لو كانت الثقوب الدودية والمنحنيات الزمنية المغلقة حقيقةً، لا مجرد نظريةٍ علمية، واستطعتَ أن تعود عبرها إلى عصورٍ غابرة، تحديدًا إلى العصر الذي نشبت فيه حرب البسوس، وأُتيحت لك فرصة الجلوس وتبادل أطراف الحديث مع أحد البكريين،
ولعلنا في كثير من الأحيان لا نسأل الآخرين لأننا نحتاج إلى رأيهم، بقدر ما نبحث عمّن يمنحنا الشجاعة لاتخاذ القرار الذي نميل إليه أصلًا، أو يعفينا من مسؤولية اتخاذه.
كنتُ قبل مدة قد استشرتُ صديقًا لي في أمرٍ قد هممتُ بالدخول فيه، وأسرفتُ في التفكير بشأنه، غير أن التردد لم يترك لي مجالًا للاختيار، وبقيتُ حائرًا بين رغبة التجربة ومحاولة التسلل خارج إطار العادة، وبين عاقبة التهور والهرولة في طريقٍ لا أعرف معالمه!
فطلب مني صديقي بعض الوقت؛
بعين الاعتبار ومنحها أهميةً أكثر من كونها مجرد رأيٍ واجتهادٍ شخصيٍّ يحتمل الصواب والخطأ، وليس حقيقةً مطلقةً. فمن الجيد أن تأخذ آراء الآخرين، لكن لا تجعلهم يقررون بالنيابة عنك.»
ومن ثم أخبرني برأيه، وقد أخذ الكلام الذي سبقه أبعادًا كثيرة بداخلي، فمثل ذلك لا يأتي إلا من شخصٍ عظيم
تقول العرب:
«أزهدُ الناسِ في المرءِ أهلُه وذووه.»
ومعناها: أن أقرب الناس إلى الإنسان قد يكونون أقلَّ تقديرًا لفضله ومكانته؛ لأنهم اعتادوا وجوده، ورأوا منه ما لا يراه الآخرون، فألفوا محاسنه حتى صارت في أعينهم أمرًا مألوفًا.
ويصل إلى المرحلة التي يرى فيها أن كل الخصومات أصغر من أن يحملها الإنسان معه إلى نهايته، وأن لا شيء كان يستحق.
لكن متى؟
بعد فوات الأوان.
ويشيح بنظره إلى السماء، مردّدًا:
﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾.
الخامسة والنصف،
بجانب حصن الجميمة!
يقف رجلٌ شبوانيٌّ، قسمت وجهه التجاعيد، واكتسح رأسه الشيب، عن عمرٍ ناهز السابعة والثمانين عامًا. قدّمت له الحياة فيها جميع أطباقها، وتفنّنت في صنعها. يجول بنظره في أرجاء قريته، وقد باتت رؤيته ضبابية، لا يستطيع أن يرى بوضوح، لكنه
هذا الحصن، الذي تبدو أحجاره، لشدة سوادها، وكأنها بُنيت من قلوب هؤلاء الناس.
يود لو أن باستطاعته أن يشاركهم مشاعر الرحيل، ويعرض عليهم شريط اللحظات الأخيرة؛ تلك التي يزهد فيها المرء عن كل شيء، ويتنحّى عن جميع الخلافات، وينسى الكراهية والأحقاد التي كانت تملأ داخله