.
في أقاصي الأرض، تبدأ سيرة ملك طاف البلاد، وبلغ مغرب الشمس ومطلعها، وخلّد القرآن خبره في سورة الكهف، في سيرة تكشف كيف يكون التمكين حين يقترن بالعدل، وكيف يبقى الفضل لله مهما عظمت قوة الإنسان.
بدأت رحلته بأسباب التمكين التي آتاه الله إياها:
﴿ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا﴾
فسار نحو مغرب الشمس، وهناك ظهر عدله في موقفه من قوم وجدهم عندها، فلم يُسَوِّ بين الظالم والمحسن:
﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا﴾
ثم واصل سيره نحو مطلع الشمس، حتى بلغ قوما لم يجعل الله لهم من دونها سترا:
﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا﴾
ومضى يتبع الأسباب، حتى بلغ بين السدين، حيث وجد قوما يشكون فساد يأجوج ومأجوج، ويلتمسون منه أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يحميهم من أذاهم:
﴿ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا﴾
لكن ذا القرنين لم يجعل حاجتهم بابا للتكسب، بل رد عليهم بما يكشف عن إدراكه لفضل الله عليه، وطلب منهم أن يعينوه بقوتهم:
﴿قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾
ثم طلب زبر الحديد، وأقام ردمه بين الجبلين، حتى إذا ساوى بين الصدفين، أوقد النار على الحديد، ثم أفرغ عليه النحاس المذاب، فارتفع بناء عجز يأجوج ومأجوج عن اعتلائه أو نقبه:
﴿آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا﴾
وبعد هذا الإنجاز العظيم، لم ينسب ذو القرنين الفضل إلى قوته أو قدرته، بل ردّه إلى الله، وأقر بأن ما أقامه من منعة وقوة لن يصمد أمام وعد الله حين يأتي أجله:
﴿قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا﴾
وهنا تبلغ القصة معناها الأعمق؛ فليس المجد فيما تبلغه الأيدي من قوة، ولا فيما تتركه خلفها من آثار، بل فيما تصنعه تلك القوة في حياة الناس، وفيما يبقى من العدل بعد انقضاء السلطان. لقد بنى ذو القرنين رَدما عجز الآخرون عن نقبه، لكنه لم يجعل من صلابته سببا للغرور، ولم تحجبه عظمة ما أنجز عن حقيقة أن كل ما بين يديه إنما هو من فضل الله.
وهكذا يعلّمنا القرآن أن التمكين مهما اتسع يظل أمانة، وأن أعظم ما يبلغه الإنسان ليس أن يملك أسباب القوة فحسب، بل أن يحسن استخدامها، ثم يمضي دون أن ينسب الفضل إلى نفسه. فالأعمال العظيمة قد تبقى زمنا، ثم يأتي عليها ما كتب الله لها، أما العدل والإخلاص ومعرفة فضل الله، فهي المعاني التي تمنح العمل قيمته، وتكشف حقيقة صاحبه.
﴿هذا رحمة من ربي﴾
.
إذا كان تاريخ الملوك يُكتب بحد السيف
وسطوة الجيوش وهيبة التيجان،
فإن القرآن يكشف لنا وجها آخر للعظمة،
حيث ترجح كفة الحكمة حين تعجز القوة.
إنها بلقيس، ملكة سبأ،
التي واجهت عواصف الأزمات بعقل راجح،
وقرأت ما وراء المواقف ببصيرة نافذة،
فلم تستبد بها نشوة السلطان،
ولم تستدرجها حماسة القوة إلى قرار متعجل.
حين بلغها كتاب سليمان عليه السلام،
لم تستهن بأمره، ولم تستبد بالقرار،
بل جمعت قومها تستشيرهم في شأنها،
وقالت:
﴿قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم
إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم
ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾
ثم كشفت عن عقل يدرك قدر الشورى،
فلم تجعل الملك حجابا بينها وبين قومها،
ولا السلطة ذريعة للاستئثار بالرأي،
بل قالت:
﴿قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري
ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون﴾
وكان قومها يرون في القوة العسكرية
ما يكفي لخوض المواجهة وحسم الصراع،
فأجابوها بلهجة الواثق من بأسه:
﴿قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد
والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين﴾
لكن بلقيس لم تنخدع ببريق القوة،
ولم تجعل الحماسة العسكرية ميزانا للحكم،
بل نفذت ببصيرتها إلى ما وراء الحرب،
وأدركت ما تجره على الممالك من خراب،
فقالت:
﴿قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها
وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون﴾
هنا تتجلى حكمة القيادة؛
فليست الشجاعة أن تُشهر السيف،
ولا الحزم أن تُسارع إلى المواجهة،
بل أن تعرف متى تُقدم ومتى تتريث،
وأن تزن العواقب قبل اتخاذ القرار.
فاختارت أن ترسل هدية إلى سليمان،
تستكشف بها حقيقة موقفه،
وتتبين أهو طالب ملك أم صاحب رسالة،
وقالت:
﴿وإني مرسلة إليهم بهدية
فناظرة بم يرجع المرسلون﴾
فلما جاءها ما كشف حقيقة الأمر،
لم تعاند ما ظهر لها من الحق،
ولم تحملها هيبة الملك على المكابرة،
بل مضت نحو الحقيقة حتى بلغت الصرح،
وهناك انتهت الحكاية إلى أعظم تحول؛
تحول من سلطان الأرض إلى خضوع القلب لله.
﴿قالت رب إني ظلمت نفسي
وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾
تلك بلقيس؛
حكمة لا تستبد بالرأي،
وبصيرة لا تغتر بالقوة،
وعقل يقرأ عواقب القرار،
ونفس لم يمنعها الملك من الرجوع إلى الحق.
وهكذا لم تكن العظمة في قصة بلقيس
مجرد سلطان تحكم به البلاد،
بل كانت في حكمة جنبت قومها الاندفاع،
وفي قلب عرف الحق حين تبين له،
فترك ما دونه وأقبل على رب العالمين.