فائدة قانونية ⚖️
الاعتراض النظامي لا يستخدم لكل حكم، بل عندما يكون هناك:إخلال في تطبيق النظام، أو خطأ في تكييف الوقائع، أو قصور في التسبيب. فهمك لوقت الاعتراض أهم من الاعتراض نفسه.
مهنة المحاماة ليست ملاذاً لمن لم يجد وظيفة أو عمل، بل مهنة لا ينجح فيها إلا من يملك علماً وصبراً وقدرة على التحليل والإقناع، فالمحامي لا يُكلَّف بإنجاز مهمة عابرة، بل يتعامل مع حقوق الناس وأموالهم وحرياتهم، ويُبنى على عمله أحكام وقرارات قد تغيّر حياة أشخاص بالكامل، لذلك فالدخول إلى المحاماة سهل، لكن الاستمرار والنجاح فيها أمر يتطلب علماً متجدداً وخبرة متراكمة وصبر على التعلم وقدره على تحمل مسؤولية حقوق الناس والدفاع عنها.
هذه الفكرة جميلة؛ لأنها لا تتحدث عن مجرد سرد الوقائع، بل عن مرحلة الربط بين الوقائع والنظام، وهي من أكثر ما يرفع جودة المذكرة:
من الأمور التي تعجبني في بعض المذكرات القانونية المتينة، أنك تقرأ الوقائع من أول المذكرة إلى آخرها، ثم تصل إلى المرحلة التي يبدأ فيها المحامي بربط كل واقعة بسندها النظامي.
فلا تكون المذكرة مجرد سرد للوقائع.
ولا تكون مجرد حشد للنصوص النظامية.
وإنما يكون هناك بناء متكامل يبدأ بالواقعة وينتهي بالحكم النظامي الذي ينطبق عليها.
فتجد المحامي يبين طبيعة العلاقة محل النزاع:
هل هي شراكة؟
ثم يحرر الوقائع، ويبين الطلبات، ويوضح سبب الاستحقاق.
ثم ينتقل إلى مرحلة مهمة يغفل عنها بعض الممارسين، وهي مرحلة التأصيل النظامي.
فيقول للدائرة بصورة عملية:
هذه الواقعة التي ذكرتها ينطبق عليها النص النظامي الفلاني.
وهذا الشرط الذي تم الإخلال به تعالجه المادة الفلانية.
وهذا الطلب الذي نطالب به له سنده في النص الفلاني.
فتصبح المذكرة مترابطة الأجزاء، يعرف القارئ فيها من أين بدأت الفكرة، وكيف وصلت إلى النتيجة.
وهذا النوع من الكتابة لا يخدم المحكمة فقط، بل يخدم صاحب المذكرة نفسه.
لأنك عندما تبني الوقائع ثم تربطها بالنظام، يصبح مسار القضية أوضح، وتصبح المناقشة أثناء الجلسات أسهل، وتظهر نقاط القوة والضعف بصورة أدق.
بل حتى لو انتقلت القضية إلى محامٍ آخر، أو تعذر على من بدأها أن يكملها، فإن من يطالع الملف يجد أمامه تصوراً واضحاً للوقائع، وسندها النظامي، والنتيجة المطلوبة.
ولهذا فإن من أجمل ما يكون في المذكرة ألا تكتفي بذكر الوقائع، ولا تكتفي بذكر النصوص.
بل اجعل النص النظامي يخدم الواقعة، واجعل الواقعة تقود إلى النص النظامي، حتى تخرج المذكرة في صورة متماسكة يسهل فهمها ومناقشتها.
دمت موفقاً منصوراً.
نضج قانوني ⚖️
كلما تعقدت الوقائع وتعددت الدفوع، تعين على المحامي إعادة تكييف الطلبات قبل إقفال المرافعة، فقد ينتهي الحكم بجزء من الحق، وهو غنيمة لا تهدر
كلما ازدادت خبرة المحامي في مجاله، قلّت صفحات مذكراته.
فالمحامي في بداياته قد يظن أن قوة المذكرة بكثرة صفحاتها، وقد ينجرف وراء رغبة العميل في تضمين كل صغيرة وكبيرة والتوسع في كل جزئية، بينما يدرك المحامي الخبير صاحب القدم الراسخة أن المحكمة لا تبحث عن كثرة الكلام، وإنما عن موضع النزاع وحجته النظامية.
فليس من مهارة المحامي أن يكتب كل ما يعرف، بل أن يكتب ما يحتاجه القاضي للفصل في الدعوى، وأن يختصر عشرات الصفحات في فقرات مركزة تصيب جوهر القضية دون حشو أو تكرار.
لذلك غالباً ما تكون أقصر المذكرات هي الأكثر نضجاً، وأقلها كلمات هي أكثرها أثراً ونفعاً.
اليوم، المحامي الذي لا يضيف إضافة فعلية للقضية، لا يكون قد قدّم عملاً حقيقياً.
مجرد أن تقول: (ما ذكره الخصم صحيح) أو (غير صحيح)، فهذا لا يكفي.
العمل القانوني الحقيقي يبدأ عندما تدخل في عمق القضية، وتقرأ المستندات، وتفهم الوقائع، وتعرف أين موضع القوة وأين موضع الضعف.
الإضافة الفعالة ليست في كثرة الكلام، ولا في طول المذكرة.
الإضافة الفعالة أن تستخرج من الملف ما يخدم موكلك، وأن تربط الوقائع بالأدلة، وأن تبحث عن المستند النظامي المناسب، وأن تعيد بناء الدليل بطريقة واضحة ومؤثرة.
وأحياناً تكون الإضافة في الحذف لا في الزيادة.
أن تقول لصاحب القضية: هذه الواقعة لا تخدمك.
وهذه الصياغة تضعف موقفك.
وهذا الدليل يحتاج إلى إعادة ترتيب.
وهذا المستند لا بد أن يُقدّم بهذه الطريقة لا بتلك.
ولهذا أقول للمحامين دائماً:
مجرد تقديم مذكرة أو جواب على سؤال لا يكفي.
المحامي العميق هو الذي يقرأ المذكرات السابقة، ويفتح الوثائق المرتبطة، ويعيد تصور النزاع، ثم يخرج بنقطة ربما لم ينتبه لها صاحب القضية نفسه.
دمت موفقاً منصوراً.