تنويه (حقوق النشر محفوظه) حساب يوثّق سيرة وإرث المؤرخ والإعلامي عبدالكريم محمود بن حامد الخطيب ـ رحمه الله ـ ، وما تركه من مادة تاريخية وإعلامية عن ينبع وأهلها.
توثيقًا لسيرة المؤرخ والأديب عبدالكريم محمود الخطيب (1933–2023م)، ابن ينبع، ومؤلف كتاب «تاريخ ينبع»، وصاحب سبعين مؤلفًا تنوّعت بين التاريخ والأدب والرواية والسيرة النبوية.عام 1420هـ، كرّمته وزارة الثقافة والإعلام، ممثلةً في معرض الرياض الدولي للكتاب، ضمن رواد التاريخ في المملكة العربية السعودية.وبتاريخ 23/1/1427هـ، منحته وزارة التعليم العالي «ميدالية التكريم الخاصة برواد المؤلفين السعوديين»؛ اعترافًا بدوره في نهضة الفكر والتأليف في المملكة العربية السعودية.أما في عام 2012م، فقد نال «براءة جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز التقديرية للمتميزين في دراسات وبحوث تاريخ الجزيرة العربية»، التي تمنحها دارة الملك عبدالعزيز.كما كرّمه النادي الأدبي بالمدينة المنورة والنادي الأدبي في الباحة، وكان عضوًا في اتحاد المؤرخين العرب وعضوًا في الجمعية التاريخية السعودية.ونال تكريم الرئاسة العامة لرعاية الشباب، في عهد الأمير فيصل بن فهد ـ رحمه الله ـ في مجال الثقافة والتراث والفنون؛ تقديرًا لإسهاماته المتميزة.أفنى حياته في خدمة الثقافة وتوثيق تاريخ ينبع ورجالاتها، فترك سيرة وطنية خالدة وإرثًا تاريخيًا وأدبيًا جديرًا بالحفظ والوفاء. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
تركي قرنبيش.. تاريخ ينبع لا يجوز أن يُروى بلا توثيق
«ذاكرة ينبع السياحية».. مشروع لحماية تاريخ المدينة من الروايات غير الموثقة
الأستاذ تركي قرنبيش (ابن السور)، رئيس جمعية ينبع للسياحة، من أبناء ينبع المتميزين الذين نعتز بهم، ومن الشخصيات المعروفة بمحبتها للمدينة وحرصها على خدمتها وإبرازها.
وهو ابن السور؛ ابن ينبع القديمة وذاكرتها وأحيائها، ولذلك فإن مسؤولية التاريخ بالنسبة إليه ليست مسؤولية منصب فحسب، بل مسؤولية ابن من أبناء المكان يعرف قيمة إرثه وما تمثله ذاكرته لأهله وللأجيال القادمة.
والحديث معه هنا ليس عتابًا بقدر ما هو حديث ثقة ومسؤولية؛ لأننا ننتظر من أبناء ينبع المتميزين أكثر مما ننتظره من غيرهم، ونرى أن الأستاذ تركي قادر على أن يجعل من جمعية ينبع للسياحة منصة للتعريف بجمال ينبع وتاريخها وهويتها وذاكرتها.
فالسياحة ليست شواطئ وفنادق وفعاليات فقط؛ التاريخ أحد أهم مكونات السياحة، وما يسمعه الزائر عن تاريخ ينبع يصبح جزءًا من الصورة التي يحملها عنها وينقلها إلى غيره.
وسبب كتابة هذه الكلمات أن أحد ضيوف ينبع وقف أمام مسجد السنوسية، وتحدث عن أن «ليبيًا» هو من بنى المسجد، كما تحدث عن المسجد القائم اليوم وكأنه المسجد التاريخي الأول.
وهنا تظهر أهمية التوثيق.
فالسنوسية من ينبع جذورًا، وليست ليبية الجذور. ونسب الأسرة السنوسية يمتد إلى الأدارسة من ذرية إدريس الأول، أما ارتباط اسم السنوسية بليبيا فجاء لاحقًا من الدور التاريخي الكبير الذي قامت به الدعوة السنوسية هناك، ثم قيام المملكة الليبية بقيادة الملك إدريس السنوسي.
ومن هنا فإن تقديم السنوسية لزائر ينبع باعتبارها مجرد حضور «ليبي» في المدينة يغفل جانبًا مهمًا من جذورها وصلتها بالحجاز وينبع.
أما مسجد السنوسية في ينبع فله قصة ينبغي ألا تختلط بتاريخ المبنى القائم اليوم. فالمسجد الحالي ليس هو المسجد التاريخي الأول؛ ولدينا وثائق تتحدث صراحة عن مسجد السنوسية القديم الذي هُدم لمصلحة الشارع، وعن تخصيص أرض لإقامة مسجد بدلًا منه، كما توثق ارتباط المسجد بالشيخ محمود الخطيب، ناظر أوقاف السنوسية، وإشرافه على بناء المسجد في مرحلته اللاحقة.
وهكذا نحن أمام ثلاث حلقات ينبغي عدم الخلط بينها: جذور السنوسية في ينبع، وتاريخ الحركة السنوسية وانتقال مركزها لاحقًا إلى ليبيا، وتاريخ مسجد السنوسية القديم والمسجد القائم اليوم.
من الكلام إلى العمل: «ذاكرة ينبع السياحية»
وهنا أوجه الدعوة إلى الأستاذ تركي قرنبيش ومجلس إدارة جمعية ينبع للسياحة لتبني مشروع عملي باسم «ذاكرة ينبع السياحية»، لا يكون مجرد شعار أو فعالية مؤقتة، وإنما برنامجًا مستمرًا لحفظ تاريخ المحافظة وتقديمه للزائر بصورة موثقة.
ويمكن أن يبدأ بخطوات عملية ومباشرة:
أولًا: تشكيل لجنة للتاريخ والتراث السياحي تضم باحثين ومهتمين بتاريخ ينبع وأصحاب الوثائق، تتولى مراجعة المعلومات التاريخية المتعلقة بالمواقع التي تُقدم للزوار.
ثانيًا: إنشاء سجل تاريخي للمواقع، بحيث يكون لكل موقع ملف يجمع تاريخه وصوره ووثائقه ومراجعه، مع التمييز بين المعلومة الموثقة والرواية الشفوية وما لا يزال محل بحث.
ثالثًا: إعداد مادة تاريخية مختصرة ومعتمدة لكل موقع، تكون مرجعًا للمرشدين ومنظمي الزيارات؛ حتى لا تختلف قصة المكان باختلاف من يرويها.
رابعًا: الاستفادة من الرموز الرقمية الموجودة بالفعل على مباني ينبع التاريخية، والعمل مع الجهات المعنية على إثراء المحتوى المرتبط بها ومراجعته وتحديثه؛ بحيث يستطيع الزائر الوصول إلى الصور القديمة والوثائق والمراجع والتسلسل التاريخي الصحيح للموقع.
خامسًا: إطلاق مبادرة «وثيقتك تحفظ تاريخ ينبع»، ودعوة أهالي ينبع وأسرها إلى إتاحة ما لديهم من وثائق وصور ومراسلات ومخطوطات قديمة للرقمنة والتوثيق، مع حفظ حقوق أصحابها.
سادساُ: إعداد دليل تاريخي للمرشد السياحي في ينبع، مختصر ودقيق، يكون مرجعًا لمن يتحدث أمام الزوار عن المواقع والشخصيات والأحداث.
ولنبدأ بمشروع محدد بدل انتظار مشروع ضخم.
مسجد السنوسية يمكن أن يكون النموذج الأول لـ«ذاكرة ينبع السياحية».
تجمع الجمعية ما يتعلق به من وثائق وصور ومراجع، وتوثق قصة المسجد القديم وهدمه، والمسجد البديل، ودور الشيخ محمود الخطيب، وتاريخ السنوسية وجذورها وصلتها بينبع، ثم تقدم القصة للزائر في تسلسل واضح وموثق.
وبعد مسجد السنوسية يأتي موقع آخر، ثم ثالث، حتى تتكون تدريجيًا ذاكرة ينبع السياحية؛ من ينبع البحر إلى ينبع النخل، ومن ميناء الجار وطرق الحج إلى الأسواق والأحياء القديمة، وتاريخ البحر والملاحة، وأعلام ينبع وشخصياتها.
إن وجود الرموز الرقمية على مباني ينبع التاريخية خطوة جيدة ومهمة تُحسب للجهات التي قامت بها، والمطلوب البناء عليها؛ فالتقنية موجودة، والمواقع موجودة، والوثائق موجودة، ويبقى أن تكون المعلومة التي تصل إلى الزائر دقيقة وثرية وموثقة.
وهنا نعوّل على الأستاذ تركي قرنبيش (ابن السور)؛ فهو ليس بعيدًا عن ذاكرة ينبع، بل أحد أبنائها، ويملك بحكم موقعه وحضوره بين أهلها فرصة لجمع الباحثين والمهتمين وأصحاب الوثائق حول هدف واحد: أن نحفظ تاريخ ينبع قبل أن تضيع بعض تفاصيله، وأن نصحح ما يتداوله الناس عنه قبل أن يتحول الخطأ إلى رواية.
ينبع لا تحتاج إلى صناعة تاريخ؛ تاريخها موجود.
وما تحتاجه هو أن نجمعه، ونحققه، ونحفظه، ونقدمه تحت مظلة «ذاكرة ينبع السياحية».
والأستاذ تركي قرنبيش أهلٌ لأن يكون في مقدمة من يحملون هذه المسؤولية؛ و «ابن السور» أولى الناس بأن يحفظ حكاية السور، وحكايات المدينة التي نشأت حوله وداخله.**
فهذه هي السياحة التي تليق بينبع:
أن يأتي الزائر فيرى جمال المكان، ويغادر وهو يعرف تاريخه الحقيقي.
عرب ينبع في صعيد مصر سنة 1799م.. وثيقة أوروبية معاصرة
تكشف الجريدة الرسمية الإسبانية «غاثيتا دي مدريد»، في عددها الصادر بتاريخ 13 أغسطس 1799م، خبرًا تاريخيًا لافتًا عن مشاركة عرب ينبع في أحداث الحملة الفرنسية على مصر.
تذكر الجريدة أن عددًا كبيرًا من عرب ينبع عبروا البحر الأحمر ونزلوا في ميناء القصير، وكانوا يحملون معهم السلاح والخيول، ثم تحركوا للانضمام إلى قوات مراد بك، وشاركوا في عدة مواجهات ضد القوات الفرنسية في صعيد مصر، ولا سيما في قنا.
وتكتسب الوثيقة أهميتها من أنها مصدر أوروبي معاصر للأحداث، نُشر في العام نفسه، وتقدم شاهدًا واضحًا على الصلات البحرية والبشرية بين ينبع وساحل مصر الشرقي وصعيدها في نهاية القرن الثامن عشر.
كما تتفق هذه الشهادة مع المصادر الفرنسية التي وثقت وجود عرب ينبع ضمن القوات التي واجهت الفرنسيين في الصعيد سنة 1799م.
المصدر:
Gaceta de Madrid، العدد 65، 13 أغسطس 1799م، الخبر الوارد تحت عنوان «مصر».
القاد.. حيُّ البحارة التاريخي في ينبع قبل أكثر من مئتي عام.
تكشف كتب الرحالة الأوروبيين عن اسمٍ تاريخي مهم من أسماء أحياء ينبع القديمة، هو «القاد»، الذي كان يمثل القسم الغربي البحري من المدينة، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبحارة وأهل الملاحة.
وأبرز من وصف القاد وصفًا واضحًا الرحالة جون لويس بوركهارت، الذي زار ينبع في أوائل القرن التاسع عشر، ثم نُشرت مشاهداته في كتابه عن رحلاته في الجزيرة العربية. فقد ذكر أن ينبع كانت تقوم على الجانب الشمالي من خليج عميق يوفر مرسى جيدًا للسفن، وأن خورًا متصلًا بالخليج كان يقسم المدينة إلى قسمين. Full Text Archive
كان القسم الأكبر يحمل اسم ينبع، أما القسم الواقع إلى الغرب فكان يسمى القاد. والأهم أن بوركهارت وصف سكان القاد بأنهم في الأساس من أهل البحر والملاحة؛ وهو وصف يكشف الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية لهذا الجزء من ينبع القديمة. Ghazali
ولم تكن القاد، بحسب وصفه، قرية منفصلة عن ينبع؛ بل كان القسمان يشكلان نسيجًا عمرانيًا واحدًا. فقد كان البحر أمامهما، بينما أحاط بهما من الجهات البرية سور مشترك قوي تدعمه أبراج عديدة. ويذكر بوركهارت أن هذا السور أقامه أهل ينبع بجهودهم للدفاع عن المدينة بعد أن أصبح السور الأقدم متهدمًا ولا يحيط إلا بجزء منها. Ghazali
وتكتسب هذه الشهادة أهمية إضافية عند مقارنتها بالخرائط البحرية الأوروبية المبكرة. فقد نشر الجغرافي والهيدروغرافي البريطاني ألكسندر دالريمبل سنة 1779م مخططًا لميناء ينبع بمقياس يقارب 1:11,000، وتحتفظ المكتبة البريطانية بنسخة منه ضمن مجموعة خرائط مكتب الهند بالرقم IOR/X/14692/102. كما توجد نسخة رقمية محفوظة في مكتبة هرتسوغ أوغست الألمانية. البحث في الأرشيفات
وتشير دراسة أكاديمية لفهارس خرائط دالريمبل إلى أن مخطط ينبع ارتبط بمعلومات الرحالة إيلز إروين، وأنه أظهر ينبع وموقع رسو سفينته، ثم أعيد إصدار المخطط لاحقًا ودخل ضمن خرائط الأميرالية البريطانية. St Andrews Research Repository
وهكذا تحفظ لنا المصادر الأوروبية صورة واضحة لمدينة ينبع قبل أكثر من قرنين: مدينة بحرية مسوّرة، وفي جانبها الغربي القاد؛ حي أهل البحر والبحارة، يفصل بينه وبين القسم الأكبر من ينبع خور من مياه الخليج، بينما يجمع القسمين سور المدينة.
ولذلك فإن القاد ليس اسمًا مستحدثًا في تاريخ ينبع، بل اسم موثق في المصادر الأوروبية منذ أوائل القرن التاسع عشر على الأقل، وشاهد على المكانة التي احتلها البحر والملاحة في تكوين المجتمع الينبعاوي القديم.
المراجع:
John Lewis Burckhardt, Travels in Arabia, London, 1829، ص 419–420. Ghazali
Alexander Dalrymple, Plan of Yambo Harbour on the Coast of Arabia in the Red-Sea, 20 April 1779، British Library, IOR/X/14692/102. البحث في الأرشيفات
Herzog August Bibliothek, Map Collection, K S3.294، مخطط ميناء ينبع، 1779. Kartenspeicher
Andrew S. Cook, دراسة خرائط ألكسندر دالريمبل، University of St Andrews، وفيها فهرسة مخطط ميناء ينبع الصادر سنة 1779م. St Andrews Research Repository
ينبع خلف أسوارها القديمة.. خرائط إنجليزية تكشف المدينة وبواباتها قبل أكثر من قرنين.
تكشف الخرائط والرحلات الإنجليزية القديمة صورة نادرة لمدينة ينبع قبل التحولات العمرانية الحديثة، وتوثق ميناءها وسورها وأسماء بواباتها في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر.
من أقدم الشواهد رسم نشره الرحالة الإنجليزي إيلز إروين Eyles Irwin بعد رحلته في البحر الأحمر سنة 1777م، بعنوان A View of Yambo. ويذكر إروين أنه نسخ منظر ينبع وأعماق مينائها من مسح فعلي كان لدى السيد Walters، كبير ضباط السفينة Adventure. وتظهر في الرسم مدينة ينبع على الساحل والجبال الممتدة خلفها.
وبعد ذلك بعامين، في 20 أبريل 1779م، نشر الهيدروغرافي البريطاني ألكسندر دالريمبل Alexander Dalrymple خريطة دقيقة بعنوان:
Plan of Yambo Harbour on the Coast of Arabia in the Red-Sea
وهي من أقدم الخرائط التفصيلية المعروفة لميناء ينبع، بمقياس يقارب 1:11,000، ولا تزال نسخة أصلية منها محفوظة في مجموعة خرائط المكتبة البريطانية تحت الرقم:
IOR/X/14692/102.
لكن الوصف الأكثر تفصيلًا للمدينة نجده عند الرحالة جون لويس بوركهارت John Lewis Burckhardt في كتابه Travels in Arabia.
يصف بوركهارت ينبع بأنها قائمة على الجانب الشمالي من خليج عميق يوفر مرسى جيدًا للسفن، ويذكر أن المدينة كانت تتكون من قسمين: ينبع، والقسم الغربي المسمى القاد El Kad الذي كان يسكنه بصورة رئيسية أهل البحر.
وكان القسمان محاطين من البر بسور واحد قوي تدعمه أبراج عديدة. ويذكر بوركهارت أن أهل ينبع أنفسهم شاركوا في بناء هذا السور للدفاع عن مدينتهم.
ثم يسجل معلومة مهمة جدًا عن أبواب ينبع القديمة، فيقول:
“Yembo has two gates towards the east and north; Bab el Medina, and Bab el Masry.”
أي أن لينبع بوابتين باتجاه الشرق والشمال، ويذكرهما بالاسم:
باب المدينة — Bab el Medina
باب المصري — Bab el Masry
وهذه شهادة مكتوبة تعود إلى أوائل القرن التاسع عشر تثبت الاسمين التاريخيين لبابي ينبع.
ومن المهم الاحتياط في قراءة النص: بوركهارت يذكر جهتي الشرق والشمال ثم اسمي البابين، لكنه لا يفصل في العبارة نفسها أي الاسمين يخص كل اتجاه؛ لذلك لا يصح الجزم بموقع كل باب اعتمادًا على ترتيب الكلمات وحده دون قرينة إضافية.
وبذلك تعطينا الخرائط البريطانية ووصف بوركهارت صورة لمدينة ينبع القديمة: ميناء على البحر الأحمر، ومدينة مسورة ذات أبراج، وقسم بحري يعرف بالقاد، وبابان تاريخيان هما باب المدينة وباب المصري.
المراجع:
Eyles Irwin, A Series of Adventures in the Course of a Voyage up the Red-Sea — رحلة سنة 1777م.
Alexander Dalrymple, Plan of Yambo Harbour on the Coast of Arabia in the Red-Sea، 20 أبريل 1779م.
British Library, India Office Records: IOR/X/14692/102.
John Lewis Burckhardt, Travels in Arabia، فصل Yembo، ص419 وما بعدها.
Herzog August Bibliothek, Map Collection: K S3.294.
ابن دقيق العيد.. الينبعي مولدًا والهوازني نسبًا
من أعلام الفقه والحديث الذين أنجبتهم أرض الحجاز الإمام تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القُشيري، المعروف بـابن دقيق العيد، أحد كبار علماء الإسلام في القرن السابع الهجري.
قُشيري من هوازن
ينتهي نسب ابن دقيق العيد إلى بني قُشير، وهم من قُشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، من قبائل هوازن العريقة.
وهوازن من كبريات قبائل العرب القيسية المضرية، وارتبطت ديار بطونها تاريخيًا بمناطق واسعة من الحجاز وتهامة وما جاورهما. ومن ثم فإن نسب ابن دقيق العيد القبلي يعيده إلى أصل عربي هوازني ضارب في تاريخ هذه الديار.
وُلد في ينبع سنة 625هـ
أما مولده، فقد كان سنة 625هـ، وتذكر كتب التراجم مولده بينبع، وتفصّل بعض الروايات بأنه وُلد عند ساحل ينبع أثناء سفر والديه إلى الحج.
وهنا ينبغي ألا تضيع الحقيقة الجغرافية خلف اختلاف عبارات المؤرخين: من وُلد في سور ينبع فهو من مواليد ينبع، سواء أقام فيها بعد ذلك أم رحل عنها صغيرًا.
فمكان الميلاد شيء، وموطن الأسرة وإقامتها شيء آخر، والنسب القبلي شيء ثالث.
كان أبواه في طريقهما إلى الحج، فولدته أمه في ينبع، ثم مضت الأسرة إلى مكة. ولذلك فإن انتقاله بعد ولادته لا ينفي مكان مولده، كما لا تنفي نشأته العلمية اللاحقة في مصر حقيقة مولده في الحجاز.
ينبعي المولد.. هوازني النسب
وعليه، فإن التعريف الأدق به يجمع بين الأمرين:
الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد: قُشيري هوازني النسب، ينبعي المولد، وُلد في ينبع بالحجاز سنة 625هـ، ثم أصبح واحدًا من كبار أئمة الحديث والفقه في العالم الإسلامي.
ولا تعارض بين أن تنسبه كتب التراجم إلى قوص باعتبارها موطن أسرته ونشأته، وأن نقول إنه ينبعي المولد؛ فالنسبة إلى بلد الإقامة والعلم لا تمحو بلد الميلاد.
وتبقى ينبع بذلك حاضرة في السيرة الأولى لهذا الإمام الكبير؛ فمن بين الأسماء التي ارتبطت بتاريخها اسم عالم تجاوز أثره حدود المكان والزمان: الإمام ابن دقيق العيد، الينبعي مولدًا، القُشيري الهوازني نسبًا.
بلدية ينبع ومركز المعلومات المفقود.. بعد نحو أربعين عامًا: أين المركز وأين الوثائق؟
في 8 شعبان 1408هـ، قبل نحو أربعة عقود، وجهت بلدية ينبع خطابًا رسميًا إلى المؤرخ عبدالكريم الخطيب تخبره فيه بأنها تعتزم إنشاء «مركز معلومات» لتسجيل المعلومات المهمة والخاصة بمدينة ينبع وتوثيقها.
وطلبت البلدية من الخطيب أن يدعم المركز بما لديه من معلومات وصور ومخطوطات قديمة، مستندة إلى ما عُرف عنه من اهتمام بتاريخ ينبع.
كلام جميل جدًا.
لكن بعد قرابة أربعين عامًا، يحق لنا أن نسأل سؤالًا بسيطًا:
أين مركز المعلومات؟
لا نريد حفل افتتاحه، ولا صورة اللوحة التي كانت على بابه، ولا الخبر الذي ربما نُشر يوم تدشينه.
نريد المعلومات.
أين الصور القديمة التي جُمعت؟
وأين المخطوطات التي طُلبت من المؤرخين؟
وأين الوثائق التاريخية؟
وأين فهرسها؟
ومن تسلمها؟
وأين حُفظت بعد ذلك؟
المفارقة تثير الابتسام: مركز أُنشئ لحفظ ذاكرة ينبع، فأصبح هو نفسه بحاجة إلى من يبحث في ذاكرة ينبع عنه!
والأطرف أن بين أيدينا اليوم وثيقة عمرها نحو أربعة عقود تثبت أن البلدية كانت تفكر مبكرًا في جمع تاريخ المدينة وتوثيقه. أي أن المشكلة لم تكن في غياب الفكرة؛ الفكرة كانت موجودة، والخطابات أُرسلت، والمؤرخون طُلب منهم التعاون.
لكن أين الناتج؟
إن كان المركز لا يزال موجودًا، فدلونا عليه.
وإن تغير اسمه، فأخبرونا باسمه الجديد.
وإن نُقلت مقتنياته إلى البلدية أو الأمانة أو جهة أخرى، فأين هي؟
وإن كانت الصور والمخطوطات التي جُمعت قبل عقود محفوظة في مستودع لا يعرف عنها الباحثون شيئًا، فمن حق ينبع أن تُخرج هذه الذاكرة إلى النور.
هذه ليست مطالبة بمشروع جديد، ولا بميزانية جديدة، ولا بلجنة جديدة تبحث إنشاء «مركز لتوثيق تاريخ ينبع».
لدينا مركز منذ 1408هـ... نريد فقط أن نعرف أين ذهب!
وأخشى أن نضطر في النهاية إلى إنشاء:
«مركز معلومات للبحث عن مركز المعلومات»!
نص الخطاب
المملكة العربية السعودية
وزارة الشؤون البلدية والقروية
بلدية ينبع
المكتب / العلاقات العامة
التاريخ: 8 / 8 / 1408هـ
حضرة صاحب السعادة / الأستاذ عبدالكريم الخطيب المحترم
الرياض
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
حيث تعتزم البلدية إنشاء مركز معلومات لتسجيل جميع المعلومات الهامة والخاصة بمدينة ينبع لتوثيقها ضمن المركز، وبما أن الأمر يتطلب أيضًا لمحة تاريخية عن مدينة ينبع والمؤرخين الذين تطرقوا لها في مؤلفاتهم، ولما عرف عنكم من اهتمامكم بهذا المجال.
فنسأل من سعادتكم تدعيم المركز بما يلزم من معلومات وصور ومخطوطات قديمة إن وجدت وأي ما ترونه مفيدًا في هذا المجال.
شاكرين لسعادتكم تعاونكم المستمر بما يخدم الصالح العام...
وتفضلوا بقبول وافر التحية والاحترام.
رئيس بلدية ينبع
م/ حسين عباس نور
[التوقيع]
من ينبع إلى مصر.. المويلحيون وصناعة الأدب العربي الحديث
من الأسر الينبعاويه التي تركت أثرًا لافتًا في الحياة الأدبية والصحفية في مصر أسرة المويلحي، التي برز منها أديبان من أعلام عصر النهضة العربية: الأب إبراهيم المويلحي، والابن محمد المويلحي.
إبراهيم بن عبد الخالق المويلحي (1846–1906م) كان أديبًا وصحفيًا وصاحب قلم نقدي قوي، وأسهم مبكرًا في الصحافة المصرية. ومن أشهر أعماله كتاب «ما هنالك»، الذي دوّن فيه مشاهداته وانتقاداته لأحوال الدولة العثمانية أثناء إقامته في الآستانة، ثم جمع مقالاته في كتاب سنة 1896م.
وفي سنة 1898م أصدر جريدته الأسبوعية الشهيرة «مصباح الشرق»، التي عُرفت باهتمامها بالأدب والفكر والنقد، وشاركه في تحريرها ابنه محمد. وقد وصفها معاصروها بأنها من الصحف التي كان الأدباء ينتظرون صدورها، حتى كان طلاب الأزهر يقفون أمام المطبعة انتظارًا لأعدادها.
أما ابنه محمد بن إبراهيم المويلحي (1858–1930م)، فقد أصبح بدوره أديبًا وناقدًا وصحفيًا، وتأثر بوالده وبعدد من أعلام عصر النهضة، ومنهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. وشارك والده في «مصباح الشرق»، ومنها خرج العمل الذي خلد اسمه في تاريخ الأدب العربي: «حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن».
حديث عيسى بن هشام.. بين المقامة والرواية
استعار محمد المويلحي شخصية عيسى بن هشام، راوي مقامات بديع الزمان الهمذاني، ووضعها في عالم جديد؛ فمزج بين أسلوب المقامة العربية وبين السرد والحوار والنقد الاجتماعي الحديث.
ومن خلال رحلة عيسى بن هشام والباشا العائد من زمن مضى، أخذ المويلحي قارئه في جولة داخل المجتمع المصري، متناولًا الشرطة والنيابة والمحامين والمحاكم والأوقاف وأبناء الكبراء والطب والأطباء وغيرها، كاشفًا بأسلوب ساخر التحولات الاجتماعية والإدارية والأخلاقية التي شهدها عصره.
والكتاب في حقيقته أكثر من حكاية؛ فهو صورة أدبية لمصر وهي تنتقل بين عالم قديم وعالم حديث، ولهذا يُنظر إليه بوصفه حلقة مهمة بين فن المقامة الموروث وبدايات السرد العربي الحديث.
وقد ظهرت مادته أولًا في «مصباح الشرق»، ثم جُمعت في كتاب. وتوثق المصادر صدور الكتاب سنة 1907م، كما توجد طبعة تاريخية محفوظة صدرت سنة 1911م بعنوان «حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن».
وهكذا جمع إبراهيم ومحمد المويلحي بين الصحافة والأدب والنقد؛ أسس الأب منبرًا أدبيًا مؤثرًا، وواصل الابن المسيرة بكتاب أصبح من الأعمال البارزة في تاريخ تطور النثر العربي الحديث.
أسرة خرجت من ينبع ، واستقر فرع منها في مصر، فكان لها حضور تجاوز الصحافة إلى تاريخ الأدب العربي نفسه.
من كتاب «رجال وأسر من ينبع في عصور مختلفة»
للمؤرخ عبدالكريم بن محمود الخطيب
المويلحيون.. من أشراف ينبع النخل إلى إمارة المويلح وأدباء مصر
الملك عبدالعزيز يُبقي إمارة المويلح في أسرة المويلحي
عبدالمطلب بن عبدالرحيم الوكيل المويلحي
أسرة المويلحي تعود بنسبها إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم من أشراف ينبع النخل، ولا زالت لهم فيها أملاك من دور وبساتين باقية في قرية الجابرية، ومن خلال وثائقهم التاريخية التي زودني بمجموعة منها نجد لهم صلة رحم مع الأشراف القرون أشراف قرية البثنة والبسيرة بينبع النخل، كما نجد لهم صلة رحم مع الأشراف العيايشة أشراف قرية السويق.
وفي العهد الأموي والعباسي نزحت أسر كثيرة من آل البيت من ينبع النخل إلى مصر وإلى المغرب وإلى اليمن وإلى أندونيسيا لتعرضهم للأذى الذي حل بهم من أبناء عمومتهم العباسيين، إذ تنافس آل البيت جميعًا على الأحقية بالسلطة، إذ كان الطالبيون يخرجون عليهم بين وقت وآخر من ينبع النخل.
ونزح الأشراف آل الوكيل من ينبع النخل إلى ثغر المويلح على ساحل البحر الأحمر شمال الحجاز، ولما كان من مكانة لهذه الأسرة بين الناس فقد تولوا إمارته وتعاقبوا عليها، وكان هذا الثغر تابعًا في اصطلاح التقسيم الإداري العثماني لمتصرفية ميناء الوجه، حيث نجد أن الشريف مصطفى بن محمد الوكيل المويلحي، الجد الثامن لهذه الأسرة، أسس وكالة لصناعة الحرير بالتربيعة بالقاهرة.
ترك أمر إدارتها لابنه الشريف أحمد بن مصطفى المويلحي، وكان أول الوافدين إلى مصر من هذه الأسرة، وكان ذلك في عهد محمد علي باشا، وتزوج من السيدة زينب البكرية شقيقة السيد خليل البكري وبنت عم السيد محمد البكري، الجد الأكبر للسيد عبدالحميد البكري نقيب الأشراف، وأنجب منها الأديب الكبير إبراهيم المويلحي، أول مويليحي ولد في مصر وشب فيها.
وأنجب الأخير عبدالخالق، الذي أنجب عبدالسلام باشا المويلحي والأديب إبراهيم. ولا زالت هذه الأسرة التي نزحت من ينبع النخل، ثم إلى المويلح، ثم إلى مصر، تعرف باسم المويلحي نسبة إلى المويلح، الثغر الذي نزحوا منه.
واستمرت أسرة المويلحي تحكم هذا الثغر في العهد العثماني وفي العهد الهاشمي حتى انضم الحجاز في عام ١٣٤٤هـ إلى حكم جلالة الملك عبدالعزيز، حيث أكرم هذه الأسرة باستمرارهم في إمارة المويلح، إذ كان أمير المويلح السيد عبدالرحيم، فأمر جلالته بتعيين ابنه السيد أحمد بعد رحيله.
ورحل السيد أحمد عام ١٣٥٤هـ، وعُيّن أخوه عبدالمطلب بن عبدالرحيم، الذي أحيل على التقاعد عام ١٤٠٩هـ، والذي يعتبر عميد الأسرة المويلحية وأميرها، إذ كان من خيرة الرجال الطيبين النافعين لهذه الأسرة، ويظل لهذه الأسرة تاريخها الناصع في ثنايا تاريخ هذا الكيان الكبير، المملكة العربية السعودية.
نبذه من خارج الكتاب :
ابراهيم ومحمد المويلحي.. أبٌ وابن من أعلام الأدب العربي
ينتمي إبراهيم بن عبد الخالق المويلحي (1846–1906م) إلى أسرة عُرفت بالعلم والأدب، وأصبح واحدًا من أعلام الكتابة والصحافة في مصر خلال عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر.
برز إبراهيم المويلحي كاتبًا وصحفيًا وصاحب أسلوب متميز في النثر، وخاض تجارب صحفية متعددة، ثم ارتبط اسمه خصوصًا بجريدة «مصباح الشرق» التي أصبحت من المنابر الأدبية والفكرية المعروفة في عصرها. ومن أشهر آثاره كتاب «ما هنالك»، الذي سجّل فيه مشاهداته وانتقاداته لأحوال الدولة العثمانية والمجتمع في إسطنبول.
وسار على نهجه ابنه محمد بن إبراهيم المويلحي (1858–1930م)، الذي جمع بين الأدب والصحافة والعمل الإداري. درس في الأزهر الشريف، ثم في مدرسة أنجال الخديوي إسماعيل، وعمل في وزارة الحقانية، وشارك في النشاط السياسي والصحفي، ثم تولى إدارة الأوقاف المصرية بين عامي 1910 و1915م تقريبًا.
أما شهرته الأدبية الكبرى فجاءت من كتابه «حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن»، وهو من الأعمال البارزة في تطور النثر السردي العربي الحديث. بدأ نشره على حلقات في «مصباح الشرق»، واتخذ فيه من قالب المقامة والحوار وسيلة لرصد التحولات التي شهدها المجتمع المصري وانتقاد عدد من ظواهره الاجتماعية والإدارية والثقافية. وظهر العمل في صورة كتاب سنة 1905م.
وهكذا مثّل إبراهيم وابنه محمد المويلحي جيلين متعاقبين من أسرة واحدة أسهما في الصحافة والأدب العربي الحديث؛ فكان الأب من رجال الصحافة والإنشاء في القرن التاسع عشر، بينما ترك الابن أثرًا أدبيًا بارزًا بـ«حديث عيسى بن هشام»، الذي بقي من أشهر مؤلفات عصر النهضة.
(الصورة للسيد /ابراهيم المويلحي )
من كتاب «أنا الشاهد.. إعلامي معاصر»
للمؤرخ والإعلامي عبدالكريم الخطيب
طه حسين والقرآن و«الشعر الجاهلي». حديث خاص نقله الشيخ/ حمد الجاسر لعبدالكريم الخطيب
كان فندق جراند أوتيل بالقاهرة من الفنادق التي ينزل بها السعوديون القادمون من المملكة، وكنت من الأشخاص الذين يحرصون على النزول في هذا الفندق في بداية الثمانينيات الهجرية.
ومن ذكرياتي في هذا الفندق أنني مكثت فيه عام 1383هـ في إحدى زياراتي للقاهرة، وكان أستاذنا حمد الجاسر يومذاك مقيماً في بيروت، وقدم في الفترة نفسها إلى مصر لحضور جلسات المجمع اللغوي باعتباره أحد أعضائه.
وكنا نلتقي في أكثر الأيام مساءً في صالة الفندق، وكان يتردد عليه صديقه الأستاذ عبدالله القصيمي.
وأذكر ذات مرة أن الأستاذ عبدالله القصيمي قال لي:
«أما زلتم في المملكة تلبسون زي الأضرحة، العباءة والعقال؟»
فأجبته قائلاً:
«وأنت مثلنا تلبس هذا الزي، أليس أنت الآن مرتدياً مشلح وعقال؟»
أجابني قائلاً:
«أنتم فرضتموه علينا».
فأجبته:
«لم يفرضه عليك أحد، ومن الممكن أن ترتدي البدلة الإفرنجية».
فقال للأستاذ حمد الجاسر:
«في الواقع فقد ارتحت لهذا الشباب وأردت أن أداعبه بعض الوقت».
وقال له:
«ولكن أريد أن أسألك عن صديقك الدكتور طه حسين، فما هي أخباره؟»
قال الأستاذ حمد الجاسر:
«لقد زرته بالأمس في (بيته )، ورأيته حزيناً، وحينما سألته عن سر هذا الحزن قال لي: يا أستاذ حمد، أنا حريص في كل يوم في مثل هذا الوقت أن أستمع إلى القرآن الكريم من إذاعة القاهرة لأروح عن نفسي».
والكهرباء انقطعت.
قال له الشيخ حمد:
«ما دمت أنت يا دكتور تحب سماع القرآن وتحرص عليه، إذاً ما الذي حدا بك أن تجعل الناس يشكون في عقيدتك بما جئت به في كتابك (الشعر الجاهلي)؟»
فضحك وقال:
«ما هي يا أستاذ حمد إلا شطحة من شطحات الشباب، ولا تنسَ أن بعض الأزهريين استفزوني».
قلت له:
«يا دكتور، عليك أن تعلن عذرك عن شطحاتك في كتابك الشعر الجاهلي».
قال:
«سأفعل قريباً إن شاء الله».
لكن الأجل لم يمهل الدكتور طه حسين، فرحل إلى جوار ربه، ولم يسمع أحد أو يقرأ أنه اعتذر عما جاء في كتابه.
فليرحمه الله ويغفر له.
المؤرخ والأديب والإعلامي عبدالكريم محمود الخطيب مع والده الشيخ محمود حامد الخطيب، شيخ الزوايا السنوسية في الشمال والمدينه ، عام 1382هـ.
صورة عائلية تختصر جانبًا من إرث أسرة (ال محمد) الخطيب؛ بين الأب الذي ارتبط بخدمة الزوايا السنوسية، والابن الذي حمل ذاكرة ينبع إلى صفحات التاريخ والإعلام والأدب.
مسجد السنوسية في ينبع.. وثيقة تكشف قصة المسجد الذي هُدم وعاد في موقع جديد
نص الوثيقة
بسم الله الرحمن الرحيم
المملكة العربية السعودية
وزارة الداخلية
بلدية ينبع
حضرة المكرم الشيخ ناظر أوقاف السنوسية محمود حامد الخطيب المحترم
بعد التحية:
بناءً على طلبكم أرضًا لإقامة مسجد عليها بدلًا عن مسجد السنوسية الذي هُدم لمصلحة الشارع.
نفيدكم: بأنه جرى إحالة ذلك للقسم الفني لدينا، فأفادنا بخطابه رقم (942) بأنكم لم تراجعوا لاختيار الأرض المناسبة، وبدورنا أعدنا إليه المعاملة لبعث مرسول منكم.
بيد أنه أفاد بشرحنا رقم (241) بعدم مراجعتكم، عليه نأمل منكم اختيار الأرض المناسبة بواسطة لجنة حسب ما ترونه بالاشتراك مع مندوب البلدية، وإفادتنا لإكمال اللازم.
ولكم تحياتنا،،،
رئيس بلدية ينبع
عبدالله أحمد عاشور
ماذا تكشف الوثيقة؟
تكشف هذه الوثيقة جانبًا مهمًا من تاريخ مسجد السنوسية في ينبع؛ فهي تنص صراحة على أن مسجد السنوسية الأصلي هُدم لمصلحة الشارع، وأن الشيخ محمود حامد الخطيب، بصفته ناظرًا لأوقاف السنوسية، تابع مع بلدية ينبع تخصيص أرض لإقامة مسجد بديل.
وبذلك يتضح أن مسجد السنوسية الموجود حاليًا ليس هو المسجد الأصلي المشار إليه في الوثيقة؛ فالمسجد الأول أُزيل لمصلحة الشارع، ثم أُقيم المسجد في موقع جديد، وقد أشرف الشيخ محمود حامد الخطيب على بناء المسجد القائم حاليًا.
وتحفظ هذه الوثيقة حلقة مهمة من تاريخ المسجد؛ إذ توثق انتقاله من موقعه القديم إلى موقع جديد، وتبرز دور الشيخ محمود الخطيب في المحافظة على استمرار مسجد السنوسية والإشراف على بناء مقره القائم اليوم.
من كتاب «أنا الشاهد.. إعلامي معاصر»
للإعلامي والأديب عبدالكريم الخطيب
من «مضافة أبو محمود» في عمّان وُلد «مجلس أبو حمدان» في إذاعة الرياض
إسحاق المشيني.. حفاوة أردنية وذكريات إذاعية في عمّان
وحينما حللت ضيفًا بالعاصمة الأردنية يومذاك، علم بقدومي من الإخوة السعوديين المقيمين بها أبو الياس الشريف حيدر البركاتي، من أهالي مكة المكرمة، والذي كان يعمل حينذاك بالإذاعة الأردنية، فزارني مرحبًا، وأكرم وفادتي حين أقام لي في داره حفل عشاء في أمسية أحد الأيام، ضم نخبة من الإذاعيين ورجال الصحافة الأردنية، ومن عرفت كثيرًا منهم وعرفوني.
«مضافة أبو محمود».. الفكرة التي عبرت من عمّان إلى الرياض
وكان من أجمل البرامج التي تذاع منها يومذاك «مضافة أبو محمود»، وأبو محمود هذا هو الأستاذ إسحاق المشيني، من أسرة عريقة في الأردن، وهو والد نبيل المشيني، الممثل الأردني الناجح في الوقت الحاضر، صاحب برنامج «أبو عواد».
وكما يقول المثل: «ابن الوز عوام»، فقد كان والده إذاعيًا ناجحًا في مضافته، وقد أعجبتني تجربة «مضافة أبو محمود»، ومنها ولدت لدي فكرة برنامج «مجلس أبو حمدان»، الذي قمت بكتابته وإخراجه، واستمر ما يزيد على اثني عشر عامًا من عمر إذاعتنا، إذاعة الرياض.
إسحاق المشيني.. صداقة لم تمهلها الأيام طويلًا
وإسحاق المشيني هذا، إذا التقيت به وجلست معه، تشعر أنك تجلس مع رجل من الذين يعتزون بعروبتهم، مرح لين العريكة، كريم النفس. دعاني إلى داره على العشاء فاعتذرت، ولم أرَ بدًا من تلبية الدعوة، وكانت مماثلة لدعوة حيدر البركاتي.
ومن هنا أصبحت صديقًا له، وحينما عدت إلى المملكة أخذت أراسله ويراسلني، ولكن بعد شهور عدة من تلك العلاقة فُجعت برحيله من هذه الدنيا، وهذه هي سنة الله في خلقه.
حين رأيت «أبو عواد» تذكرت والده
كما شاهدت ابنه نبيل، أي «أبو عواد»، على شاشة التلفاز، ذكرت والله بالخير، وأخذت أشرح لأولادي العلاقة التي كانت تربطني بوالده، وكم قال لي أولادي إن أبا عواد يمتاز بروح خفيفة، فقلت لهم: حقًا هي لا تقل عن خفة روح والده «أبو محمود» وطيبته ومرحه ودعابته، ولقد دعاني لزيارة العديد من القرى الأردنية وتجولت معه كثيرًا.
حوار طويل أمام ميكروفون الإذاعة الأردنية
وفي تلك الرحلة أبت الإذاعية المعاصرة بالإذاعة الأردنية كوثر النشاشيبي إلا أن تستضيفني في أحد برامجها الطويلة، وطاب لها أن تطرح عليَّ الأسئلة العديدة، وطاب لي أن أجيبها على كل سؤال في حدود المعقول.
«الأرض الطيبة» السعودية تلتقي «مع الشروق» الأردنية
أما صديقنا الأستاذ المهندس الزراعي مازن القبيج، صاحب البرنامج الزراعي اليومي «مع الشروق» بالإذاعة الأردنية، وأنا صاحب «الأرض الطيبة» بالإذاعة السعودية، أصر عليَّ أن أتحدث في ندوة مطولة أذيعت على حلقات في برنامجه عن الإذاعة الريفية وأهميتها في المجتمع الريفي.