعهم، ويدرك المقاصد من غير تكلف، ويزن الأمور بميزان العقل والتجربة. لا يستعجل الحكم، ولا يتعجل الرأي، بل ينظر في العواقب قبل أن يتكلم، فإذا أشار كان لرأيه وزنه، وإذا تحدث وجد السامع في حديثه رجاحةً وحسن تقدير.
وعاش رحمه الله بسيطًا في هيئته، عظيمًا في جوهره، اتخذ من الأرض رفيقة، ومن الزراعة معاشًا شريفًا، يفلحها بيده كما يغرس في النفوس معاني الصبر والصدق والرضا. لم يرَ في العمل اليدوي نقصًا، بل كان يراه كرامة، وفي الكسب الحلال شرفًا يستحق الاعتزاز.
وكان الكرم طبعًا فيه لا خُلُقًا يتصنعه؛ يعطي لأن العطاء جزء من تكوينه، ويواسي لأن الرحمة حاضرة في طبعه، ويقضي الحاجة وهو يرى ذلك من واجب المروءة لا من باب المنّة. من قصده وجد بشاشة الاستقبال، ومن عرفه لمس سماحة النفس وسعة الصدر.
وأما الجيرة، فقد كانت عنده ميثاق شرف لا يُنقَض، وعهدًا أخلاقيًا لا يفرط فيه. الجار في نظره له حقٌّ ثابت، وحرمةٌ مصونة، يحفظه في حضوره وغيابه، ويقف معه عند الحاجة، ويكفّ عنه ما يكره. وكان يرى حسن الجوار خُلُقًا لازمًا لا تستقيم الحياة بدونه، ولا تكتمل المروءة إلا به.
ثم كان صوته في الأذان صفحةً أخرى من صفحاته البيضاء، وبابًا من أبواب العمل الصالح الذي عُرف به بين الناس. فقد رفع الأذان سنواتٍ طويلة ابتغاء وجه الله تعالى، لا ينتظر أجرًا من أحد، ولا يطلب على ذلك مقابلًا. كان يؤذن إيمانًا برسالة الأذان ومكانته، فألف جيران المسجد صوته، وارتبط في ذاكرتهم بنداء الصلاة ومواقيتها.
وكان إذا صدح بالأذان بقي صوته جزءًا من ذكرياتهم الجميلة، كما بقيت سيرته الحسنة ومواقفه الكريمة في أذهان من عرفوه.
رحم الله الشيخ بريك بن مبارك اليوبي رحمةً واسعة، فقد كان رجلًا عرفه الناس بحسن الخلق، ورجاحة العقل، وصدق المعاملة، فترك في نفوسهم ذكرًا طيبًا لا يُنسى. انقضت أيامه التي عاشها بينهم، وبقي أثره في مواقفه، وبقيت سيرته الحسنة حديثًا يتناقله الناس بالخير والدعاء. وتلك من أجلِّ النعم التي يوفق الله إليها عباده؛ أن يمضي الإنسان، ويبقى من بعده جميل الذكر، وحسن الأثر.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
@3232Sab الله يرحم الشيخ بريك بن مبارك اليوبي وان يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة اللهم امين
ونشكر الأستاذ صابر المحمدي على مايقدمه ويجعله في موازين حسناته
رجلٌ تألفه القلوب
في الأبواء رجالٌ تأنس النفوس بذكرهم، فإذا جرى اسمُ أحدهم في مجلسٍ تداعت إلى الذاكرة صورٌ جميلةٌ من الأيام، وأقبلت القلوب على حديثه في أُنسٍ ومودّة، كأنّ الذكرى تُخرج من طوايا العمر رائحةَ مجلسٍ قديم، أو صورةَ وجهٍ بشوشٍ لم تعبث به الأيام في الذاكرة.
ومن هؤلاء الذين يطيب للناس ذكرُهم الأستاذ عاتق بن حاسن بن عبدالمحسن بن سلوم المحمدي، رحمه الله؛ فقد اجتمع له خُلُقُ المعلّم، وإحساسُ الشاعر، وبشاشةُ الصاحب. لذلك لم يكن ذكرُه يمرّ في المجالس مرورَ الأسماء، بل مرورَ المعاني التي تترك في النفوس أثرًا من الأُنس والتقدير. فإذا ذُكر جرى الحديث عنه في أُنسٍ ومودّة، واستعاد الناس ما عرفوه فيه من طيب الخلق وحسن المعشر، لما غرسه في النفوس من جميل الأثر، وموضعِ وُدٍّ لا تناله الأيّام.
لم يكن معلّمًا فحسب، بل كان قدوةً هادئةً في خُلُقه وسلوكه، يعلّم بعلمه، ويؤثّر بحسن سمته، ويترك في النفوس أثرًا يتجاوز حدود الفصل الدراسي. يفتح للأذهان أبواب المعرفة، وللنفوس أبواب الأدب، فأحبّه تلاميذه محبّةً لا يصطنعها تكلّف، ولا تستجلبها هيبةُ المنصب، بل تنبت من ذلك القبول الذي يودعه الله في بعض الأرواح؛ فإذا هي محبوبةٌ وإن صمتت، مألوفةٌ وإن غابت.
وكان للأستاذ عاتق عنايةٌ بالخطّ العربي، ولا سيما النسخ والرقعة؛ يكتب كتابةً تنمّ عن ذوقٍ رفيع وإتقانٍ ظاهر، حتى لتبدو الحروف على يديه في أجمل هيئة، متناسقةَ الرسم، محكمةَ البناء. فلا ترى في كتابته اضطرابًا في سطر، ولا عثرةً في رسم، بل نظامًا يشبه اتّساق نفسه وهدوء طبعه.
وأخلاقُ الرجل كانت من ذلك الطراز الذي لا يكثر في الناس؛ تواضعٌ لا يعرف التكلّف، وبِشرٌ لا يفارق المحيّا، وابتسامةٌ كأنّها لغةٌ أخرى يفهم بها القلوب قبل الألسنة. وكان محبوبًا بين أهالي الأبواء، لا لأنّه طلب المحبّة يومًا، ولكن لأنّ النفوس السليمة تهتدي إلى أمثال هؤلاء كما تهتدي الطيور إلى مواطن الماء.
ثم إنّ للرجل في الشعر شأنًا لا يُغفل؛ فقد كان شاعرًا مطبوعًا، تخرج المعاني من خاطره رخيةً عذبة، كأنّها لم تُصنع صنعًا، ولم تُستكره استكراهًا. ونظمُه يجري على سجيّةٍ صافية، فيه رقّةُ الإحساس، وعذوبةُ العبارة، وصفاءُ الذوق.
رحم الله أبا شادي الأستاذ عاتق بن حاسن المحمدي رحمةً واسعة. لقد عاش بين الناس كما أحبّ أن يعيش: قريبًا من القلوب، مألوفًا في المجالس، جميلَ الأثر في النفوس. وحين يُذكر اليوم لا تستحضر الذاكرة اسمًا فحسب، بل تستحضر خُلُقًا وبشاشةً ومواقفَ وُدٍّ لا تزال حيّةً في نفوس أصحابها. وتلك نعمةٌ لا ينالها المرء بمالٍ ولا جاه، وإنما يمنحها الله لمن أحسن إلى الناس فأحسنوا حفظه في قلوبهم
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
تلميذ الطنطاوي
أيها القرّاء، إذا أردتم أن تعرفوا رجلًا اجتمع فيه وقار العلم ورقّة الأدب، وتعانقت في شخصيته الثقافة والشعر، فتعالوا نقف عند سيرة الأستاذ الشاعر علي بن سليمان أبو عسم رحمه الله؛ رجلٍ ترك أثرًا طيبًا في النفوس، وحضورًا لا يغيب عن الذاكرة، فغدا ذكره مقرونًا بالأدب الرفيع والخُلُق الكريم.
عاش رحمه الله حياةً تشبه الأشجار الوارفة؛ ثابتًا في مبادئه، ممتدّ الأثر في عطائه، يمنح من حوله علمًا وأُنسًا وطمأنينة. لم يكن معلّمًا يقتصر دوره على التلقين، بل كان صاحب رسالة، يُلهم بعلمه، ويؤثر بأدبه، حتى تجاوز أثره حدود الصفوف الدراسية إلى القلوب والعقول.
وفي رحاب كلية التربية بمكة المكرمة تتلمذ على يد الشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله، فنهل من معين أدبه، وتأثر بجزالة أسلوبه وسمو بيانه، فانعكس ذلك على ثقافته وشاعريته وحسن تعبيره، حتى غدا الأدب جزءًا أصيلًا من شخصيته، والكلمة الجميلة رفيقة حديثه وشعره.
ثم تنقّل في ميادين التعليم بين القصيم وجدة، يحمل رسالته بإخلاص، ويغرس العلم في النفوس، تاركًا أثرًا طيبًا لا تمحوه الأيام.
وفي جدة، جمعته زمالة العمل في مدرسة اليرموك المتوسطة بحي البغدادية بالشاعر الأديب والمذيع الأستاذ عبيدالله أبو زاهرة رحمه الله، الذي لخّص مكانته بقوله: "كنتُ أحسبه معلّم لغة عربية من قوة ثقافته الأدبية، ثم عرفت أنه معلّم جغرافيا". وهي شهادة تعبّر عن سعة ثقافته، وتكشف عن شخصية تجاوزت حدود التخصص إلى رحابة الأدب وقوة البيان.
ولم يكن رحمه الله شاعرًا يكتفي بنظم الأبيات، بل كان يرى في الشعر رسالةً وذوقًا، وفي الكلمة مسؤوليةً وأثرًا. فجاء شعره قريبًا من النفس، عذب العبارة، مشبعًا بالحكمة والصدق، يلامس القلوب ببساطة وعمق.
وكان رحمه الله في شعر الكسرة وزومالة العرضة شاعرَ بديهةٍ حاضرًا؛ فما إن يُفتح باب النظم حتى تتدفق معانيه عفوًا، وتنساب عباراته بسلاسةٍ وعذوبة. امتاز بجزالة السبك، وسرعة الرد، وحسن الأداء، حتى عُرف بقدرته على إيصال المعنى بوضوح وتأثير، فكان إذا ارتجل الشعر شدّ الأسماع، وأسر القلوب بفصاحته وصدق تعبيره، وعدّه كثيرون من أبرز شعراء الكسرة في زمانه.
ومن أجمل ما عُرف به رحمه الله كريم أخلاقه، وسمو تواضعه، ولطف معشره؛ فلم يُعرف عنه تكبّر ولا تعالٍ، بل كان قريبًا من الناس، يلقاهم ببشاشةٍ وكلمة طيبة، ووجهٍ يألفه الجميع. بقي وقورًا بلا تكلف، متواضعًا بلا تصنّع، كريم النفس، حسن الخُلُق.
وكان محبًّا للناس، يأنس بمجالسهم، ويمنح جلساءه من حسن الصحبة ما يجعل اللقاء أكثر دفئًا وألفة. لا يضيق بسائل، ولا يملّ من مستزيد، بل يقابل الجميع بلطفٍ ومودّة، تاركًا في النفوس أثرًا جميلًا.
ولعل سرّ محبة الناس له أنه أحبّهم بصدق، فبادلهم الودّ والإخلاص، ولم يعرف التكلّف في علاقاته، فغدا محبوبًا بين أهل الأبواء، تُذكر مجالسه بخير، ويُستعاد حديثه بشيءٍ من الوفاء والحنين.
ثم تقاعد رحمه الله بعد رحلةٍ حافلة بالعطاء في التعليم والأدب، وحين رحل بقيت ذكراه حيّةً في نفوس من عرفوه؛ فالأرواح الجميلة لا يغيب أثرها، بل يبقى منها عبق السيرة، وأثر العلم، وطيب الذكر.
رحم الله أبا حسن الأستاذ الشاعر علي بن سليمان أبو عسم رحمةً واسعة، فقد كان من أولئك الذين مضت أعمارُهم، وبقي جميلُ أثرهم، وحسنُ سيرتهم، في نفوس الناس؛ رجلًا إذا ذُكر الأدبُ حضر اسمُه، وإذا ذُكرت المروءةُ تهادى ذكرُه بين الناس في لطفٍ ووفاء. ترك في العقول أثرَ معلّمٍ مخلص، وفي المجالس سكينةَ أديبٍ ظريف، وفي النفوس صورةَ إنسانٍ جميل السيرة، طيّب الأثر.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
محبُّ القرآنِ والإحسان
للرجال آثارٌ تُعرَف بها مقاديرهم، وتبقى لهم من بعدهم شواهدُ تدلّ عليهم؛ فقد يغيبُ الرجلُ الصالح، وتظلّ أعماله ناطقةً بفضله، يُستدلُّ عليه بمحرابٍ عُمِر بالقرآن، أو ناشئةٍ نشأت على هديه، أو يدِ رحمةٍ امتدّت إلى ذي حاجة. وما الناسُ في نهاية الأعمار إلا ما أبقوه من أثر، وما غرسوه من خير، وما تركوه في القلوب من ذكرٍ حسنٍ ودعوةٍ صادقة.
وفي الناس رجالٌ لا يحتاج فضلهم إلى كثير قول يرفعه، ولا إلى قولٍ يبالغ في وصفه؛ لأنّ أعمالهم قائمةٌ مقام الشهادة لهم، وآثارهم تتحدّث عنهم حديثًا يغني عن كثير الثناء. فإذا ذُكروا ذُكر معهم خيرٌ نفع الناس، أو قرآنٌ تعلّمته ناشئة، أو بابُ معروفٍ فُتح للمحتاجين، فكأنّ أعمارهم لم تكن زمنًا عابرًا، بل كانت غرسًا بقي بعدهم يثمر في كل حين.
ومن الرجال الذين أبقت لهم الأعمالُ الصالحةُ ذكرًا حسنًا، وأقامت لهم في القلوب منزلةً لا تنقطع، الشيخُ عتيق الله بن عطية المحمدي رحمه الله؛ رجلٌ لم يكن ممّن يلتفتون إلى الظهور، ولا يُعنَون بكثرة الذكر، ولكنه كان من أولئك الذين آمنوا أن أعمار الرجال لا تُقاس بطولها، بل بما يودعونه فيها من خيرٍ يبقى بعدهم. فرأى أن أجلَّ ما تُعمر به الحياة كتابُ الله، وأنّ من أنبل السعي أن يُنشَّأ ناشئٌ على القرآن، أو يُجبَر محتاجٌ بيدِ رحمةٍ وإحسان.
وكان رحمه الله حسنَ السمت، هادئَ الطبع، وقورًا، لا يُعرف إلا في خيرٍ يقصده، أو معروفٍ يسعى إليه، قد صرف همّه إلى ما ينفع الناس وتبقى مغبّتُه.
فتولّى رئاسة جمعية تحفيظ القرآن الكريم بمحافظة رابغ، فحسن قيامه بشأنها، وبذل من العناية بحلقات التحفيظ، وتشجيع الناشئة على حفظ كتاب الله وتعظيمه، ما ترك أثرًا طيبًا في أجيالٍ تعاقبت على القرآن حفظًا وتلاوةً وفهمًا. ولقيت الجمعية في مسيرتها عنايةً ودعمًا كريمًا من سعادة الشيخ محمد بركة بن مبيريك، محافظ رابغ سابقًا، ممّا أعان على توطيد رسالتها، وتوسيع أثرها في خدمة كتاب الله وأهله، وهو من جميل ما يُذكر لأهل الفضل في مؤازرة أعمال الخير.
كما كانت للشيخ عتيق الله رحمه الله عنايةٌ بأعمال البر والإحسان، وإسهامٌ محمودٌ مع مجموعةٍ من أهل الفضل والخير من أهل الأبواء في تأسيس جمعية البر الخيرية بالأبواء، رغبةً في نفع المحتاجين، والإعانة على مصالح الناس، وترسيخًا لمعاني التكافل والرحمة بين أهلها.
وتولّى إدارة مدرسة تحفيظ القرآن الكريم الابتدائية بمحافظة رابغ، فكان فيها مربّيًا قبل أن يكون مديرًا، يعرف أن النفوس الصغيرة لا تُؤخذ بالشدّة وحدها، بل بالمحبّة والقدوة، فقرّب طلابه إليه، وغرس فيهم تعظيم القرآن، وأخذهم بالأدب والسكينة وحسن السمت.
وكان إمامًا لمسجد غيث بمحافظة رابغ، كما خطب الجمعة في عددٍ من جوامع المحافظة، فعُرف بخشوع القراءة، وصدق العبارة، وحسن الإلقاء، فإذا اعتلى المنبر خرج كلامه هادئًا، صادقًا، كأنما يخرج من قلبٍ قد صفا مما يشغله إلا النصح. وكانت له في صلاة التراويح قراءةٌ محبّبة إلى النفوس؛ قراءةٌ خاشعة، ونبرةٌ ندية، وإقبالٌ على القرآن يشفّ عن صدق صلته بكتاب الله.
ثم مضى رحمه الله إلى ربّه، بعد عمرٍ ملأه بما أبقى أثره، وأحسن ذكره، من خدمةٍ للقرآن، وسعيٍ في المعروف، وعنايةٍ بما ينفع الناس. غير أنّ أمثال هؤلاء لا تنقطع آثارهم برحيلهم؛ إذ يبقى لهم في الناس نصيبٌ من الذكر الجميل، وفي القلوب موضعٌ من الدعاء، وفي أعمال الخير أثرٌ لا يزول؛ في حافظٍ لكتاب الله تعلّم، أو محتاجٍ أُعين، أو نفسٍ اهتدت إلى خيرٍ كانوا سببًا فيه.
رحم الله أبا خالد، الشيخ عتيق الله بن عطية المحمدي، رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه من خدمة القرآن والإحسان إلى الخلق في موازين حسناته، وأبقى له الذكر الحسن في عباده الصالحين، ونفع بسيرته كما نفع بعمله.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
أذانٌ يملأ الوادي ومعلّمٌ يملأ القلب
لم يكن الأذان في حيّ الفارع بالأبواء مجرّد صوتٍ يعلو من مئذنة، ثم ينقضي أثره بانقضاء صداه، بل كان نداءً يأخذ بمجامع القلوب، ويوقظ في النفوس معنى السكينة والإقبال. فإذا ارتفع صوت أستاذنا الشيخ محمد بن عوض المحمدي رحمه الله خُيِّل إلى السامع أنّ للوادي إصغاءً، وللجبال تجاوبًا، وأنّ النسيم نفسه قد أبطأ خطوه؛ ليحمل ذلك النداء إلى البيوت والقلوب.
كان أذانه بمقام الحجاز أذانًا له مهابةُ القرار وعذوبةُ الارتفاع، يبدأ من عمقٍ مطمئنٍ كأنّه خارجٌ من سكينة الأرض، ثم يأخذ في الصعود شيئًا فشيئًا، كما يتكشّف الصبح عن وجهه الهادئ. فإذا قال: الله أكبر، أحسست أنّ للمكان وقارًا جديدًا، وأنّ القلب قد خفّت عنه أثقال الدنيا قليلًا، وإذا قال: حيّ على الصلاة، جرت في صوته رِقّةٌ آسرة، كأنّه لا ينادي الأقدام إلى المسجد فحسب، بل يدعو الأرواح إلى مقامٍ من الطمأنينة لا يُدرَك إلا بالقرب من الله.
وكان إذا أمَّ الناس في الصلاة، سَمِعتَ في تلاوته اجتماعَ الخشوع وحسن الأداء؛ فلا تكلّف في النبرة، ولا تصنّع في القراءة، ولكن صوتٌ خرج من قلبٍ امتلأ إيمانًا، فوقع في القلوب موقع القبول. إن مرّ بآية رحمةٍ لان صوته حتى كأنّ الرحمة تُتلى مع الآية، وإن مرّ بآية وعيدٍ استقرّ القرار في نبرته استقرارًا يبعث الهيبة في النفوس. وكان لصوته من الطمأنينة ما يجعل المرء يخرج من الصلاة وفي قلبه شيءٌ من السكون الذي لا تُفسّره الكلمات.
وفي مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، كان هو أستاذنا في الصفّ الأوّل الابتدائي؛ وهناك بدأت صورةٌ أخرى من صور أثره الجميل. دخلنا عليه ونحن في أعمارٍ غضّة، تتقدّمنا رهبةُ المدرسة الأولى، وتخالط قلوبنا دهشةُ البدايات. فما لبث أن بدّد بلطفه ما استقرّ في نفوس الصغار من خوف، وجعل المدرسة مكانًا تألفه الأرواح قبل أن تألفه الأقدام.
لم يكن يعلّمنا الحروف تعليمًا جافًّا، ولا يعاملنا معاملةَ من يؤدّي وظيفةً تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي، بل كان يأخذ بأيدينا إلى المعرفة برفقٍ وصبر، ويغرس فينا من حسن الخلق قبل العلم، ومن محبّة المدرسة قبل الدرس. فكم من قلبٍ صغيرٍ فتحه بكلمةٍ طيّبة، وكم من رهبةٍ أزالها بابتسامةٍ صادقة، حتى غدت المدرسة في شعورنا، امتدادًا لطمأنينة البيت.
وأشهدُ وحقٌّ للتلميذ أن يشهد لمعلّمه بالفضل أنّه كان أوّل من أصغى إلى صوتي بعين المعلّم وفراسة المربّي؛ فاستخرج من تلميذه نبرةً رآها أهلًا لأن تُسمَع، وقدّمني إلى الإذاعة المدرسية، وفتح لي من أبواب الكلمة والإلقاء ما لم أكن أتصوّره يومئذٍ. ووضع يدي على الميكروفون للمرة الأولى، لا على سبيل التجربة العابرة، ولكن كأنّه يضعها على عتبة طريقٍ سيمتدّ بفضل الله حتى يبلغ إذاعة جدة وإذاعة صوت العرب بالقاهرة. وما كانت تلك الثقة خاطرًا يمرّ، بل كانت من البدايات المباركات التي تُعين المرءَ على أن يهتدي إلى بعض ما أودع الله فيه من موهبةٍ وميل.
رحل أستاذنا عن دنيا الناس، غير أنّ بعض الناس لا يرحلون كاملين؛ لأنّ آثارهم تبقى شاهدةً عليهم. وما زال صدى أذانه في ذاكرة من عرفوه يجري في مسالك الحنين، وما زالت صورته في الصفّ الأوّل حاضرةً في نفوس تلاميذه؛ ذلك المعلّم الذي جمع الله له بين هداية الصوت في المئذنة، وهداية الكلمة في الفصل.
رحم الله أبا موسى الشيخ محمد بن عوض المحمدي رحمةً واسعة، وجعل ما علّم وغرس، وما أذّن وقرأ، في موازين حسناته، وأبقى له الذكر الجميل في قلوب من عرفوا فضله، فما أجمل أثر المعلّم إذا اقترن بالخلق، وما أبقى صوت المؤذّن إذا خرج من قلبٍ عامرٍ بالإيمان.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
الكريم المنصف
عجيبةٌ هي الذاكرة، تُغربل ركام الأيام فلا تُبقي إلا وجوهًا مُضيئة، وأسماءً لها في القلب مقعدٌ لا يزول. وهذا من سنن النفوس، أن تميل القلوب إلى أهل الوفاء، وتنجذب الأرواح إلى أصحاب الصفاء.
كان الشهم الكريم محسن بن حسن اليوبي، رحمه الله، واحدًا من رجالٍ لا تطوي ذكراهم السنون، ولا تمحو أثرهم الأيام؛ رجالٍ كُتبت سيرتهم في القلوب قبل أن تُسجَّل في الدفاتر، وبات ذكرهم حياةً أخرى تسري مع الأودية والجبال، فلا يغيبون وإن غابت أجسادهم.
في وادي الأبواء، ذلك الوادي العريق الذي تهمس جباله بحكايا السنين، عاش أبو حسين كما يعيش الكبار كريم النفس، وفيًّا في الود، صادقًا في الموقف، لا يبدّل ولا يتبدّل.
من عرفه، عرف فيه صدق المعشر، وحسن الخلق، ونبل الموقف؛ فإذا تحدّث طرق القلوب قبل أن يبلغ الأسماع، فأنصتت الأرواح قبل الآذان. كان قلبه معلّقًا بالخير، ولسانه لا يعرف إلا طيب القول. لا يعرف المراوغة في حديثه، ولا الحقد في صدره، وإذا ما خاصم، خاصم بعقلٍ يزن الأمور بميزان الرجال، لا بأهواء الصغار.
فإذا دعت الحاجة إلى الموقف الصارم، رأيت في عينيه وقار المروءة، لا قسوة الجهّال. وإذا التبس الأمر وكان الحق لخصمه، أنصفه من نفسه؛ فحكمه العدل، وديدنه الإنصاف. كان رحمه الله ممّن لا يُساوم على دينٍ، ولا يُفرّط في مروءة.
وكان كريم اليد، واسع الصدر، يُكرم الضيوف عامة، والعمالة الوافدة خاصة؛ يرقّ لغربتهم عن الأهل والولد، ويعلم ما يلقونه من عناء العمل ووحشة البعد، ولا سيما في شهر رمضان، حين تغيب عن كثيرٍ منهم موائد الأسرة ودفء الاجتماع. فكان يقيم لهم موائد إفطار الصائمين، يبسطها بمحبةٍ وسخاء، ويأنس باجتماعهم عليها، كأنما أراد أن يخفف عنهم مشقة الغربة، ويشعرهم بأن لهم في هذه الأرض قلوبًا ترعاهم، وأيديَ تمتد إليهم بالخير والمودة.
ولم يكن عطاؤه مقصورًا على ذلك، بل كان يهتم بترميم المساجد، ويسعى في إعانة الأسر المحتاجة، يبتغي بذلك وجه الله، ويؤثر الخفاء على الضجيج، فلا يُرى في موطن إحسانه متكلّفًا، ولا في معروفه متباهيًا.
وكان يرى في ذلك عبادةً يتقرّب بها إلى الله، وخُلُقًا يليق بالرجل الأصيل الذي لا يهنأ بطعامه ما لم يشارك فيه غيره.
وفي أيامه الأخيرة، حين أخذ المرض من الجسد مأخذَه، وأثقل الوهن خطوه، لم تضعف نفسه، ولم يهن عزمه. حمل آلامه كما يحمل الصابرون البلاء، وقابل قضاء الله برضا لا يعرف التذمّر. كان وجهه الطيب يختصر ألف كلمة، وابتسامته الخفيفة تخبرك أن الرجل يعلم أن الدنيا رحلة قصيرة، وأن الآخرة موعد اللقاء.
فما خارت عزيمته، ولا كلَّ لسانه عن الدعاء، وما سمعه أحد يشكو سوى إلى الله، وما رآه أحد إلا وهو يرفع كفّه يسأل الله الرحمة، لا لنفسه وحده، بل لكل من أحبهم ورافقوه في دربه الطويل.
مضى أبو حسين كما يمضي الغيث بعد أن يترك في الأرض خضرةً، وفي القلوب أثرًا، وفي الأفواه دعاءً يتردّد ما تعاقب الليل والنهار.
رحم الله أبا حسين، وجعل قبره روضةً من رياض الجنان، وأفاض عليه من سحائب الرحمة والرضوان، وجعل ذكراه نديةً تتردد في أودية الأبواء كما يتردّد صدى السيل بين الجبال، وأقامه في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، حيث لا يضيع وفاء الأوفياء عند ربٍّ كريمٍ وهّاب.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
المربّي المصلح
في الناس صفحاتٌ تُروى، إذ تتكفّل آثارُ أصحابها بالتعريف بهم، وتنطق أعمالُهم بما كانوا عليه. ومن تلك الصفحات ما يستحق أن يُستعاد؛ لما فيه من معاني الصدق، وحسن السمت، ولطف المعاملة. وهذه صفحةٌ لرجلٍ عاش بين الناس قريبًا منهم، نافعًا لهم، تُرى آثارُه في من عرفه، وتبقى ذكراه فيمن خالطه.
هو الأستاذ مصلح بن محمدصالح بن عمير المحمدي رحمه الله، رجلٌ استقامت له الملامح، وحسُن به الذكر، وعُرف بين الناس بما ظهر من سمته، وثبت من أثره. عاش سهلَ الخلق، طيّبَ المعشر، قريبًا من القلوب، لا يتكلّف وُدًّا، ولا يتصنّع خُلُقًا، بل جُبل على اللين، ونشأ على الصفاء.
نشأ على الكفاح، يجمع بين التعلّم والعمل، ويأخذ نفسه بالجدّ والصبر، حتى استقام له طريقه، فدخل ميدان التعليم معلّمًا متقنًا، ثم تولّى الإدارة، فقام بها قيامَ المربّي الناصح، لا مجرّد الموظف المؤدّي. وكانت بدايةُ تعيينه معلّمًا في غران، ثم انتقل إلى البخترية، ثم استقرّ به المقام في مستورة، فباشر فيها عمله، وأقام على رسالته، حتى ختم خدمته بالتقاعد، بعد سنواتٍ ملأها عطاءً وتربيةً وأثرًا. وكان يرى التعليم رسالةً تُؤدّى، لا وظيفةً تُقضى، فكان يُقدّم تهذيب النفوس على إلقاء الدروس، ويجعل من الأدب أساسًا يُبنى عليه العلم، فينشأ الطالب على خُلقٍ قبل معرفة، وعلى سمتٍ قبل مهارة.
وكان رحمه الله سهل اللقاء، بشوش المحيّا، إن تكلّم أقبلت عليه الأسماع ثقةً وطمأنينة، لما يجدونه في حديثه من صدقٍ وهدوء، ومن تجربةٍ تُهذّب العبارة، وتُقوّم المعنى.
إذا جالسته وجدت في كلامه فائدةً لا تُثقل، وحكمةً لا تُتكلّف، كأنها خرجت من قلبٍ جرّب، لا من لسانٍ تكلّف. وكان إذا حدّثك استرسلت معه، لا تُحسّ بطول، ولا تجد في حديثه ملالًا؛ يسوق القصص في مواضعها، ويُقرّب المعاني بأسلوبه، حتى يخرج السامع وقد أصاب فائدةً، واستحسن عبارةً، واطمأنّ قلبًا.
ولم يكن المسجد عنه ببعيد، بل كان من أوائل مواضعه، يؤمّ الناس حينًا، ويُعنى بشعائره عنايةَ المحبّ الموقّر؛ حتى ليبادر إلى الأذان أحيانًا، فيسبق إليه، لا تكلّفًا ولا طلبًا لظهور، ولكنها نفسٌ تألف الطاعة وتأنس بها.
وكان يجعل ما في يده وسيلةً للنفع، لا حظًّا يُستأثر به، فيُعين المحتاج، ويجد في البذل راحةً، وفي العطاء سعة، وكان في حبّه للخير يؤثر غيره على نفسه. وكان قلبه رحبًا، يتّسع للناس جميعًا، يُحب لهم الخير، ويحزن لحزنهم كأنه حزنه، فيواسي هذا، ويقضي حاجة ذاك، ويعفو عمّن أساء، فلا يُعرف عنه شدّةٌ في غير موضعها، ولا غلظةٌ تُنفر، بل لينٌ يُؤلّف، وحِلمٌ يُصلح.
وكان يرى الدنيا على حقيقتها، عابرةً لا مُقامة، فيأخذ منها ما يُقيمه، ويترك ما يُثقله، وربّى أبناءه على هذا المعنى، فذكّرهم بحسن الاستعداد، وغرس فيهم تعظيم الصلاة، وحسن التعلّق بالله. وكان يصل الرحم، ويزور المريض، ويعطف على الضعيف، حتى إذا اشتدّ عليه المرض، لم يفارقه ذكر الصلاة، ولم يغب عنه تعظيمها، وقلبه معلّقٌ بالصلاة ما بقي فيه نَفَس.
فلما قضى الله أمره، حزن عليه من عرفه، وذكره من عرفه، وبكى عليه أهلُ مستورة ودعوا له، وشاركهم في الدعاء من العمالة الوافدة، إذ لم ينسوا إحسانه، فدعوا له وأثنوا على سيرته. وقد صُلّي عليه في المسجد الحرام، فكان في ذلك شرفُ مقامٍ، وحسنُ ختام.
مضى رحمه الله، وبقي أثره؛ غاب شخصه، وبقي ذكره، وانقضى عمره، واستمرّ نفعه. فتلك صورةُ مربٍّ مصلح، يُتعلّم منها أن التربية خُلُقٌ قبل أن تكون علمًا، وعملٌ يُرى قبل أن يُقال.
رحم الله أبا أمين، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأبقى له في القلوب ذكرًا طيبًا، وفي الأعمال أثرًا كريمًا.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
@3232Sab نقدّم جزيل الشكر والتقدير للأستاذ صابر المحمدي على ما يقدّمه من كلمات وكتابات مميزة، تحمل في طياتها الفائدة والجمال، ونسأل الله أن يبارك في جهوده ويزيده توفيقًا وإبداعًا.
@3232Sab رحم الله الشيخ عابد عبيدالله الأنصاري أبو هاشم، فقد كان صاحب أيادٍ بيضاء في أعمال الخير، معروفًا بطيب خلقه وحسن تعامله واحترامه للجميع.
نسأل الله أن يجعل إحسانه في ميزان حسناته، وأن يجزيه عن كل معروفٍ خير الجزاء، وأن يبارك في ذريته ويجمعه بمن يحب في جنات النعيم.
في رحاب البيت العتيق
تمرّ بنا الأيام، فنرى الناس، ونسمع أخبارهم، ونحسب أننا عرفناهم؛ حتى نلقى في الطريق من لا يحدّثك كثيرًا، ولا يشغلك بكثرة الكلام، ثم لا تلبث أن تعرفه إذا نظرت إلى عمله. عندها تدرك أن الرجل ليس بما يقول، بل بما يكون، وأن من الناس من يكفيك أن تراه مرة، لتبقى صورته في نفسك زمنًا طويلًا.
ومن هؤلاء الشيخ عابد بن عبيد الله الأنصاري رحمه الله؛ رجل لا يطلب أن يُذكر، ولكنك تذكره، ولا يتقدّم ليتصدّر، ولكنك إذا جلست إليه وجدت له في النفس موضعًا لا يزول.
عُرف بالصلاح والتقوى، وكان كريمًا بطبعه، واصلًا لرحمه، حتى صارت صلة الأرحام سمةً له يُعرف بها. وحسن الخلق فيه ظاهر، ولين الجانب فيه راحة، يقرب من الناس فيأنسون به، ويجدون عنده صدق المعشر وحسن اللقاء.
وسعيٌ في الخير لا يُكلّف فيه نفسه ما لا يطيق، ولا يترك ما يقدر عليه؛ إن عرضت له حاجةٌ قضاها، وإن قامت خصومةٌ سعى في إصلاحها، لا ينتظر شكرًا، ولا يلتفت إلى ثناء، يعمل ويمضي، فلا يبقى من عمله إلا أثره.
عمل في البريد سنين، فأدّى الأمانة أداء من يعلم أنها دين في عنقه، حتى عُرف بها، ودُلّ عليه بها. ثم إذا تقاعد، لم يضعف عن العمل، بل اتجه إلى التجارة، لا ليجمع المال، ولكن ليجعل منه وسيلةً إلى الخير، يأخذ منه بقدر، وينفق منه بقدرٍ أوسع.
ومضى رحمه الله ولم يترك مالًا يُذكر، ولكنه ترك ما هو أبقى: ذكرًا حسنًا، وأثرًا طيبًا، وأعمالًا خفية لم تُعرف إلا بعد رحيله؛ كفالة أيتام، وبناء مساجد، وأبواب من الخير لم يكن يحدّث بها أحدًا.
ولشهر رمضان عنده شأنٌ آخر؛ يقف له وقفة العارف بقدره، ويأخذ منه نصيب من عرف فضله. يفطر، ثم يمضي إلى المسجد الحرام، فيصلي التراويح ويقوم الليل، ويعتكف العشر الأواخر، لا يقطع ذلك إلا لعذر. فإذا كبر سنه، استأجر بجوار الحرم، ليبقى على ما اعتاده من العبادة، محافظًا على عهده، موصولًا بما أحب.
وكان محبًا للقرآن، لا يمله، ولا يفارقه، يجد فيه أنسه، ويجعله زاده.
ومع أن حظه من التعليم شهادة المرحلة الابتدائية حصل عليها في الستينيات الهجرية، يوم كان المتعلم نادرًا، فقد بلغ من الفهم والبصيرة ما يشهد له بتوفيق صادق ونية مخلصة.
وفي مودته وفاء؛ لا يقطع من عرف، ولا ينسى من أحب، يزور المريض، ويتفقد كبير السن، فيأنسون به، ويجدون في حضوره راحة.
وكان إذا جلس في مجلس، تكلّم فأفاد، وقصّ فأمتع، حديثه قريب، ومعناه واضح، فتستمع إليه ولا تمل.
ذلك رجل عاش لله، فبقي له ما عاش له.
رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له، ورفع درجته، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
مُعلِّمُ الرياضيات
في وادي الأبواءِ، حيثُ ينسابُ الهدوءُ في أرجاءِ المكان، وتستقرُّ الطمأنينةُ في ملامحِ الأرضِ والناس، تمضي الحياةُ على سجيّتها، كأنّها لا تعرف التعقيد الذي نصنعه نحن. وفي مثل هذا الموضع، لا تُحفَظُ أسماءُ الرجال بكثرة ما يُقال، ولكن بما يُقيمونه في النفوس من أثر؛ لأنّ ما استقرّ في الداخل لا يحتاج إلى شاهدٍ من الكلام.
ومن أولئك، أستاذنا محمد بن حامد بن سلوم المحمدي، رحمه الله. لا يُذكر على أنّه رجلٌ مرّ من هنا، بل على أنّه معنى أقام هنا؛ فإنّ بعض الناس يكونون في المكان، وبعضهم يكون المكان فيهم.
وكان يُدرِّس الرياضيات، غير أنّه لم يكن يرى فيها أرقامًا تُجمع وتُطرح فحسب، بل كان يرى فيها نظامًا إذا استقام في العقل، استقام به النظر إلى الأشياء كلّها. كان يعلم أنّ المسألة تُنسى، ولكن الطريقة تبقى، وأنّ الجواب يذهب، ولكن الميزان الذي يُعرف به الجواب لا يذهب.
وقد كنتُ أحدَ تلاميذه؛ تتلمذتُ على يديه في الصفّ الرابع الابتدائي بمدرسةِ ابنِ القيم الابتدائية بالأبواءِ، وكان لذلك العهد أثرٌ باقٍ في نفسي.
لم يكن إذا شرح مسألةً يطلب من الطالب أن يحفظ طريقها، بل أن يفهمها؛ لأنّ الطريق إذا فُهمت، أمكن أن تُسلك مرّةً بعد مرّة، ولو تغيّرت المسائل. وكان إذا أخطأ الطالب لم يقطع عليه خطأه، بل أعاده إلى موضعه، حتى يرى بنفسه كيف وقع، وكأنّه يعلّمه أن يرجع إلى الصواب من داخله، لا أن يُساق إليه من خارجه.
وكان هادئًا في طريقته، لا يرفع صوته ليُسمِع، بل يُحسن كلامه ليُفهِم. فإذا تكلّم، لم يكثر، وإذا شرح، لم يُثقِل، حتى يتهيّأ للسامع أنّ الأمر يسير، وأنّ التعقيد ليس في العلم، بل في اضطراب الطريق إليه.
وكانت حصّتُه على هذا النَّسق؛ لا تُشعِر الطالب بأنّه أمام علمٍ ثقيل، بل أمام أمرٍ يمكن أن يُفهم إذا وُضِع في موضعه. وكأنّه كان يُدرِّب الذهن على الترتيب قبل أن يُدرِّبه على الحلّ، ويُقيم في النفس طمأنينةً تُعين على الفهم.
وأمّا الشعر، فكان عنده وجهًا من وجوه البيان، لا صناعةً يتكلّفها ولا زينةً يتزيّن بها؛ يجيء منه على سجيّته، كأنّ المعنى فيه سابقٌ إلى العبارة، يقودها ولا تنقاد له. ينساب رقيقًا قريبًا، يبلغ القلب في هدوء، ويستقرّ فيه من غير كلفة؛ يكسو الحكمة ثوبًا من البساطة، ويجعلها أليفةً لا تُثقل، واضحةً لا تتمنّع. وإذا نظَم، أحكم السبك من غير تكلّف، فجاء كلامه حديثَ نفسٍ صادقة، لا أثرَ فيه لصنعةٍ تُرى، ولا لزخرفٍ يُطلب.
وكان قريبًا من طلابه، حبيبًا إلى قلوبهم، يعرف أنّ العقول تختلف كما تختلف الأعداد، وأنّ لكلّ واحدٍ طريقه إلى الفهم؛ فكان يُعطي كلَّ ذهنٍ ما يلائمه، ويصبر على كلِّ طالبٍ حتى يبلغ حدَّه، لا يُثقِل عليه بما لا يطيق، ولا يتركه لما لا يُدرك، بل يُقيم له من الصبر ما يُقيم له من البيان.
وهكذا كان أثرُه؛ لا يظهر في كثرة ما قال، بل في كيف غيّر. فمن تعلّم عنده لم يتعلّم جوابًا لمسألةٍ بعينها، بل تعلّم كيف يمضي إلى الجواب، وكيف يرجع إذا أخطأ، وكيف يُقيم لنفسه ميزانًا لا يختلّ.
ويبقى أثرُه حيث وضعه؛ لأنّ من يُقيم في العقول نظامًا، يُقيم فيها ما يعمل بنفسه. وذلك أثرٌ لا يفتقر إلى كثرة الذكر، إذ يقوم بذاته ويستغني ببقائه.
رحم الله أستاذنا أبا عمر، وجعل ما أفاضه من علمٍ وأدبٍ وخُلُقٍ ذخيرةً له في ميزان حسناته، وأدام ذِكرَه في الأبواءِ طيّبًا ناميًا، وأبقى أثرَه نورًا ساريًا لا يخبو، وبلّغه منازلَ العليين، وجزاه عن تلاميذه ومحبِّيه أتمَّ الجزاء وأوفاه.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
@3232Sab رحم الله أستاذنا محمد بن حامد بن سلوم المحمدي وغفر له وجعل ما قدمه من علمٍ وتعليمٍ في ميزان حسناته. كان مثالًا للمعلم المخلص ،
ونشكر الأستاذ صابر المحمدي على كل مايقدمه ويكتب له الأجر
وجهُ البساطةِ ويَدُ الكرم
الأبواءُ ليست أرضًا تُذكَر، بل ذِكرٌ إذا حضر أحيا، وإذا غاب استعادته القلوبُ شوقًا؛ فإذا مرّ بها الخاطرُ انسكب فيه صفاءٌ لا يُشبِه سواه، وإذا ذُكرت، نهض معها رجالٌ لا تُعرَف أقدارُهم بكثرة القول، ولكن بصدق الأثر، وحُسن الفعل، وخفوت الخطو الذي يترك في النفس ضجيجَ التقدير. ومن هؤلاء العمُّ عبدالعالي بن غالي اليوبي — رحمه الله — رجلٌ عاش بسيطًا، فكَبُر أثرُه، وخفَت ذكرُه، فارتفع قدرُه.
كان مجلسُه — وإن ضاق مكانُه — يتّسع للناس اتّساعَ القلوب الرحيمة؛ يجلس أمام بقالته ومخبزه، صورةٌ صغيرة في ظاهرها، كبيرةٌ في معناها؛ لا تُشبِه المتاجر التي تُقاس بما تُدرّ، بل تُشبه المجالس التي تُوزَن بما تُعطي. تفوح منها رائحة الخبز، غير أنّها لا تقف عند الأنف، بل تبلغ القلب؛ إذ تمتزج برائحة الأُنس، فيخرج الداخل وقد أخذ فوق حاجته، وإن لم يشعر، وكأنّ للمكان سرًّا يهب ولا يُعلِن، ويجود ولا يُذكِّر.
كانت بساطتُه خُلُقًا اختاره، لا يعتريه تكلّف، ولا تُفسده رغبةُ الظهور؛ وكان عطاؤه سجيةً تمضي على سجيّتها، لا تُحصي ولا تُحصى، يمدّ يدَه قبل أن يُسأل، ويُعطي قبل أن يُذكَر، كأنّ العطاء عنده أقربُ إلى الفطرة من التفكير، وأسرعُ إلى القلب من الحساب. وكان رزقُه مبذولًا، تجري به الرحمة بين الناس جريانًا لا يعرف الوقوف، فإذا مسّ يدًا طمأنها، وإذا بلغ قلبًا آنسه.
تراهُ إذا ما جئتَهُ مُتَهَلِّلًا
كأنَّكَ تُعطيهِ الذي أنتَ سائِلُهْ
وكان من أهل الأبواء الذين سكنوا القلوبَ قبل الدور، وألِفتهم الأرواحُ قبل المجالس؛ فلا تُوصَف صلتُه بهم، لأنّه منهم وفيهم، يعرفه المكان كما يعرفهم، ويأنس به الناس كما يأنسون بأنفسهم. قريبًا من أهل المدرسة ومعلميها، ومن الأهالي جميعًا، لا يُعرَف بينهم إلا بالألفة، ولا يُذكَر إلا بالمودّة.
فإذا رأى طالبًا خرج من المدرسة، سأله برفقٍ فيه من الأبوة ما يُطمئن: “إلى أين يا ولدي؟” فيجيبه: “طلب مني المدير أن أحضر وليّ أمري”، وفي صوته خوفٌ يعرفه من خبر الصغار؛ خوفٌ من شدّةٍ تنتظره إن عاد إلى وليّ أمره. فيبتسم العمُّ ابتسامةً تُبدّد ما في القلب، ويقول: “أبشر، أنا وليُّ أمرك”، ثم يمضي به، لا ليجادل، بل ليُصلح، حتى إذا دخل، سلّم، وقال بلطفٍ يفهمه السامع دون أن يُصرّح به: “ها قد جاء وليُّ أمره”، فينتهي الأمر على ما تُحِبّ القلوب، وكأنّ بينهم عهدًا صامتًا، أن تُحفَظ هيبةُ التربية، وتُصان قلوبُ الصغار.
ومن خفيّ جميله، ما كان يفعله مع بعض الطلاب ممّن ضاقت بهم ذاتُ اليد، فإذا أُغلِقَ بابُ المدرسةِ الخارجيُّ الكبيرُ وقتَ الفسحة، وجدوه عنده، يمدّ إليهم ما يسدّ حاجتهم من طعامٍ من تحته، فيأخذون نصيبهم، ويعودون وقد أخذوا معه شيئًا لا يُرى: طمأنينةً تُسكِّن الجوع قبل أن تُسكِّن البطن. لا إعلان، ولا انتظار شكر، بل عملٌ يمضي كما تمضي الأشياء الصادقة: هادئًا، ثابتًا، بعيدًا عن الضجيج.
وكان من حوله يرون ذلك فيصمتون؛ لأنّ بعض الأفعال يفسدها البيان، وبعض الخيرات يبهتُها الظهور، فإذا خفيت، بقيت، وإذا سُتِرت، نَمَت.
كم من قاصدٍ قصده بلا زادٍ كافٍ، فعاد وقد امتلأ قلبُه قبل يدِه، وكم من كلمةٍ قالها فكانت أبلغَ من نصيحة، وكم من ابتسامةٍ بذلها فكانت أصدقَ من مواساة. وكان يقول للصغير: “خذ يا ولدي، رزقُك عند ربك قبل أن يكون عندي”، فيُعلِّم وهو لا يقصد التعليم، ويُهذّب وهو لا يتكلّف التهذيب.
وما كان صاحبَ بقالةٍ ومخبزٍ فحسب، بل صاحب أثرٍ يُعرَف بالفعل لا بالقول؛ لأنّ الأثر لا يُصنَع بالكلمات، بل بما تتركه الأيدي في القلوب. وكان مثالًا ظاهرًا، أنّ الإنسان يُعرَف بما يُعطي، لا بما يملك، وأنّ البساطة إذا صدقت، صارت رفعة، وإذا صفَت، صارت قدرًا.
رحم الله العمَّ عبدالعالي بن غالي اليوبي رحمةً واسعة، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، ورفع درجته، وأبقى له في القلوب ذكرًا لا يخبو، وأثرًا لا يزول، وجمعنا به في مستقرّ رحمته، حيث لا ينقطع ودّ، ولا يغيب أثر.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي