في هذه البلاد وأيا كانت ضآلة حاجتك، ستجد نفسك مرغمًا على ممارسة فن الانحشار في طابور ما. فهنا الطابور هو الهوية وهو الماهية. هنا لا تسأل الإنسان كم يومًا عشت، اسأله: كم طابورًا خضت؟
في الطابور تخلع إنسانيتك تدريجيًا، ومع تراكم الخبرة تتخلى عن طباعك البشرية لترتدي طباع الوتد. فهنا أنت وتد. توحي وقفتك بأنك نبتّ في هذا الرصيف أو هذا المكان، وأنك لا تمانع البقاء فيه حتى قيام الساعة..
الأهم من ذلك كله هي تلك العلاقة الوجدانية التي ستتشكل بينك وبين "القفا" ظهر الشخص الذي يسبقك. ادرسه جيدًا، هذا هو الأفق الوحيد المسموح لك. ولا تحاول تجاوزه ببصرك، فخلفه لا يوجد سوى ظهر آخر..
هذا هو أمامك، تفحص ياقته، ذرات الغبار على قميصه، ارتعاشة كتفيه. تخيل عدد المرات التي غُسل فيها هذا القميص، والصباحات القلقة التي ارتداه فيها صاحبه، تخيل كم مرة سُحب من الحبل قبل أن يجف تمامًا. ركز بعينيك فقط، وإياكِ أن تستخدم حاسة الشم. في الطوابير عليك أن تنسى تمامًا ان لك أنفًا.
تأمل ذلك القفا، وتذكر أننا أمة لا تتأمل وجوه بعضها إلا في الجنازات ومجالس القات.. أما في بقية العمر فكلّ منا يولي ظهره للآخر.
الغريب أنك بعد ساعات من دراسة قفا ذلك الغريب أمامك وحفظ خيوط قميصه، لو قابلته في الزقاق المجاور وجهًا لوجه، لن تعرفه. ستمر بجانبه كأنكما لم تقتسما قطعة من العمر في متر مربع واحد. لأننا في الطابور نتبادل الوجود، لكننا لا نتبادل الملامح.
ربما ستجد من يتجاوز الطابور "بواسطة" ما. فلا تشتعل، ولا تجعل ذلك يعكر مزاجك، لا تسمح لغضبك أن يفسد استقامة وتدك. لا تنظر إليه بضغينة، حتى لو تجمدت قدماك ساعة كاملة دون خطوة واحدة للأمام. الحقد في الطابور يؤذي صاحبه فقط، إنه يعيدك إنسانًا مرة أخرى.. وأنت هناك يفترض بك ألا تكون إنسانًا..