﴿وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾
الرجاء على ثلاث درجات:
رجاء رحمة الله مع فعل الطاعة وترك المعصية، وهذا هو الرجاء المحمود.
رجاء مع التفريط والعصيان، وهذا غرور.
أن يقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن من مكر الله، وهذا محرم.
(قَالَ لِكُلِّ ضِعْفُ وَلَكِن لا تَعْلَمُونَ *)
أي: لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر؛ إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه، لكان نوع سلوة له
من أشبه آدم بالاعتراف، وسؤال المغفرة، والندم، والإقلاع إذا صدرت منه الذنوب اجتباه الله وهداه. ومن أشبه إبليس إذا صدر منه الذنب، ولا يزال يزداد من المعاصي فإنه لا يزداد من الله إلا بعدًا
﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾.
قال بعض الشيوخ اثنان أذنبا ذنبا: آدم وإبليس فآدم تاب فتاب الله عليه، واجتباه وهداه، وإبليس أصر واحتج بالقدر، فمن تاب من ذنبه أشبه أباه آدم، ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس
قال عبد الله بن عباس وعكرمة في قوله تعالى: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾: ولم يقل: من فوقهم (يقصد إبليس ) ؛ لأنه علم أن الله من فوقهم.
﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾.
أليس الله عز وجل يعلم مقادير أعمال العباد؟! فما الحكمة في وزنها ؟!
فيه حكم منها: إظهار العدل، وأن الله عز وجل لا يظلم عباده ...
ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير وشر، وحسنة وسيئة .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
﴿كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة﴾.
(يا عبادي لَوَ أَن َّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدِ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُوني فَأَعْطِيتُ كل واحد مسألته، ما نقص ذلك بما عندي إلا كما ينَقْصُ المِخيَط إِذا أَدْخِلَ البَحْرَ)
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
لأن الإنسان لو مكت ألوفًا من السنين في الدنيا وفي القبر عد ذلك قليلاً في مدة القيامة والخلود؛ قال قتادة:( يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة).
قال أبو الجوزاء أوس بن عبد الله ليس شيء أطرد للشيطان من القلب من قول: «لا إله إلا الله»، ثم تلا: (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورًا).
﴿إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم﴾.
أي أن الله (عزيز) لا يكرهه أحد على العدول عن مراده؛ فهو يرحم من يرحمه بمحض مشيئته، وهو (رحيم): أي واسع الرحمة لمن يشاء من عباده على وفق ما جرى به علمه و حکمته ووعده. وفي الحديث: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
(إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا)
خبير بصير بمن يستحق الغنى أو الفقر، ؛ فإن من العباد من لا يصلحه إلا الفقر، ولوغني لفسد عليه دينه، وإن منهم لا يصلحه إلا الغنى ولو افتقر لفسد عليه دينه، وذلك منه ما كان من الغنى استدراجًا، والفقر عقوبةً.
بحسب علو مرتبة العبد، وتواتر النعم عليه من الله يعظم إثمه، ويتضاعف أجره إذا فعل ما يلام عليه؛ لأن الله ذكر رسوله لو فعل - وحاشاه من ذلك بقوله:
﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا﴾.
﴿نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾.
فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائمًا بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه أحدث ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه أحدث له الخوف، والرهبة، والإقلاع عنها.
يعطي الله تعالى الدنيا من يحب ومن لا يحب، وعطاؤه دائر بين التكريم والابتلاء والاستدراج :
(كلا نمِدُ هَؤُلَاءِ وَهَولاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا )