معلمُنا المتواضع
ما أكثر من يمرون في حياتنا ثم يطويهم النسيان، وما أقل أولئك الذين يمضي بهم العمر، وتبقى صورهم ساكنةً في القلب لا يغيّرها الزمن، وليس ذلك لأنهم أصحاب جاهٍ أو مال، ولكن لأن الله كتب لهم قبولًا في النفوس، فجعل ذكراهم تعود كلما عادت الذكريات.
إذا ذُكرت مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، نهضت من الذاكرة وجوهٌ مضيئةٌ صنعت شيئًا من طفولتنا، وكان من أقربها إلى النفس وجه أستاذنا القدير عبدالمعطي بن عطية النعماني رحمه الله، معلم الرياضيات والعلوم والتربية الرياضية، فيستقبلنا بابتسامته الهادئة التي كانت تبدد ما في النفوس من رهبة، وتجعل الحصة أقرب إلى الأنس منها إلى التكلف.
كان التواضع يكسو سمته، والهدوء يزين حضوره، فلا يتكلف في قوله، ولا في فعله، قريبًا من طلابه، لطيفًا في معاملته، واضحًا في شرحه، فإذا تناول مسألةً في الرياضيات بدت يسيرةً بعد أن كانت عسيرة، وإذا شرح درسًا في العلوم أحسست أن ال��عرفة تقترب منك خطوةً بعد خطوة، حتى تبلغها دون أن تشعر بعناء.
ثم تراه في حصةِ التربية الرياضية كما عهدته في الفصل، هادئًا في توجيهه، رفيقًا في تعليمه، كأنما كان يُهذِّب النفوسَ وهو يدرِّب الأجساد، ويغرسُ النظامَ في السلوك قبل أن يغرسه في الصفوف، حتى أدرك طلابه أنَّ التربيةَ فعلٌ يُرى، لا قولٌ يُسمع.
وكانت مدرسة ابن القيم يومئذٍ عامرةً برجالٍ حملوا رسالة التعليم بمحبة، وكانت ساحاتها تضج بأصوات الصغار، غير أن لكل تلميذٍ فيها معلمًا يظل أقرب إلى قلبه من غيره، وكان أبو عبدالإله واحدًا من أولئك الذين رزقهم الله محبةً لا تُطلب، وقبولًا لا يُصطنع.
تمضي السنون، وتتعاقب الأيام، فإذا عادت الذاكرة إلى مقاعد الدراسة لم تستحضر الدروس وحدها، بل استحضرت أصحابها أيضًا، لأن العلم قد يُنسى بعضه، أما الخلق الحسن فلا يُنسى، والكلمة ال��يبة لا يطويها الزمن، والابتسامة الصادقة تبقى حيث لا تبقى أشياء كثيرة.
رحم الله أبا عبدالإله، فقد أدى رسالته في صمت المخلصين، ومضى وقد ترك في نفوس طلابه أثرًا طيبًا، وما أجمل أن يلقى الإنسان ربَّه وقد خلّف وراءه علمًا نافعًا، وذكرًا حسنًا، وقلوبًا لا تزال تدعو له كلما مرّ اسمه، أو مرّت بها أيام المدرسة الأولى.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
صديقُ القرآنِ والأذان
في الأبواء رجالٌ لا تُعرِّفهم الألقاب، ولا تُشيِّد أسماءَهم المناصب، ولكن تُخلِّدهم السيرة الصادقة، وتُزكّيهم الأعمال الخفيّة، رجالٌ عرفوا طريق العبادة فسلكوه بهدوء، وأحبّوا القرآن فصاحبوه عمرًا، وجعلوا من الوقت أمانة، ومن الصلاة موعدًا، ومن الأخلاق عبادةً لا تقل شأنًا عن الركوع والسجود، ومن أولئك الأخيار يلوح اسم الشيخ مسلم بن عوض بن عائض المحمدي رحمه الله، المعروف بأبي دخيل الله؛ رجلٌ كانت العبادة عنوان يومه، والقرآن أنيس عمره، والأذان صوته الذي عرفه الناس، حتى غدا ذكره مقرونًا بالمسجد كما يُقرن النسيم بموطنه.
لم يكن حديثه عن القرآن حديثَ معجبٍ بفضله، بل حديثَ صاحبٍ لازمه حتى صار جزءًا من يومه، فكان لا يكاد يترك وِرده، ولا يفرّط في تلاوته، يستفتح به نهاره، ويختم به ليله، حتى عرفه من حوله بهذه الملازمة، وكأن صفحات المصحف كانت رفيقة عمره في الحل والترحال.
وكان يعمر آخر الليل بقيامه بين يدي الله، فإذا اقترب الفجر قصد منزل والده الشيخ عوض بن عائض المحمدي رحمه الله، فيلقاه وقد فرغ من صلاة القيام، فيجلسان إلى مائدة متواضعة يعدّان عليها القهوة ويتناولانها في هدوء، ثم يمضيان معًا إلى المسجد، فإذا حان وقت الفجر ارتفع أذانه يشق سكون الأسحار برفق، فيوقظ القلوب قبل أن تستجيب له الآذان، فإذا فرغ من الأذان لبث في المسجد في سكينة حتى حان وقت إقامة الصلاة، فإذا فرغ من إقامتها عاد إلى الصف، ليأخذ مكانه المألوف إلى جوار والده، خلف الإ��ام الشيخ حمادي بن سلوم المحمدي رحمه الله، في صحبةٍ ألفها المسجد كما ألفها البيت.
ولم يكن انتظامه في مواعيده إلا ثمرةً لذلك الانضباط الذي ربَّته عليه الصلاة، فكان يعرف للوقت قدره، فلا يُعرف عنه تأخرٌ عن موعد، ولا إخلالٌ بوعد، حتى غدت الدقة سمةً لازمت سيرته، كما لازمت الأذان في مواقيته.
وعُرف بحرصه على حقوق الناس، فلم يكن يراها أمرًا هيّنًا، بل أمانةً يسأل الله عنها، فإذا استدان سارع إلى الوفاء، وإذا وعد أوفى، وكان يرى أن العبادة لا تكتمل إلا بأداء الحقوق إلى أهلها، وأن صلاح المرء لا يقاس بكثرة صلاته فحسب، بل بما يحمله من أمانةٍ وعدلٍ وحسن معاملة.
وامتدت آثار تلك التربية إلى بيته، فغرس في أبنائه محبة القرآن، وتعظيم الصلاة، واحترام الوقت، وربّاهم على الصدق وحسن الخلق، مؤمنًا أن التربية الصالحة ليست كلمات تُقال، وإنما سيرة يراها الأبناء في كل يوم.
وكان واصلًا لرحمه، قريبًا من أهله، حاضرًا في أفراحهم وأتراحهم، يرى صلة الرحم ��ابًا من أبواب القرب إلى الله، فلا ينتظر مناسبةً ليصل، ولا عذرًا ليعتذر، بل كانت المودة عنده عادةً، كما كانت العبادة عادة.
ثم شاء الله أن تنقضي أيام الشيخ مسلم رحمه الله من هذه الدنيا، بعد عمرٍ عمره بالطاعة، وأحيا ساعاته بالقرآن، وملأ أوقاته بالأذان، ففقده أهله ومحِبّوه، وبقيت في الذاكرة تلك السيرة الهادئة التي لا تحتاج إلى ضجيج؛ لأنها كُتبت بالأعمال قبل الكلمات.
وامتد ذلك الخير المبارك في ابنه الشيخ سليم، الذي حمل كثيرًا من خصال والده، فظل القرآن رفيقًا له، والصلاة سبيلًا، وحسن الخلق منهجًا، وكأن الآباء الصالحين يورثون أبناءهم أعظم ميراث؛ ميراث القدوة ا��حسنة.
رحم الله الشيخ مسلم بن عوض بن عائض المحمدي، أبا دخيل الله، رحمةً واسعة، وجزاه عن القرآن خير الجزاء، وعن الأذان خير الجزاء، وعن أهله ومجتمعه خير ما يجزي به عبادَه الصالحين، وجعل سيرته نورًا في صحائفه، وذكره الطيب باقيًا في قلوب من عرفوه، إنه سميع مجيب.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
إِذَا رَحَلَ الْعَالِمُ
ليس أشدَّ على الأمة من أن تستيقظ على خبر رحيل عالمٍ أفنى عمره وهو يفتح للناس أبواب الهداية، ثم تلتفت فلا تجد ذلك الوجه الذي ألفته، ولا تلك السكينة التي كانت تسبق حديثه، ولا ذلك القلب الذي عاش للعلم أكثر مما عاش لنفسه. فالعلماء لا يُقاس أثرهم بما شغلوا من مناصب، بل بما غرسوا في النفوس من هداية، وفي العقول من علم، وفي الأخلاق من قدوة؛ فإذا غاب أحدهم أدرك الناس أن نعمًا عظيمةً لا يُعرف قدرها إلا بعد فقدها.
ما إن تلقيت نبأ وفاة فضيلة الأستاذ الدكتور مرزوق بن سليم اليوبي رحمه الله، حتى مرَّت بخاطري سيرته الطويلة في خدمة العلم، والدعوة إلى الله، فأورثت القلب أسىً، ورجاءً في رحمة الله لمن أفنى عمره ��ي مثل هذا السبيل.
وفي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجد فضيلة الأستاذ الدكتور مرزوق بن سليم اليوبي ميدانًا رحبًا لبذل علمه، فعمل محاضرًا بقسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية العقيدة والدعوة، وأسهم في التدريس، والإشراف الأكاديمي، ومناقشة الرسائل العلمية. ولم يكن يرى أن رسالته تنتهي بانقضاء المحاضرة، بل تبدأ منها؛ لأن العلم عنده لم يكن معلوماتٍ تُلقى، وإنما أمانةٌ تُحمَل، ورسالةٌ تُؤدَّى، وخلقٌ يُرى قبل أن يُسمع. فكان يغرس في طلابه تعظيم العلم، وحسن القصد، والشعور بمسؤوليته، قبل أن يغرس فيهم مسائله وفروعه.
ثم عهدت إليه الجامعة برئاسة طلاب قارة آسيا ثلاثة عشر عامًا، قبل أن يتولى وكالة شؤون الطلاب، وهي مسؤوليات لا يكفي فيها العلم وحده، بل تحتاج إلى رحابة صدر، وحسن رعاية، وصبرٍ على الناس. وكان الطالب إذا دخل عليه، لم يشعر أنه أمام مسؤولٍ يدير شؤونه، بل أمام مربٍّ يألفه، ويأنس إليه، ويجد عنده الكلمة الطيبة، والمشورة الصادقة، والعون ما استطاع إليه سبيلًا؛ ولذلك بقي ذكره حيًّا في نفوس كثير من طلابه، وإن تفرقت بهم الديار.
لم تقف جهوده عند حدود الجامعة، بل امتدت إلى آفاقٍ أوسع؛ فشارك في المؤتمرات، والندوات، واللجان، والدورات العلمية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وسافر إلى ما يقارب مئة دولة، يلتقي بالراغبين في الالتحاق بالجامعة الإسلامية، ويعرّفهم برسالتها، ويسهم في نشر العلم، والدعوة إلى الله. وكانت تلك الأسفار امتدادًا طبيعيًا لرسالته، فما عرف لنفسه غايةً أسمى من أن ينفع الناس، وأن يخدم العلم حيثما حل وارتحل.
ولم يقتصر عطاؤه على قاعة الدرس، بل امتد إلى البحث العلمي والتأليف، فخلّف مؤلفاتٍ وبحوثًا في الدعوة والثقاف�� الإسلامية، بقيت تنطق بعلمه، وتشهد بعنايته، وتؤكد أن العالم لا ينتهي أثره بانتهاء عمره، ما دام قد ترك علمًا ينتفع به الناس.
ولعل من أجمل ما عرفه الناس في فضيلة الدكتور مرزوق أن العلم لم يغيّر طبعه، بل زاده تواضعًا، ولينًا، وحسن لقاء. لم يكن يتكلف الوقار، لأن الوقار كان سجيته، ولا يسعى إلى محبة الناس، لأن حسن خلقه كان سبيله إليها. فإذا جلس إلى أحدٍ أنس ب�� جليسه، وإذا تحدث أصغى إليه سامعه، لا لتكلُّفٍ في عبارته، وإنما لما يجد في حديثه من صدق، وسكينة، وحكمة.
ولا ينقضي أثر العالم بانقضاء عمره؛ فرب طالبٍ اهتدى بعلمه، أو داعيةٍ انتفع بتوجيهه، أو باحثٍ أفاد من مؤلفاته، يبقى شاهدًا له بعد رحيله. تلك هي الحياة التي يهبها الله لأهل العلم؛ حياة الأثر الذي يمتد، والذكر الحسن الذي يبقى، والعمل الذي لا ينقطع نفعه بإذن الله.
رحم الله فضيلة الأستاذ الدكتور مرزوق بن سليم اليوبي رحمةً واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وأعلى درجته في المهديين، وجعل ما علَّم، وما كتب، وما أشرف عليه، وما بذله في خدمة الدعوة والعلم، في مو��زين حسناته، وأجرى له ثواب كل علمٍ انتفع به، وكل خيرٍ دلَّ عليه، وألهم أهله، وزملاءه، وتلامذته، ومحبيه جميل الصبر والسلوان، وجعل خير ما خلَّفه بعده علمًا نافعًا، وأثرًا طيبًا، وذكرًا حسنًا، إنه سبحانه واسع الرحمة، عظيم الفضل.
#الجامعة_الإسلامية
#كلية_العقيدة_والدعوة
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
رجلٌ إذا ذُكر حضر الاحترام
في الناس رجالٌ تُعرَف أقدارهم قبل أن تُعرَف أسماؤهم، وتُحَسُّ آثارهم قبل أن تُروى أخبارهم، ومن أولئك الرجال الشيخ بريك بن مبارك بن مسلم اليوبي رحمه الله؛ رجلٌ كانت الرزانة فيه سجيّة، والوقار طبعًا، والخلق الرفيع خُلُقًا لازمًا لا يتكلفه ولا يتصنعه.
لم يكن أبو سليمان كثير الكلام، لأن العقول الراجحة يغنيها المعنى عن الإكثار من القول، وكان إذا تحدث أصغى إليه الجالسون لما يجدون في حديثه من حسن نظر وسداد رأي. لا تطول عباراته، ولكنها تبقى في الذاكرة، ولا يكثر النصح، ولكن كلماته تأتي في موضعها، فينتفع بها من سمعها. وكان حضوره هادئًا مطمئنًا، يأنس به الجالسون ويستفيد منه المستمعون.
وكان رحمه الله رجلًا عاقلًا، يعرف الناس ويعرف طبائعهم، ويدرك المقاصد من غير تكلف، ويزن الأمور بميزان العقل والتجربة. لا يستعجل الحكم، ولا يتعجل الرأي، بل ينظر في العواقب قبل أن يتكلم، فإذا أشار كان لرأيه وزنه، وإذا تحدث وجد السامع في حديثه رجاحةً وحسن تقدير.
وعاش رحمه الله بسيطًا في هيئته، عظيمًا في جوهره، اتخذ من الأرض رفيقة، ومن الزراعة معاشًا شريفًا، يفلحها بيده كما يغرس في النفوس معاني الصبر والصدق والرضا. لم يرَ في العمل اليدوي نقصًا، بل كان يراه كرامة، وفي الكسب الحلال شرفًا يستحق الاعتزاز.
وكان الكرم طبعًا فيه لا خُلُقًا يتصنعه؛ يعطي لأن العطاء جزء من تكوينه، ويواسي لأن الرحمة حاضرة في طبعه، ويقضي الحاجة وهو يرى ذلك من واجب المروءة لا من باب الم��ّة. من قصده وجد بشاشة الاستقبال، ومن عرفه لمس سماحة النفس وسعة الصدر.
وأما الجيرة، فقد كانت عنده ميثاق شرف لا يُنقَض، وعهدًا أخلاقيًا لا يفرط فيه. الجار في نظره له حقٌّ ثابت، وحرمةٌ مصونة، يحفظه في حضوره وغيابه، ويقف معه عند الحاجة، ويكفّ عنه ما يكره. وكان يرى حسن الجوار خُلُقًا لازمًا لا تستقيم الحياة بدونه، ولا تكتمل المروءة إلا به.
ثم كان صوته في الأذان صفحةً أخرى من صفحاته البيضاء، وبابًا من أبواب العمل الصالح الذي عُرف به بين الناس. فقد رفع الأذان سنواتٍ طويلة ابتغاء وجه الله تعالى، لا ينتظر أجرًا من أحد، ولا يطلب على ذلك مقابلًا. كان يؤذن إيمانًا برسالة الأذان ومكانته، فألف جيران المسجد صوته، وارتبط في ذاكرتهم بنداء الصلاة ومواقيتها.
وكان إذا صدح بالأذان بقي صوته جزءًا من ذكرياتهم الجميلة، كما بقيت سيرته الحسنة ومواقفه الكريمة في أذهان من عرفوه.
رحم الله الشيخ بريك بن مبارك اليوبي رحمةً واسعة، فقد كان رجلًا عرفه الناس بحسن الخلق، ورجاحة العقل، وصدق المعاملة، فترك في نفوسهم ذكرًا طيبًا لا يُنسى. انقضت أيامه التي عاشها بينهم، وبقي أثره في مواقفه، وبقيت سيرته الحسنة حديثًا يتناقله الناس بالخير والدعاء. وتلك من أجلِّ النعم التي يوفق الله إليها عباده؛ أن يمضي الإنسان، ويبقى من بعده جميل الذكر، وحسن الأثر.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
رجلٌ تألفه القلوب
في الأبواء رجالٌ تأنس النفوس بذكرهم، فإذا جرى اسمُ أحدهم في مجلسٍ تداعت إلى الذاكرة صورٌ جميلةٌ من الأيام، وأقبلت القلوب على حديثه في أُنسٍ ومودّة، كأنّ الذكرى تُخرج من طوايا العمر رائحةَ مجلسٍ قديم، أو صورةَ وجهٍ بشوشٍ لم تعبث به الأيام في الذاكرة.
��من هؤلاء الذين يطيب للناس ذكرُهم الأستاذ عاتق بن حاسن بن عبدالمحسن بن سلوم المحمدي، رحمه الله؛ فقد اجتمع له خُلُقُ المعلّم، وإحساسُ الشاعر، وبشاشةُ الصاحب. لذلك لم يكن ذكرُه يمرّ في المجالس مرورَ الأسماء، بل مرورَ المعاني التي تترك في النفوس أثرًا من الأُنس والتقدير. فإذا ذُكر جرى الحديث عنه في أُنسٍ ومودّة، واستعاد الناس ما عرفوه فيه من طيب الخلق وحسن المعشر، لما غرسه في النفوس من جميل الأثر، وموضعِ وُدٍّ لا تناله الأيّام.
لم يكن معلّمًا فحسب، بل كان قدوةً هادئةً في خُلُقه وسلوكه، يعلّم بعلمه، ويؤثّر ��حسن سمته، ويترك في النفوس أثرًا يتجاوز حدود الفصل الدراسي. يفتح للأذهان أبواب المعرفة، وللنفوس أبواب الأدب، فأحبّه تلاميذه محبّةً لا يصطنعها تكلّف، ولا تستجلبها هيبةُ المنصب، بل تنبت من ذلك القبول الذي يودعه الله في بعض الأرواح؛ فإذا هي محبوبةٌ وإن صمتت، مألوفةٌ وإن غابت.
وكان للأستاذ عاتق عنايةٌ بالخطّ العربي، ولا سيما النسخ والرقعة؛ يكتب كتابةً تنمّ عن ذوقٍ رفيع وإتقانٍ ظاهر، حتى لتبدو الحروف على يديه في أجمل هيئة، متناسقةَ الرسم، محكمةَ البناء. فلا ترى في كتابته اضطرابًا في سطر، ولا عثرةً في رسم، بل نظامًا يشبه اتّساق نفسه وهدوء طبعه.
وأخلاقُ الرجل كا��ت من ذلك الطراز الذي لا يكثر في الناس؛ تواضعٌ لا يعرف التكلّف، وبِشرٌ لا يفارق المحيّا، وابتسامةٌ كأنّها لغةٌ أخرى يفهم بها القلوب قبل الألسنة. وكان محبوبًا بين أهالي الأبواء، لا لأنّه طلب المحبّة يومًا، ولكن لأنّ النفوس السليمة تهتدي إلى أمثال هؤلاء كما تهتدي الطيور إلى مواطن الماء.
ثم إنّ للرجل في الشعر ��أنًا لا يُغفل؛ فقد كان شاعرًا مطبوعًا، تخرج المعاني من خاطره رخيةً عذبة، كأنّها لم تُصنع صنعًا، ولم تُستكره استكراهًا. ونظمُه يجري على سجيّةٍ صافية، فيه رقّةُ الإحساس، وعذوبةُ العبارة، وصفاءُ الذوق.
رحم الله أبا شادي الأستاذ عاتق بن حاسن المحمدي رحمةً واسعة. لقد عاش بين الناس كما أحبّ أن يعيش: قريبًا من القلوب، مألوفًا في المجالس، جميلَ الأثر في النفوس. وحين يُذكر اليوم لا تستحضر الذاكرة اسمًا فحسب، بل تستحضر خُلُقًا وبشاشةً ومواقفَ وُدٍّ لا تزال حيّةً في نفوس أصحابها. وتلك نعمةٌ لا ينالها المرء بمالٍ ولا جاه، وإنما يمنحها الله لمن أحسن إلى الناس فأحسنوا ح��ظه في قلوبهم
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
تلميذ الطنطاوي
أيها القرّاء، إذا أردتم أن تعرفوا رجلًا اجتمع فيه وقار العلم ورقّة الأدب، وتعانقت في شخصيته الثقافة والشعر، فتعالوا نقف عند سيرة الأستاذ الشاعر علي بن سليمان أبو عسم رحمه الله؛ رجلٍ ترك أثرًا طيبًا في النفوس، وحضورًا لا يغيب عن الذاكرة، فغدا ذكره مقرونًا بالأدب الرفيع والخُلُق الكريم.
عاش رحمه الله حياةً تشبه الأشجار الوارفة؛ ثابتًا في مبادئه، ممتدّ الأثر في عطائه، يمنح من حوله علمًا وأُنسًا وطمأنينة. لم يكن معلّمًا يقتصر دوره على التلقين، بل كان صاحب رسالة، يُلهم بعلمه، ويؤثر بأدبه، حتى تجاوز أثره حدود الصفوف الدراسية إلى القلوب والعقول.
وفي رحاب كلية التربية بمكة المكرمة تتلمذ على يد الشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله، فنهل من معين أدبه، وتأثر بجزالة أسلوبه وسمو بيانه، فانعكس ذلك على ثقافته وشاعريته وحسن تعبيره، حتى غدا الأدب جزءًا أصيلًا من شخصيته، والكلمة الجميلة رفيقة حديثه وشعره.
ثم تنقّل في ميادين التعليم بين القصيم وجدة، يحمل رسالته بإخلاص، ويغرس العلم في النفوس، تاركًا أثرًا طيبًا لا تمحوه الأيام.
وفي جدة، جمعته زمالة العمل في مدرسة اليرموك المتوسط�� بحي البغدادية بالشاعر الأديب والمذيع الأستاذ عبيدالله أبو زاهرة رحمه الله، الذي لخّص مكانته بقوله: "كنتُ أحسبه معلّم لغة عربية من قوة ثقافته الأدبية، ثم عرفت أنه معلّم جغرافيا". وهي شهادة تعبّر عن سعة ثقافته، وتكشف عن شخصية تجاوزت حدود التخصص إلى رحابة الأدب وقوة البيان.
ولم يكن رحمه الله شاعرًا يكتفي بنظم الأبيات، بل كان يرى في الشعر رسالةً وذوقًا، وفي الكلمة مسؤوليةً وأثرًا. فجاء شعره قريبًا من النفس، عذب العبارة، مشبعًا بالحكمة والصدق، يلامس القلوب ببساطة وعمق.
وكان رحمه الله في شعر الكسرة وزومالة العرضة شاعرَ بديهةٍ حاضرًا؛ فما إن يُفتح باب النظم حتى تتدفق معانيه عفوًا، وتنساب عباراته بسلاسةٍ وعذوبة. امتاز بجزالة السبك، وسرعة الرد، وحسن الأداء، حتى عُرف بقدرته على إيصال المعنى بوضوح وتأثير، فكان إذا ارتجل الشعر شدّ الأسماع، وأسر القلوب بفصاحته وصدق تعبيره، وعدّه كثيرون من أبرز شعراء الكسرة في زمانه.
ومن أجمل ما عُرف به رحمه الله كريم أخلاقه، وسمو تواضعه، ولطف معشره؛ فلم يُعرف عنه تكبّر ولا تعالٍ، بل كان قريبًا من الناس، يلقاهم ببشاشةٍ وكلمة طيبة، ووجهٍ يألفه الجميع. بقي وقورًا بلا تكلف، متواضعًا بلا تصنّع، كريم النفس، حسن الخُلُق.
وكان محبًّا للناس، يأنس بمجالسهم، ويمنح جلساءه من حسن الصحبة ما يجعل اللقاء أكثر دفئًا وألفة. لا يضيق بسائل، ولا يملّ من مستزيد، بل يقابل الجميع بلطفٍ ومودّة، تاركًا في النفوس أثرًا جميلًا.
ولعل سرّ محبة الناس له أنه أحبّهم بصدق، فبادلهم الودّ والإخلاص، ولم يعرف التكلّف في علاقاته، فغدا محبوبًا بين أهل الأبواء، تُذكر مجالسه بخير، ويُستعاد حديثه بشيءٍ من الوفاء والحنين.
ثم تقاعد رحمه الله بعد رحلةٍ حافلة بالعطاء في التعليم والأدب، وحين رحل بقيت ذكراه حيّةً في نفوس من عرفوه؛ فالأرواح الجميلة لا يغيب أثرها، بل يبقى منها عبق السيرة، وأثر العلم، وطيب الذكر.
رحم الله أبا حسن الأستاذ الشاعر علي بن سليمان أبو عسم رحمةً واسعة، فقد كان من أولئك الذين مضت أعمارُهم، وبقي جميلُ أثرهم، وحسنُ سيرتهم، في نفوس الناس؛ رجلًا إذا ذُكر الأدبُ حضر اسمُه، وإذا ذُكرت المروءةُ تهادى ذكرُه بين الناس في لطفٍ ووفاء. ترك في العقول أثرَ معلّمٍ مخلص، وفي المجالس سكينةَ أديبٍ ظريف، وفي النفوس صورةَ إنسانٍ جميل السيرة، طيّب الأثر.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
محبُّ القرآنِ والإحسان
للرجال آثارٌ تُعرَف بها مقاديرهم، وتبقى لهم من بعدهم شواهدُ تدلّ عليهم؛ فقد يغيبُ الرجلُ الصالح، وتظلّ أعماله ناطقةً بفضله، يُستدلُّ عليه بمحرابٍ عُمِر بالقرآن، أو ناشئةٍ نشأت على هديه، أو يدِ رحمةٍ امتدّت إلى ذي حاجة. وما الناسُ في نهاية الأعمار إلا ما أبقوه من أثر، وما غرسوه من خير، وما تركوه في القلوب من ذكرٍ حسنٍ ودعوةٍ صادقة.
وفي الناس رجالٌ لا يحتاج فضلهم إلى كثير قول يرفعه، ولا إلى قولٍ يبالغ في وصفه؛ لأنّ أعمالهم قائمةٌ مقام الشهادة لهم، وآثارهم تتحدّث عنهم حديثًا ي��ني عن كثير الثناء. فإذا ذُكروا ذُكر معهم خيرٌ نفع الناس، أو قرآنٌ تعلّمته ناشئة، أو بابُ معروفٍ فُتح للمحتاجين، فكأنّ أعمارهم لم تكن زمنًا عابرًا، بل كانت غرسًا بقي بعدهم يثمر في كل حين.
ومن الرجال الذين أبقت لهم الأعمالُ الصالحةُ ذكرًا حسنًا، وأقامت لهم في القلوب منزلةً لا تنقطع، الشيخُ عتيق الله بن عطية المحمدي رحمه الله؛ رجلٌ لم يكن ممّن يلتفتون إلى الظهور، ولا يُعنَون بكثرة الذكر، ولكنه كان من أولئك الذين آمنوا أن أعمار الرجال لا تُقاس بطولها، بل بما يودعونه فيها من خيرٍ يبقى بعدهم. فرأى أن أجلَّ ما تُعمر به الحياة كتابُ الله، وأنّ من أنبل السعي أن يُنشَ��أ ناشئٌ على القرآن، أو يُجبَر محتاجٌ بيدِ رحمةٍ وإحسان.
وكان رحمه الله حسنَ السمت، هادئَ الطبع، وقورًا، لا يُعرف إلا في خيرٍ يقصده، أو معروفٍ يسعى إليه، قد صرف همّه إلى ما ينفع الناس وتبقى مغبّتُه.
فتولّى رئاسة جمعية تحفيظ القرآن الكريم بمحافظة رابغ، فحسن قيامه بشأنها، وبذل من العناية بحلقات التحفيظ، وتشجيع الناشئة ��لى حفظ كتاب الله وتعظيمه، ما ترك أثرًا طيبًا في أجيالٍ تعاقبت على القرآن حفظًا وتلاوةً وفهمًا. ولقيت الجمعية في مسيرتها عنايةً ودعمًا كريمًا من سعادة الشيخ محمد بركة بن مبيريك، محافظ رابغ سابقًا، ممّا أعان على توطيد رسالتها، وتوسيع أثرها في خدمة كتاب الله وأهله، وهو من جميل ما يُذكر لأهل الفضل في مؤازرة أعمال الخير.
كما كانت للشيخ عتيق الله رحمه الله عنايةٌ بأعمال البر والإحسان، وإسهامٌ محمودٌ مع مجموعةٍ من أهل الفضل والخير من أهل الأبواء في تأسيس جمعية البر الخيرية بالأبواء، رغبةً في نفع المحتاجين، والإعانة على مصالح الناس، وترسيخًا لمعاني التكافل والرحمة بين أهلها.
وتولّى إدارة مدرسة تحفيظ القرآن الكريم الابتدائية بمحافظة رابغ، فكان فيها مربّيًا قبل أن يكون مديرًا، يعرف أن النفوس الصغيرة لا تُؤخذ بالشدّة وحدها، بل بالمحبّة والقدوة، فقرّب طلابه إليه، وغرس فيهم تعظيم القرآن، وأخذهم بالأدب والسكينة وحسن السمت.
وكان إمامًا لمسجد غيث بمحافظة رابغ، كما خطب الجمعة في عددٍ من جوامع المحافظة، فعُرف بخشوع القراءة، وصدق العبارة، وحسن الإلقاء، فإذا اعتلى المنبر خرج كلامه هادئًا، صادقًا، كأنما يخرج من قلبٍ قد صفا مما يشغله إلا النصح. وكانت له في صلاة التراويح قراءةٌ محبّبة إلى النفوس؛ قراءةٌ خاشعة، ونبرةٌ ندية، وإقبالٌ على القرآن يشفّ عن صدق صلته بكتاب الله.
ثم مضى رحمه الله إلى ربّه، بعد عمرٍ ملأه بما أبقى أثره، وأحسن ذكره، من خدمةٍ للقرآن، وسعيٍ في المعروف، وعنايةٍ بما ينفع الناس. غير أنّ أمثال هؤلاء لا تنقطع آثارهم برحيلهم؛ إذ يبقى لهم في الناس نصيبٌ من الذكر الجميل، وفي القلوب موضعٌ من الدعاء، وفي أعمال الخير أثرٌ لا يزول؛ في حافظٍ لكتاب الله تعلّم، أو محتاجٍ أُعين، أو نفسٍ اهتدت إلى خيرٍ كانوا سببًا فيه.
رحم الله أبا خالد، الشيخ عتيق الله بن عطية المحمدي، رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه من خدمة القرآن والإحسان إلى الخلق في موازين حسناته، وأبقى له الذكر الحسن في عباده الصالحين، ونفع بسيرته كما نفع بعمله.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
أذانٌ يملأ الوادي ومعلّمٌ يملأ القلب
لم يكن الأذان في حيّ الفارع بالأبواء مجرّد صوتٍ يعلو من مئذنة، ثم ينقضي أثره بانقضاء صداه، بل كان نداءً يأخذ بمجامع القلوب، ويوقظ في النفوس معنى السكينة والإقبال. فإذا ارتفع صوت أستاذنا الشيخ محمد بن عوض المحمدي رحمه الله خُيِّل إلى السامع أنّ للوادي إصغاءً، وللجبال تجاوبًا، وأنّ النسيم نفسه قد أبطأ خطوه؛ ليحمل ذلك النداء إلى البيوت والقلوب.
كان أذانه بمقام الحجاز أذانًا له مهابةُ القرار وعذوبةُ الارتفاع، يبدأ من عمقٍ مطمئنٍ كأنّه خارجٌ من سكينة الأرض، ثم يأخذ في الصعود شيئًا فشيئًا، كما يتكشّف الصبح عن وجهه الهادئ. فإذا قال: الله أكبر، أحسست أنّ للمكان وقارًا جديدًا، وأنّ القلب قد خفّت عنه أثقال الدنيا قليلًا، وإذا قال: حيّ على الصلاة، جرت في صوته رِقّةٌ آسرة، كأنّه لا ينادي الأقدام إلى المسجد فحسب، بل يدعو الأرواح إلى مقامٍ من الطمأنينة لا يُدرَك إلا بالقرب من الله.
وكان إذا أمَّ الناس في الصلاة، سَمِعتَ في تلاوته اجتماعَ الخشوع وحسن الأداء؛ فلا تكلّف في النبرة، ولا تصنّع في القراءة، ولكن صوتٌ خرج من قلبٍ امتلأ إيمانًا، فوقع في القلوب موقع القبول. إن مرّ بآية رحمةٍ لان صوته حتى كأنّ الرحمة تُتلى مع الآية، وإن مرّ بآية وعيدٍ استقرّ القرار في نبرته استقرارًا يبعث الهيبة في النفوس. وكان لصوته من الطمأنينة ��ا يجعل المرء يخرج من الصلاة وفي قلبه شيءٌ من السكون الذي لا تُفسّره الكلمات.
وفي مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، كان هو أستاذنا في الصفّ الأوّل الابتدائي؛ وهناك بدأت صورةٌ أخرى من صور أثره الجميل. دخلنا عليه ونحن في أعمارٍ غضّة، تتقدّمنا رهبةُ المدرسة الأولى، وتخالط قلوبنا دهشةُ البدايات. فما لبث أن بدّد بلطفه ما استقرّ في نفوس الصغار من خوف، وجعل المدرسة مكانًا تألفه الأرواح قبل أن تألفه الأقدام.
لم يكن يعلّمنا الحروف تعليمًا جافًّا، ولا يعاملنا معاملةَ من يؤدّي وظيفةً تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي، بل كان يأخذ بأيدينا إلى المعرفة برفقٍ وصبر، ويغرس ف��نا من حسن الخلق قبل العلم، ومن محبّة المدرسة قبل الدرس. فكم من قلبٍ صغيرٍ فتحه بكلمةٍ طيّبة، وكم من رهبةٍ أزالها بابتسامةٍ صادقة، حتى غدت المدرسة في شعورنا، امتدادًا لطمأنينة البيت.
وأشهدُ وحقٌّ للتلميذ أن يشهد لمعلّمه بالفضل أنّه كان أوّل من أصغى إلى صوتي بعين المعلّم وفراسة المربّي؛ فاستخرج من تلميذه نبرةً رآها أهلًا لأن تُسمَع، وقدّمني إلى الإذاعة المدرسية، وفتح لي من أبواب الكلمة والإلقاء ما لم أكن أتصوّره يومئذٍ. ووضع يدي على الميكروفون للمرة الأولى، لا على سبيل التجربة العابرة، ولكن كأنّه يضعها على عتبة طريقٍ سيمتدّ بفضل الله حتى يبلغ إذاعة جدة وإذاعة صوت العرب بالقاهرة. وما كانت تلك الثقة خاطرًا يمرّ، بل كانت من البدايات المباركات التي تُعين المرءَ على أن يهتدي إلى بعض ما أودع الله فيه من موهبةٍ وميل.
رحل أستاذنا عن دنيا الناس، غير أنّ بعض الناس لا يرحلون كاملين؛ لأنّ آثارهم تبقى شاهدةً عليهم. وما زال صدى أذانه في ذاكرة من عرفوه يجري في مسالك الحنين، وما زالت صورته في الصفّ الأوّل حاضرةً في نفوس تلاميذه؛ ذلك المعلّم الذي جمع الله له بين هداية الصوت في المئذنة، وهداية الكلمة في الفصل.
رحم الله أبا موسى الشيخ محمد بن عوض المحمدي رحمةً واسعة، وجعل ما علّم وغرس، وما أذّن وقرأ، في موازين حسناته، وأبقى له الذكر الجميل في قلوب من عرفوا فضله، فما أجمل أثر المعلّم إذا اقترن بالخلق، وما أبقى صوت المؤذّن إذا خرج من قلبٍ عامرٍ بالإيمان.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
الكريم المنصف
عجيبةٌ هي الذاكرة، تُغربل ركام الأيام فلا تُبقي إلا وجوهًا مُضيئة، وأسماءً لها في القلب مقعدٌ لا يزول. وهذا من سنن النفوس، أن تميل القلوب إلى أهل الوفاء، وتنجذب الأرواح إلى أصحاب الصفاء.
كان الشهم الكريم محسن بن حسن اليوبي، رحمه الله، واحدًا من رجالٍ لا تطوي ذكراهم السنون، ولا تمحو أثرهم الأيام؛ رجالٍ كُتبت سيرتهم في القلوب قبل أن تُسجَّل في الدفاتر، وبات ذكرهم حياةً أخرى تسري مع الأودية والجبال، فلا يغيبون وإن غابت أجسادهم.
في وادي الأبواء، ذلك الوادي العريق الذي تهمس جباله بحكايا السنين، عاش أبو حسين كما يعيش الكبار كريم النفس، وفيًّا في الود، صادقًا في الموقف، لا يبدّل ولا يتبدّل.
من عرفه، عرف فيه صدق ال��عشر، وحسن الخلق، ونبل الموقف؛ فإذا تحدّث طرق القلوب قبل أن يبلغ الأسماع، فأنصتت الأرواح قبل الآذان. كان قلبه معلّقًا بالخير، ولسانه لا يعرف إلا طيب القول. لا يعرف المراوغة في حديثه، ولا الحقد في صدره، وإذا ما خاصم، خاصم بعقلٍ يزن الأمور بميزان الرجال، لا بأهواء الصغار.
فإذا دعت الحاجة إلى الموقف الصارم، رأيت في عينيه وقار المروءة، لا قسوة الجهّال. وإذا التبس الأمر وكان الحق لخصمه، أنصفه من نفسه؛ فحكمه العدل، وديدنه الإنصاف. كان رحمه الله ممّن لا يُساوم على دينٍ، ولا يُفرّط في مروءة.
وكان كريم اليد، واسع الصدر، يُكرم الضيوف عامة، والعمالة الوافدة خاصة؛ يرقّ لغربتهم عن الأهل والولد، ويعلم ما يلقونه من عناء العمل ووحشة البعد، ولا سيما في شهر رمضان، حين تغيب عن كثيرٍ منهم موائد الأسرة ودفء الاجتماع. فكان يقيم لهم موائد إفطار الصائمين، يبسطها بمحبةٍ وسخاء، ويأنس باجتماعهم عليها، كأنما أراد أن يخفف عنهم مشقة الغربة، ويشعرهم بأن لهم في هذه الأرض قلوبًا ترعاهم، وأيديَ تمتد إليهم بالخير والمودة.
ولم يكن عطاؤه مقصورًا على ذلك، بل كان يهتم بترميم المساجد، ويسعى في إعانة الأسر المحتاجة، يبتغي بذلك وجه الله، ويؤثر الخفاء على الضجيج، فلا يُرى في موطن إحسانه متكلّفًا، ولا في معروفه متباهيًا.
وكان يرى في ذلك عبادةً يتقرّب بها إلى الله، وخُلُقًا يليق بالرجل الأصيل الذي لا يهنأ بطعامه ما لم يشارك فيه غيره.
وفي أيامه الأخيرة، حين أخذ المرض من الجسد مأخذَه، وأثقل الوهن خطوه، لم تضعف نفسه، ولم يهن عزمه. حمل آلامه كما يحمل الصابرون البلاء، وقابل قضاء الله برضا لا يعرف التذمّر. كان وجهه الطيب يختصر ألف كلمة، وابتسامته الخفيفة تخبرك أن الرجل يعلم أن الدنيا رحلة قصيرة، وأن الآخرة موعد اللقاء.
فما خارت عزيمته، ولا كلَّ لسانه عن الدعاء، وما سمعه أحد يشكو سوى إلى الله، وما رآه أحد إلا وهو يرفع كفّه يسأل الله الرحمة، لا لنفسه وحده، بل لكل من أحبهم ورافقوه في دربه الطويل.
مضى أبو حسين كما يمضي الغيث بعد أن يترك في الأرض خضرةً، وفي القلوب أثرًا، وفي الأفواه دعاءً يتردّد ما تعاقب الليل والنهار.
رحم الله أبا حسين، وجعل قبره روضةً من رياض الجنان، وأفاض عليه من سحائب الرحمة والرضوان، وجعل ذكراه نديةً تتردد في أودية الأبواء كما يتردّد صدى السيل بين الجبال، وأقامه في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، حيث لا يضيع وفاء الأوفياء عند ربٍّ كريمٍ وهّاب.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
المربّي المصلح
في الناس صفحاتٌ تُروى، إذ تتكفّل آثارُ أصحابها بالتعريف بهم، وتنطق أعمالُهم بما كانوا عليه. ومن تلك الصفحات ما يستحق أن يُستعاد؛ لما فيه من معاني الصدق، وحسن السمت، ولطف المعاملة. وهذه صفحةٌ ل��جلٍ عاش بين الناس قريبًا منهم، نافعًا لهم، تُرى آثارُه في من عرفه، وتبقى ذكراه فيمن خالطه.
هو الأستاذ مصلح بن محمدصالح بن عمير المحمدي رحمه الله، رجلٌ استقامت له الملامح، وحسُن به الذكر، وعُرف بين الناس بما ظهر من سمته، وثبت من أثره. عاش سهلَ الخلق، طيّبَ المعشر، قريبًا من القلوب، لا يتكلّف وُدًّا، ولا يتصنّع خُلُقًا، بل جُبل على اللين، ونشأ على الصفاء.
نشأ على الكفاح، يجمع بين التعلّم والعمل، ويأخذ نفسه بالجدّ والصبر، حتى استقام له طريقه، فدخل ميدان التعليم معلّمًا متقنًا، ثم تولّى الإدارة، فقام بها قيامَ المربّي الناصح، لا مجرّد الموظف المؤدّي. وكانت بد��يةُ تعيينه معلّمًا في غران، ثم انتقل إلى البخترية، ثم استقرّ به المقام في مستورة، فباشر فيها عمله، وأقام على رسالته، حتى ختم خدمته بالتقاعد، بعد سنواتٍ ملأها عطاءً وتربيةً وأثرًا. وكان يرى التعليم رسالةً تُؤدّى، لا وظيفةً تُقضى، فكان يُقدّم تهذيب النفوس على إلقاء الدروس، ويجعل من الأدب أساسًا يُبنى عليه العلم، فينشأ الطالب ع��ى خُلقٍ قبل معرفة، وعلى سمتٍ قبل مهارة.
وكان رحمه الله سهل اللقاء، بشوش المحيّا، إن تكلّم أقبلت عليه الأسماع ثقةً وطمأنينة، لما يجدونه في حديثه من صدقٍ وهدوء، ومن تجربةٍ تُهذّب العبارة، وتُقوّم المعنى.
إذا جالسته وجدت في كلامه فائدةً لا تُثقل، وحكمةً لا تُتكلّف، كأنها خرجت من قلبٍ جرّب، لا من لسانٍ تكلّف. وكان إذا حدّثك استرسلت معه، لا تُحسّ بطول، ولا تجد في حديثه ملالًا؛ يسوق القصص في مواضعها، ويُقرّب المعاني بأسلوبه، حتى يخرج السامع وقد أصاب فائدةً، واستحسن عبارةً، واطمأنّ قلبًا.
ولم يكن المسجد عنه ببعيد، بل كان من أوائل مواضعه، يؤمّ الناس حينًا، ويُعن�� بشعائره عنايةَ المحبّ الموقّر؛ حتى ليبادر إلى الأذان أحيانًا، فيسبق إليه، لا تكلّفًا ولا طلبًا لظهور، ولكنها نفسٌ تألف الطاعة وتأنس بها.
وكان يجعل ما في يده وسيلةً للنفع، لا حظًّا يُستأثر به، فيُعين المحتاج، ويجد في البذل راحةً، وفي العطاء سعة، وكان في حبّه للخير يؤثر غيره على نفسه. وكان قلبه رحبًا، يتّسع للناس جميعًا، يُحب لهم الخير، ويحزن لحزنهم كأنه حزنه، فيواسي هذا، ويقضي حاجة ذاك، ويعفو عمّن أساء، فلا يُعرف عنه شدّةٌ في غير موضعها، ولا غلظةٌ تُنفر، بل لينٌ يُؤلّف، وحِلمٌ يُصلح.
وكان يرى الدنيا على حقيقتها، عابرةً لا مُقامة، فيأخذ منها ما يُقيمه، ويترك ما يُثقله، وربّى أبناءه على هذا المعنى، فذكّرهم بحسن الاستعداد، وغرس فيهم تعظيم الصلاة، وحسن التعلّق بالله. وكان يصل الرحم، ويزور المريض، ويعطف على الضعيف، حتى إذا اشتدّ عليه المرض، لم يفارقه ذكر الصلاة، ولم يغب عنه تعظيمها، وقلبه معلّقٌ بالصلاة ما بقي فيه نَفَس.
فلما قضى الله أمره، حزن عليه من عرفه، وذكره من عرفه، وبكى عليه أهلُ مستورة ودعوا له، وشاركهم في الدعاء من العمالة الوافدة، إذ لم ينسوا إحسانه، فدعوا له وأثنوا على سيرته. وقد صُلّي عليه في المسجد الحرام، فكان في ذلك شرفُ مقامٍ، وحسنُ ختام.
مضى رحمه الله، وبقي أثره؛ غاب شخصه، وبقي ذكره، وانقضى عمره، واستمرّ نفعه. فتلك صورةُ مربٍّ مصلح، يُتعلّم منها أن التربية خُلُقٌ قبل أن تكون علمًا، وعملٌ يُرى قبل أن ي��قال.
رحم الله أبا أمين، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأبقى له في القلوب ذكرًا طيبًا، وفي الأعمال أثرًا كريمًا.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
في رحاب البيت العتيق
تمرّ بنا الأيام، فنرى الناس، ونسمع أخبارهم، ونحسب أننا عرفناهم؛ حتى نلقى في الطريق من لا يحدّثك كثيرًا، ولا يشغلك بكثرة الكلام، ثم لا تلبث أن تعرفه إذا نظرت إلى عمله. عندها تدرك أن الرجل ليس بما يقول، بل بما يكون، وأن من الناس من يكفيك أن تراه مرة، لتبقى صورته في نفسك زمنًا طويلًا.
ومن هؤلاء الشيخ عابد بن عبيد الله الأنصاري رحمه الله؛ رجل لا يطلب أن يُذكر، ولكنك تذكره، ولا يتقدّم ليتصدّر، ولكنك إذا جلست إليه وجدت له في النفس موضعًا لا يزول.
عُرف بالصل��ح والتقوى، وكان كريمًا بطبعه، واصلًا لرحمه، حتى صارت صلة الأرحام سمةً له يُعرف بها. وحسن الخلق فيه ظاهر، ولين الجانب فيه راحة، يقرب من الناس فيأنسون به، ويجدون عنده صدق المعشر وحسن اللقاء.
وسعيٌ في الخير لا يُكلّف فيه نفسه ما لا يطيق، ولا يترك ما يقدر عليه؛ إن عرضت له حاجةٌ قضاها، وإن قامت خصومةٌ سعى في إصلاحها، لا ينتظر شكرًا، ولا يلتفت إلى ثناء، يعمل ويمضي، فلا يبقى من عمله إلا أثره.
عمل في البريد سنين، فأدّى الأمانة أداء من يعلم أنها دين في عنقه، حتى عُرف بها، ودُلّ عليه بها. ثم إذا تقاعد، لم يضعف عن العمل، بل اتجه إلى التجارة، لا ليجمع المال، ولكن ليجعل منه وسيلةً إلى الخير، يأخذ منه بقدر، وينفق منه بقدرٍ أوسع.
ومضى رحمه الله ولم يترك مالًا يُذكر، ولكنه ترك ما هو أبقى: ذكرًا حسنًا، وأثرًا طيبًا، وأعمالًا خفية لم تُعرف إلا بعد رحيله؛ كفالة أيتام، وبناء مساجد، وأبواب من الخير لم يكن يحدّث بها أحدًا.
ولشهر رمضان عنده شأنٌ آخر؛ يقف له وقفة العارف بقدره، ويأخذ منه نصيب من عرف فضله. يفطر، ثم يمضي إلى المسجد الحرام، فيصلي التراويح ويقوم اللي��، ويعتكف العشر الأواخر، لا يقطع ذلك إلا لعذر. فإذا كبر سنه، استأجر بجوار الحرم، ليبقى على ما اعتاده من العبادة، محافظًا على عهده، موصولًا بما أحب.
وكان محبًا للقرآن، لا يمله، ولا يفارقه، يجد فيه أنسه، ويجعله زاده.
ومع أن حظه من التعليم شهادة المرحلة الابتدائية حصل عليها في الستينيات الهجرية، يوم كان المتعلم نادرًا، فقد بلغ من الفهم والبصيرة ما يشهد له بتوفيق صادق ونية مخلصة.
وفي مودته وفاء؛ لا يقطع من عرف، ولا ينسى من أحب، يزور المريض، ويتفقد كبير السن، فيأنسون به، ويجدون في حضوره راحة.
وكان إذا جلس في مجلس، تكلّم فأفاد، وقصّ فأمتع، حديثه قريب، ومعناه واضح، فتستمع إليه ولا تمل.
ذلك رجل عاش لله، فبقي له ما عاش له.
رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له، ورفع درجته، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
مُعلِّمُ الرياضيات
في وادي الأبواءِ، حيثُ ينسابُ الهدوءُ في أرجاءِ المكان، وتستقرُّ الطمأنينةُ في ملامحِ الأرضِ والناس، تمضي الحياةُ على سجيّتها، كأنّها لا تعرف التعقيد الذي نصنعه نحن. وفي مثل هذا الموضع، لا تُحفَظُ أسماءُ الرجال بكثرة ما يُقال، ولكن بما يُقيمونه في النفوس من أثر؛ لأنّ ما استقرّ في الداخل لا يحتاج إلى شاهدٍ من الكلام.
ومن أولئك، أستاذنا محمد بن حامد بن سلوم المحمدي، رحمه الله. لا يُذكر على أنّه رجلٌ مرّ من هنا، بل على أنّه معنى أقام هنا؛ فإنّ بعض الناس يكونون في المكان، وبعضهم يكون المكان فيهم.
وكان يُدرِّس الرياضيات، غير أنّه لم يكن يرى فيها أرقامًا تُجمع وتُطرح فحسب، بل كان يرى فيها نظامًا إذا استقام في العقل، استقام به النظر إلى الأشياء كلّها. كان يعلم أنّ المسألة تُنسى، ولكن الطريقة تبقى، وأنّ الجواب يذهب، ولكن الميزان الذي يُعرف به الجواب لا يذهب.
وقد كنتُ أحدَ تلاميذه؛ تتلمذتُ على يديه في الصفّ الرابع الابتدائي بمدرسةِ ابنِ القيم الابتدائية بالأبواءِ، وكان لذلك العهد أثرٌ باقٍ في نفسي.
لم يكن إذا شرح مسألةً يطلب من الطالب أن يحفظ طريقها، بل أن يفهمها؛ لأنّ الطريق إذا فُهمت، أمكن أن تُسلك مرّةً بعد مرّة، ولو تغيّرت المسائل. وكان إذا أخطأ الطالب لم يقطع عليه خطأه، بل أعاده إلى موضعه، حتى يرى بنفسه كيف وقع، وكأنّه يعلّمه أن يرجع إلى الصواب من داخله، لا أن يُساق إليه من خارجه.
وكان هادئًا في طريقته، لا يرفع صوته ليُسمِع، بل يُحسن كلامه ليُفهِم. فإذا تكلّم، لم يكثر، وإذا شرح، لم يُثقِل، حتى يتهيّأ للسامع أنّ الأمر يسير، وأنّ التعقيد ل��س في العلم، بل في اضطراب الطريق إليه.
وكانت حصّتُه على هذا النَّسق؛ لا تُشعِر الطالب بأنّه أمام علمٍ ثقيل، بل أمام أمرٍ يمكن أن يُفهم إذا وُضِع في موضعه. وكأنّه كان يُدرِّب الذهن على الترتيب قبل أن يُدرِّبه على الحلّ، ويُقيم في النفس طمأنينةً تُعين على الفهم.
وأمّا الشعر، فكان عنده وجهًا من وجوه البيان، لا صناعةً يتكلّفها ولا زينةً يتزيّن بها؛ يجيء منه على سجيّته، كأنّ المعنى فيه سابقٌ إلى العبارة، يقودها ولا تنقاد له. ينساب رقيقًا قريبًا، يبلغ القلب في هدوء، ويستقرّ فيه من غير كلفة؛ يكسو الحكمة ثوبًا من البساطة، ويجعلها أليفةً لا تُثقل، واضحةً لا تتمنّع. وإذا نظَم، أحكم السبك من غير تكلّف، فجاء كلامه حديثَ نفسٍ صادقة، لا أثرَ فيه لصنعةٍ تُرى، ولا لزخرفٍ يُطلب.
وكان قريبًا من طلابه، حبيبًا إلى قلوبهم، يعرف أنّ العقول تختلف كما تختلف الأعداد، وأنّ لكلّ واحدٍ طريقه إلى الفهم؛ فكان يُعطي كلَّ ذهنٍ ما يلائمه، ويصبر على كلِّ طالبٍ حتى يبلغ حدَّه، لا يُثقِل عليه بما لا يطيق، ولا يتركه لما لا يُدرك، بل يُقيم له من الصبر ما يُقيم له من البيان.
وهكذا كان أثرُه؛ لا يظهر في كثرة ما قال، بل في كيف غيّر. فمن تعلّم عنده لم يتعلّم جوابًا لمسألةٍ بعينها، بل تعلّم كيف يمضي إلى الجواب، وكيف يرجع إذا أخطأ، وكيف يُقيم لنفسه ميزانًا لا يختلّ.
ويبقى أثرُه حيث وضعه؛ لأنّ من يُقيم في العقول نظامًا، يُقيم فيها ما يعمل بنفسه. وذلك أثرٌ لا يفتقر إلى كثرة الذكر، إذ يقوم بذاته ويستغني ببقائه.
رحم الله أستاذنا أبا عمر، وجعل ما أفاضه من ��لمٍ وأدبٍ وخُلُقٍ ذخيرةً له في ميزان حسناته، وأدام ذِكرَه في الأبواءِ طيّبًا ناميًا، وأبقى أثرَه نورًا ساريًا لا يخبو، وبلّغه منازلَ العليين، وجزاه عن تلاميذه ومحبِّيه أتمَّ الجزاء وأوفاه.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
وجهُ البساطةِ ويَدُ الكرم
الأبواءُ ليست أرضًا تُذكَر، بل ذِكرٌ إذا حضر أحيا، وإذا غاب استعادته القلوبُ شوقًا؛ فإذا مرّ بها الخاطرُ انسكب فيه صفاءٌ لا يُشبِه سواه، وإذا ذُكرت، نهض معها رجالٌ لا تُعرَف أقدارُهم بكثرة القول، ولكن بصدق الأثر، وحُسن الفعل، وخفوت الخطو الذي يترك في النفس ضجيجَ التقدير. ومن هؤلاء العمُّ عبدالعالي بن غالي اليوبي — رحمه الله — رجلٌ عاش بسيطًا، فكَبُر أثرُه، وخفَت ذكرُه، فارتفع قدرُه.
كان مجلسُه — وإن ضاق مكانُه — يتّسع للناس اتّساعَ القلوب الرحيمة؛ يجلس أمام بقالته ومخبزه، صورةٌ صغيرة في ظاهرها، كبيرةٌ في معناها؛ لا تُشبِه المتاجر التي تُقاس بما تُدرّ، بل تُشبه المجالس التي تُوزَن بما تُعطي. تفوح منها رائحة الخبز، غير أنّها لا تقف عند الأنف، بل تبلغ القلب؛ إذ تمتزج برائحة الأُنس، فيخرج الداخل وقد أخذ فوق حاجته، وإن لم يشعر، وكأنّ للمكان سرًّا يهب ولا يُعلِن، ويجود ولا يُذكِّر.
كانت بساطتُه خُلُقًا اختاره، لا يعتريه تكلّف، ولا تُفسده رغبةُ الظهور؛ وكان عطاؤه سجيةً تمضي على سجيّتها، لا تُحصي ولا تُحصى، يمدّ يدَه قبل أن يُسأل، ويُعطي قبل أن يُذكَر، كأنّ العطاء عنده أقربُ إلى الفطرة من التفكير، وأسرعُ إلى القلب من الحساب. وكان رزقُه مبذولًا، تجري به الرحمة بين الناس جريانًا لا يعرف الوقوف، فإذا مسّ يدًا طمأنها، وإذا بلغ قلبًا آنسه.
تراهُ إذا ما جئتَ��ُ مُتَهَلِّلًا
كأنَّكَ تُعطيهِ الذي أنتَ سائِلُهْ
وكان من أهل الأبواء الذين سكنوا القلوبَ قبل الدور، وألِفتهم الأرواحُ قبل المجالس؛ فلا تُوصَف صلتُه بهم، لأنّه منهم وفيهم، يعرفه المكان كما يعرفهم، ويأنس به الناس كما يأنسون بأنفسهم. قريبًا من أهل المدرسة ومعلميها، ومن الأهالي جميعًا، لا يُعرَف بينهم إلا بالألفة، ولا يُذكَر إلا بالمودّة.
فإذا رأى طالبًا خرج من المدرسة، سأله برفقٍ فيه من الأبوة ما يُطمئن: “إلى أين يا ولدي؟” فيجيبه: “طلب مني المدير أن أحضر وليّ أمري”، وفي صوته خوفٌ يعرفه من خبر الصغار؛ خوفٌ من شدّةٍ تنتظره إن عاد إلى وليّ أمره. فيبتسم الع��ُّ ابتسامةً تُبدّد ما في القلب، ويقول: “أبشر، أنا وليُّ أمرك”، ثم يمضي به، لا ليجادل، بل ليُصلح، حتى إذا دخل، سلّم، وقال بلطفٍ يفهمه السامع دون أن يُصرّح به: “ها قد جاء وليُّ أمره”، فينتهي الأمر على ما تُحِبّ القلوب، وكأنّ بينهم عهدًا صامتًا، أن تُحفَظ هيبةُ التربية، وتُصان قلوبُ الصغار.
ومن خفيّ جميله، ما كان يفعله مع بعض الطلاب ممّن ضاقت بهم ذاتُ اليد، فإذا أُغلِقَ بابُ المدرسةِ الخارجيُّ الكبيرُ وقتَ الفسحة، وجدوه عنده، يمدّ إليهم ما يسدّ حاجتهم من طعامٍ من تحته، فيأخذون نصيبهم، ويعودون وقد أخذوا معه شيئًا لا يُرى: طمأنينةً تُسكِّن الجوع قبل أن تُسكِّن البطن. لا إعلان، ولا انتظار شكر، بل عملٌ يمضي كما تمضي الأشياء الصادقة: هادئًا، ثابتًا، بعيدًا عن الضجيج.
وكان من حوله يرون ذلك فيصمتون؛ لأنّ بعض الأفعال يفسدها البيان، وبعض الخيرات يبهتُها الظهور، فإذا خفيت، بقيت، وإذا سُتِرت، نَمَت.
كم من قاصدٍ قصده بلا زادٍ كافٍ، فعاد وقد ا��تلأ قلبُه قبل يدِه، وكم من كلمةٍ قالها فكانت أبلغَ من نصيحة، وكم من ابتسامةٍ بذلها فكانت أصدقَ من مواساة. وكان يقول للصغير: “خذ يا ولدي، رزقُك عند ربك قبل أن يكون عندي”، فيُعلِّم وهو لا يقصد التعليم، ويُهذّب وهو لا يتكلّف التهذيب.
وما كان صاحبَ بقالةٍ ومخبزٍ فحسب، بل صاحب أثرٍ يُعرَف بالفعل لا بالقول�� لأنّ الأثر لا يُصنَع بالكلمات، بل بما تتركه الأيدي في القلوب. وكان مثالًا ظاهرًا، أنّ الإنسان يُعرَف بما يُعطي، لا بما يملك، وأنّ البساطة إذا صدقت، صارت رفعة، وإذا صفَت، صارت قدرًا.
رحم الله العمَّ عبدالعالي بن غالي اليوبي رحمةً واسعة، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، ورفع درجته، وأبقى له في القلوب ذكرًا لا يخبو، وأثرًا لا يزول، وجمعنا به في مستقرّ رحمته، حيث لا ينقطع ودّ، ولا يغيب أثر.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
جلالُ الإدارةِ وبهاءُ البيان
هو العلَمُ الذي سمت به الأخلاقُ، واستقامت به السجايا، وتزيّنت بذكره الصفحاتُ، واطمأنّ بحضوره المكان؛ الأُستاذ حمودُ بنُ حمّاد المحمدي، رحمه الله رحمةً تُغدِق عليه ��ن فيضها، وتجعل له في الصالحين ذِكرًا مؤبَّدًا لا ينقضي ولا يزول.
كان — رحمه الله — ممّن أودع الله فيهم من محاسن الخِلال ما تتفرّق نظائره في غيرهم؛ حِلمٌ إذا جرى ألان، وحزمٌ إذا حضر أقام، ورحمةٌ إذا فاضت أحيت، وهيبةٌ إذا بدت أوقرت؛ فاجتمع له من كمال الخُلُق ما فرّقته الأيام في سواه، فصار مقصودَ القلوب، ومهوى الأفئدة، تُؤنس به النفوس، وتأنس إليه الأرواح.
تولّى إدارة مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، فنهض بها نهضةَ من جمع بين حُسن التدبير ولطف الرعاية، وتمام العناية؛ لا يُديرها بسلطان المنصب، بل بسلطان الخُلُق، ولا يُحكمها بالأمر المجرّد، بل بالقدوة التي تُرى، والأثر الذي يُلمس. فانتظمت به الشؤون انتظام العقد إذا استقام، وسمت به التربية سموّ ا��غصن إذا اعتدل، وغدت المدرسة في عهده مَعينَ علمٍ لا ينضب، ومَغرسَ أدبٍ لا يذبل، ومثابةَ نفوسٍ تُصان وتُهذَّب.
وكان — رحمه الله — لطلابه أبًا شفيقًا، ومربّيًا رفيقًا؛ إن أحسنوا أشرق وجهه سرورًا، وإن أخطؤوا رقّ قلبه عليهم رحمةً، لا يعاجل بالعقوبة، ولا يُقابل الخطأ بالقسوة، بل يسلك مسالك اللطف، ويأخذ بيد ال��فوس حتى تستقيم، وبالقلوب حتى تطمئن؛ فكم من نفسٍ أصلحها، وكم من خلقٍ قوّمه، وكم من طريقٍ سدّده.
وكان حسنَ الخطّ، بديعَ الصنعة، مُحكمَ التحرير، كأن الحروف قد دانت له طوعًا، وانتظمت بين يديه انتظامًا بديعًا لا خلل فيه؛ فخطُّه مرآةُ نفسه، ونفسُه مثالُ النظام والجمال. وكان — حين كان مديرًا للمدرسة — يُدرّس مادةَ الخط، فيجمع بين تعليم الحروف وتهذيب النفوس، حتى صار الخطّ عنده أدبًا يُغرس، قبل أن يكون مهارةً تُكتسب. وكانت أقلامُه الباركرُ الذهبيةُ تجري بين أنامله جريان الطوع بين يدي صاحبه، فتُخرج من البيان ما يَسِمُ السطورَ بهاءً، ويُكسِب المعاني رونقًا.
وله — ��حمه الله — سمتٌ وقور، وطلعةٌ بهيّة، وهيبةٌ ساكنة، تسبق حضوره، وتدلّ عليه قبل أن يُرى؛ كأنّ المكان إذا أحسّ بقربه تهيّأ، وإذا حلّ فيه سكن، وإذا مرّ به أنِس، فكان حضوره طمأنينة، وهيبته محبوبة، وطلعته راحةً للنفوس.
وأما لسانُه، ففصيحٌ سليم، رصينُ العبارة، لا ينطق إلا بحكمة، ولا يقول إلا ما يُحمد؛ إن تكلّم أوجز فأ��لغ، وإن سكت أفاد فأعمق، فكلامه دررٌ تُنتقى، وصمته فِكرٌ يُستصفى.
فاجتمع له — رحمه الله — حُسنُ التدبير، وجمالُ الخط، وبلاغةُ البيان؛ فكان في الإدارة ميزانًا، وفي الخط مثالًا، وفي الفصاحة عَلَمًا.
ومن مآثره الإدارية — رحمه الله — ما دلّ على سابقةِ فضلٍ، ومتانةِ رأيٍ، وحُسنِ تدبيرٍ؛ إذ كان أوّلَ من تقلّد إدارةَ متوسطة الأبواء حين استقلّت عن مدرسة ابن القيم، فأنشأها إنشاءَ من يُحسن الوضع، ويُتقن البناء، حتى استقامت قواعدُها، ورسخت دعائمُها، واستنارت بآثاره أرجاؤها. ثم تولّى إدارةَ مدرسة حمزة بن عبدالمطلب بمستورة، فقام عليها قيامَ المربّي البصير، وأداره�� إدارةَ الخبير الحكيم، وأفاض عليها من محاسن أخلاقه ما زان ظاهرها، وأصلح باطنها، فجرت على يديه في نظامٍ محمود، واستقامةٍ مشهودة. وكان — إلى ذلك — من المؤسِّسين للجمعية التعاونية بالأبواء، وأوّلَ رئيسٍ لمجلس إدارتها، كما كان من المؤسِّسين لجمعية البرّ الخيرية بالأبواء، فمدّ أثره من التعليم إلى التكافل، وغرس في المجتمع معاني العطاء، حتى صار له في كل ميدانٍ أثرٌ، وفي كل بابٍ من أبواب الخير سهمٌ.
غير أنّ جماعَ أمره، ولبَّ فضله، إنما هو قلبٌ كبير، كالبحر في سعته، وكالغيث في نفعه؛ وسِع طلابه محبةً، واحتضن زملاءه مروءةً، وبسط على من حوله ظلًّا من الألفة، كأنّه سحابٌ إذا مرّ أخصب، وإذا نزل أنبت، وإذا غاب أبقى أثره حيًّا لا يزول.
ولا تزال تلك المواقف جليلةَ الأثر في القلوب؛ كلمةٌ تُقيم نفسًا، ونظرةٌ تُحيي أملًا، وموقفٌ يُنبت خلقًا… آثارٌ صغارٌ في صورها، كبارٌ في معانيها، لأنها خرجت من قلبٍ إذا أعطى أغنى، وإذا أثّر أبقى.
ثم غاب — رحمه الله — عن الأبصار، وبقي في القلوب أثرُه، وفي الدعاء ذكرُه.
رحم الله أبا محمد، ��حمةً واسعةً تليق بفضله، وأجزل له المثوبة، ورفع درجته في عليين، وجعل ما قدّم من الخير نورًا في قبره، وضياءً في آخرته، وجمعنا به في دارٍ لا فراق فيها ولا انقطاع..
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
صفاءٌ وتواضع
تأتي العظمةُ هادئةً… لا تستأذن، ولا تُعلن قدومها، ولكنك تشعر بها حين تحضر.
تراها في سكينة الوجه، وفي صدق الكلمة، وفي أثرٍ يبقى بعد أن يمضي صاحبه.
هي شيءٌ يُحَسّ أكثر مما يُقال، ويُعرَف أكثر مما يُوصَف؛ كأنها نورٌ خفيف، إ��ا سكن في إنسانٍ أضاءه، ثم أضاء من حوله دون ضجيج.
وفي هذا الصفاء الذي لا يحتاج إلى بيان، يجيء ذكرُ الشاعر عطيّة الله بن حسين بن عودة اليوبي رحمه الله؛ ذكرًا طيبًا، وحضورًا هادئًا، وأثرًا لا يغيب.
كان رحمه الله مهيبًا في بساطته، هادئًا في حضوره، تشعر به قبل أن يتكلم، وتفهمه قبل أن يطيل الحديث. إذا دخل مجلسًا سكن، وإذا تحدّث أصغى الناس، لا لأن صوته عالٍ، بل لأن كلمته صادقة.
لم يكن يستعجل، ولا يندفع، ولا يقول ما لا يحتاج إلى قول. كان هدوؤه جزءًا منه، كأنه خُلق معه، وفي هذا الهدوء معنى الطمأنينة، ومعنى الحكمة، ومعنى الرجل الذي يعرف متى يقول، ومتى يترك للكلمة أن تأتي في وقتها.
وكان ذكيًّا بطبعه، حاضر الذهن، يلتقط المعنى سريعًا، ويفهم المقصود دون عناء. لا تفوته الفكرة، ولا يمرّ عليه الحديث مرور العابرين، بل يقف عنده، يتأمله، ثم يأخذ منه ما يستحق أن يُؤخذ.
وكان قريبًا من الناس، بسيطًا في تعامله، لا يتكلّف، ولا يتعالى. تحبّه لأنك تشعر أنه صادق، وأنه كما يبدو هو كما هو. يجلس مع الجميع، ويُحسن إلى الجميع، ويترك في كلّ نفسٍ أثرًا طيبًا.
أما شعره، فكان يشبهه تمامًا.
هادئًا، صادقًا، واضحًا… يصل إلى القلب بسهولة، ويبقى فيه دون عناء. لم يكن يبحث عن الغريب من الألفاظ، ولا عن التعقيد، بل كان يكتب كما يشعر، ويقول كما يرى، فتخرج كلماته قريبة، جميلة، صافية.
كان شعره إحساسًا قبل أن يكون عبارة، وتجربةً قبل أن يكون صنعة. ولهذا كان يصل، ويُحَبّ، ويُذكَر.
وقد جمع رحمه الله بين قوةٍ هادئة، وذكاءٍ لطيف، وتواضعٍ صادق، وإحساسٍ مرهف. صفاتٌ إذا اجتمعت في إنسانٍ تركت له مكانًا في القلوب لا يُنتزع.
وهكذا يُذكَر… لا بكثرة ما قيل، بل بصدق ما كان.
يُذكَر بهدوئه، وبأثره، وبشعرٍ خرج من قلبٍ نظيف، فبقي نظيفًا في الذاكرة.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل أثره الجميل شاهدًا له، وأبقى ذكره طيبًا في القلوب كما كان طيبًا في الحياة.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
سيرةُ يقينٍ وأثر
ليس في حياةِ الإنسانِ ما يُنقِصُه إن أحسن حملَه، ولا ما يرفعه إن قصّر في حقّه؛ فالأقدارُ تمضي، ولكنّ الذي يبقى منها أثرُها في النفوس.
وما الناسُ بما مرّ بهم، ولكن بما ثبتوا عليه، وبما خلّفوه من ذكرٍ طيّبٍ في القلوب، إذا ذُكروا حضروا، وإذا غابوا دلّت آثارهم عليهم.
وفي هذا المعنى تُذكَر سيرةُ رجلٍ عُرف بين أهله وناسه بما قدّم، لا بما اعترض طريقه، وبما أبقى، لا بما فاته…
سيرةُ المربّي الفاضل، الشاعر، الأستاذ عبدالهادي بن حمد بن وصل الله ��لمحمدي.
وُلِد في الأبواء، تلك القرية التي تهدأ بها النفوس، وتأنس بها القلوب، ونشأ في بيئةٍ أصيلةٍ يغلب عليها الصفاء والبساطة. وكانت بداياته هادئةً كهدوء المكان، غير أنّها كانت تحمل في طيّاتها ملامح رجلٍ يمضي بثباتٍ نحو ما يريد.
ومع سنواته الأولى، مرّ بتجربةٍ لم تقف في وجهه، بل صاغت في نفسه عزيمةً أبقى، فمضى بعدها في طريقه بهدوء الواثق، ونفسٍ تعرف وجهتها، لا تلتفت كثيرًا إلى ما يعترضها، بقدر ما تمضي إلى ما أمامها.
وكانت أمّه — رحمها الله — قريبةً منه، سندًا وحنانًا، أحاطته بعنايةٍ صادقة، فكان لذلك أثرٌ ظاهر في تماسكه، وثباته، ومضيّه في حياته على هذا النسق ��لهادئ المتزن.
التحق بمعهد الأمل بالمدينة المنوّرة، وهناك بدا تميّزه في الجدّ والاجتهاد، حتى حفظ كتاب الله، فكان القرآن له أنيسًا، ورفيقًا، ونورًا يهديه في مسيرته، يلوذ به في سكونه، ويستضيء به في خطواته.
ثم تخرّج، فعاد إلى المعهد ذاته مربّيًا ومعلّمًا، يردّ بعض ما ناله إلى غيره، ويُسهم في بناء نفوسٍ جديدة. كان يُعلِّم بهدوء، ويُربّي بحكمة، ويغرس في النفوس معاني الثقة والعمل، دون ضجيجٍ أو ادّعاء.
وكان شاعرًا، غير أنّ شعره لم يكن ترفًا لفظيًّا، بل تعبيرًا صادقًا عن تجربةٍ ناضجة، ونفسٍ تأمّلت الحياة، فخرجت منها بكلمةٍ قريبةٍ من القلب، بعيدةٍ عن التكلّف، فيها من الصدق ما يكفي ليبقى أثرها.
ولم يكن حضوره في الناس حضور شاعرٍ فحسب، بل حضور رجلٍ يُصلح ويجمع، يدخل شؤون الناس برأيٍ متّزن، وكلمةٍ موزونة، وسكينةٍ تُطمئن، فيكون حضوره نافعًا، وكلامه موضع قبول.
تنقّل بين الأبواء والجموم ومستورة ورابغ والمدينة المنوّرة، وكان في كل موضعٍ يترك أ��رًا طيّبًا، وذكرًا حسنًا، وسيرةً تُحفظ في القلوب، دون أن يسعى لذلك، أو يتكلّفه.
ثم انطوت أيّامه في سكينةٍ تليق بمن أحسن المسير، بعد حياةٍ امتلأت بالعطاء، وترك في الناس أثرًا لا يزول؛ فمَن عاش للمعاني لا يغيب، ومَن عمّر القلوب لا يُغيَّب.
رحم الله الأستاذ عبدالهادي بن حمد بن وصل الله المحمدي، وجعل ما قدّمه في موازين حسناته، وأبقى ذكره طيّبًا في القلوب، ونفع بسيرته كل من عرفه أو سمع به.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
سيرةُ صوتٍ وحكمة
تستقرّ في الذاكرة أسماءٌ لا لأنّها طافت كثيرًا على الألسن، بل لأنّها لامست في النفوس موضعًا رفيعًا لا تناله المصادفة. أسماءٌ إذا ذُكرت حضر معها معنى الوقار، وإذا استُعيدت انبعثت منها سكينةٌ رقيقةُ الظلال، كأنّ الذكرى نفسها تُحسن الأدب في حضورها. وكان الشيخ حظيظ بن سليم اليوبي رحمه الله من تلك الأسماء التي يجيء ذكرها مقرونًا بالطمأنينة، ومشحونًا بإجلالٍ هادئٍ يستقرّ في القلب قبل العبارة.
في الأبواء، تلك الربوع الهادئة التي تتآلف فيها بساطة العيش مع صفاء النفوس، وتنساب فيها الأيام على مهلٍ كجريان النسيم بين النخيل، كان حضوره — رحمه الله — امتدادًا طبيعيًا لروح المكان، وصورةً من صور طمأنينته. هناك حيث تتقارب القلوب قبل المجالس، وتبقى القيم حيّةً في السلوك قبل الأقوال، عرفه الناس مثالَ السمت الرزين، وهيئةً يفيض منها الوقار كما يفيض الضوء من صبحٍ ساكن.
كان — رحمه الله — رجلًا إذا حضر أشاع في المكان هدوءًا، وإذا جلس بثّ في المجلس سكينةً، وإذا أنصت أحسست أنّ للصمت عنده معنى، وأنّ للسكون في هيئته بيانًا. فإذا تكلّم جاء منطقه موزونًا بميزان الحكمة؛ لا إفراط يُثقِل، ولا تقصير يُخلّ، بل اعتدالٌ جميلٌ يمنح الكلمة قدرها، ويهب المعنى مكانه.
وحكمته لم تكن طارئةً على لسان، بل مستقرةً في طبع. رأيٌ يتّزن، ونظرٌ يتروّى، وإشارةٌ تُغني عن الإطالة. كان يُحسن وضع الكلمة في موضعها، كما يُحسن وضع الميزان في كفّ العدل؛ فلا عجلة تُربك، ول�� حدّة تُفسد، ولا هوى يُضلّ. وإذا عُرضت عليه الأمورُ بدا رأيه فيها سدادًا يُطمئن، وإنصافًا يُقنع، ورحمةً تُلطّف ما قد يشتدّ من أطرافها.
وكان إلى ذلك، مرجعًا تطمئنّ إليه النفوس، وتألفه القلوب. تُقصَد مشورته في الملمّات، وتُستضاء حكمته عند اشتباك السبل.
يجمع بين الحزم والرفق جمعًا بديعًا؛ حزمٌ لا قسوة فيه، ورف��ٌ لا ضعف معه. يحفظ للحقّ مكانه، وللقلوب حرمتها، وللمقام أدبه؛ فإذا نطق سكن الغضب، وإذا حكم اطمأنّ الخصام، وكأنّ في منطقه طمأنينةً تُهدّئ، وفي رأيه عدلًا يُرضي.
وأما خُلُقه رحمه الله، فكان صفحةً من الصفاء تُقرأ في التعامل قبل القول. تواضعٌ يُحبّب، وأدبٌ يُقرّب، وبشاشةٌ تُؤنس. يألفه الجليس لدماثته، ويوقّره لسمته، في انسجامٍ لطيفٍ بين القرب والهيبة، لا تنافر فيه ولا تكلّف، بل تآلفٌ جميلٌ كأخلاقه.
وشاعريته نفحةُ وجدانٍ صادق؛ كلماتٌ تنبض بإحساسٍ حيّ، ومعانٍ تتجلّى في صورةٍ قريبةٍ من النفس. لم يكن القول عنده صنعةَ تكلّف، بل أثرَ شعورٍ صافٍ؛ فإذا أنشد حضر الصدق، وإذا عبّر بان أثر الإحساس، واستقرّت الكلمة في موضعها كما تستقرّ المعاني الصادقة في القلوب.
الشيخ حظيظ بن سليم اليوبي رحمه الله سيرةٌ مطمئنّةُ الظلال، نقيّةُ الأثر، كريمةُ المعنى. رجلٌ امتزج ذكره بذاكرة الأبواء، كما تمتزج الطمأنينة بأهلها، وكما تستقرّ المعاني الجميلة في مواضعها.
رحمه الله رحمةً واسعة،
وغفر الله له وأكرم نزله،
وجعل ما قدّم في ميزان حسناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
رجلٌ من أهل الخير
في الأبواء رجالٌ عُرفوا بالخير، واشتهروا بالمروءة، وبقي ذكرهم متداولًا لما عُرف عنهم من صدق السيرة وحسن الأثر، وإذا غابوا حضرت آثارهم صفاءً وطمأنينة. وكان الشيخ عوض الله بن سعد بن شريقي المحمدي رحمه الله من أولئك الذين اجتمعت فيهم خصال الكرم، وحسن العبادة، وسلامة القصد، فكان معروفًا بين أهله وجيرانه بما جُبل عليه من الإحسان وبذل المعروف.
كان رحمه الله كريمَ السجية، سخيَّ السريرة، واسعَ العطاء، قد سخّر الله له من الرزق ما جعله سببًا للخير، ومجالًا للإحسان. وكانت له مزرعةٌ عامرة، ينتفع الناس بثمارها وخيراتها، وقطيع من البقر، فانتفع الناس بثمرها، وشربوا من ألبانها، وأكلوا من لحومها، وكان قِرى الضيف عنده حاضرًا غير متكلّف، والسمن واللبن لا ينقطعان عن بيته.
وكان رزقه واسعَ الأفق، فيّاضَ البركة، لا يُحبَس عنده، ولا يُكدَّس في خزائنه، بل يجري إلى الناس جريان الغيث، كلما أُخذ منه زاد، وكلما أُعطي بورك فيه، حتى صار ما في يده معروفًا، وما يخرج منها مألوفًا، لا يُستغرب ولا يُستثقل.
وكان رحمه الله مضيافًا بطبعه، يرى في إكرام الضيف حقًا لازمًا، وفي القيام به شرفًا لا يُفرّط فيه. فبيته مقصد، ومائدته مأوى، لا يُردّ فيه قاصد، ولا يُخيّب فيه آمل، وكا�� يُكرم ضيفه بطيب النفس قبل طيب الطعام، وبحسن اللقاء قبل كثرة الزاد.
وأما عبادته، فكانت معروفة بالمواظبة والصدق. كان حريصًا على الصلاة في المسجد، ملازمًا للجماعة ما استطاع، شديد العناية بصلاة الفجر خاصة، لا يمنعه مرض، ولا يثنيه مطر، ولا يرده برد. وكان إذا خرج إلى المسجد رفع صوته بال��هليل والتكبير، فيوقظ الجيران، ويبعث الهمة في النفوس، ويذكّر الغافلين بفضل الوقت، لا رياءً ولا تصنّعًا، وإنما محبةً للخير، وحرصًا على الجماعة.
وقد جمع رحمه الله بين حسن العبادة وصدق المعاملة، وبين كرم اليد وسلامة الصدر، فكان موضع احترام من عرفه، ومحل تقدير من خالطه، لما اتصف به من لين الجانب، وحسن الخلق، والبعد عن التكلف.
رحمه الله رحمةً واسعة، وغفر له، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وجزاه عن إحسانه خير الجزاء.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
مُحبُّ الأبواء وحبيبُها
في الأبواء، حيث تنبض الحياة في الوادي خُضرةً ونخيلًا، وتجاور المزارعُ جبالَها، وتبسط السهولُ بهاءها وجلالها، نشأ رجلٌ أحبّ هذه الأرض كما يُحب�� القلبُ نبضَه، وكما تُحبّ الروحُ مأواها. كان يجد في خُضرتها أنفاس الطمأنينة، وفي جبالها صلابة العزم، وفي نخيلها كرم العطاء، وفي واديها صفاء الروح ونقاءها. من تلك البيئة خرج، يحمل ملامحها في سلوكه، ويعكس أصالتها في خُلُقه، حتى غدا ابنًا بارًّا بها، يزيّنها بحضوره، ويشرّفها بسيرته، ويُجسّد فيها معنى الوفاء قبل الادّعاء. الأستاذ سالم عبد السلام عطية الله الشيخ – رحمه الله – بقي أثره شاهدًا، وذكره خالدًا، وسيرته ناصعةً لا تُوارى.
عاش بين الناس دمثَ الأخلاق، سهلَ المراس، ليّنَ الجانب؛ قريبًا من القلوب، بعيدًا عن التكلّف والعتاب. يحنو على المساكين فيحنون عليه، ويؤنس مجالس الكبار بعطفه وابتسامته، فلا يعلو صوته، ولا يثقل حضوره. إذا طُرق بابه فُتح، وإذا قُصد جاهه وُجد، وإذا استُغيث بخلقه أُغيث. ولم يكن التعليم عنده حروفًا تُملَى، ولا مناهجَ تُتلى، بل رسالةً تُؤدّى، وأمانةً تُراعى، وحياةً تُزرع في العقول، وروحًا تُغرس في القلوب.
حمل الطباشير كما يحمل المصباح نورَه؛ لا يتباهى بضوئه، بل يهدي به الطريق. فإذا وقف في الصفّ المدرسي كان كالضياء يتسلّل إلى براءة الطفولة، يعلّم بصبر، ويُقوّم برفق، ويزرع قبل أن يحصد. وحين عمل إداريًا في متوسطة حسان بن ثابت كان إداريًا مخلصًا، منضبطًا بلا قسوة، حازمًا بلا جفاء، يجمع بين الدقّة والرحمة، وبين النظام والإنسان. أشاد به الموجّهون كما يُشاد بالبنيان المتين، وأثنى عليه المربّون كما يُثنى على الغيث إذا عمّ، وعلى العطاء إذا تمّ.
ولم تقف بصماته عند أسوار المدارس، بل تجاوزتها إلى المجتمع كلّه؛ فكان حكيمَ المجالس، ومرجعَ الخواطر، ووسيطَ القلوب. إذا اشتعلت نار الخصومة كان هو الماء، وإذا تباعدت النفوس كان هو اللقاء. يجمع المختلفين بالكلمة الرصينة، ويؤلّف بين المتباعدين بالابتسامة الحانية؛ فإذا تكلّم أنصت السامعون، وإذا وعد اطمأنّ المتخوّفون، وإذا حضر استقام المجلس وسكنت الأصوات.
بقي أثره حيًّا في القلوب؛ صامتًا في غيابه، ناطقًا بسيرته. فما من طالبٍ إلا ويذكره بدعوة، وما من جارٍ إلا ويستحضره بدمعة، وما من صديقٍ إلا ويراه قدوةً ومعلّمًا قبل أن يكون صاحبًا. ترك للأجيال ميراث محبّة لا يَبلى، وسجلّ وفاء لا يُمحى، ونموذج حكمة يُحتذى، حتى صار ذكره بلسمًا للنفوس، وسيرته سكينةً للقلوب.
نسأل الله أن يتغمّده برحمته الواسعة، ويغفر له مغفرةً شاملة، ويُسكِنه الفردوس الأعلى؛ حيث لا نصبَ ولا لغوب، ولا فُرقةَ ولا غياب، مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. وستظلّ الأبواء تذكره كما يذكر الوادي خرير مائه، وتباهي به كما تباهي الجبال شموخها، وتحفظ اسمه كما تحفظ النخلة تمرها، ليبقى شاهدًا على أنّ في هذه الأرض رجالًا إذا أحبّوا صدقوا، وإذا خدموا أخلصوا، وإذا رحلوا بقوا.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي