"أود أن أعبر عن كرهي لحقيقة أن كل شيء وكل شخص تقريبًا للبيع، ليس فقط السلع والخدمات، بل الأفكار، الفن، الكتب، الأشخاص، القناعات، الشعور، الابتسامة،
كلها تحولت إلى سلع. وكذلك الإنسان كله، بكل جوارحه وإمكانياته."
- إريك فروم
لقد عشت قليلًا، تجوّلت كثيرًا، أفرطت في الشعور بكل شيء حتى وصلت إلى الأعماق. كنت أود أن أرى أن هناك أشياء أخرى سوى السراب وحقيقة الإنسان المخزية. فوجدت نفسي وحيدًا، أصرخ في وجه الصمت متساءلًا : هل هذا كل ما في الأمر؟
أعِدْني إلى عُطلةِ نهاية الأسبوع في الخرطوم، إلى الشوارع المزدحمةِ بالناس والسيارات، إلى ضجيج الواحدةِ ظُهرًا، إلى همهمات الكماسرةِ الصاخبة: عرَبي عربي عربي، حِلة حِلّة حِلّة، عيلفون عيلفون عيلفون، شهدا شهدا شهدا، بحري بحري بحري، رجعني هناك لِألمِس الحياة مرة أخرى.
حبيبَتي الخرطوم: كل الأيام دونَكِ باهِتَة، ولا نُزهَة للعينِ سوى في رُباك، يا عاصمة قلبي المُثلّثة، مدينة روحي الزرقاء، مُذ بارَحتُ شوارعك وأنا تائه، ومُذ فقدتُ بوصلة اتجاهاتك وأنا أضيع.
حتّى لو غادرتُ العالم، لا أظن أن أحداً سوف ينتبه لذلك. سوف أصرخ في الظلام ولن يسمعني أحد. ومع ذلك، لابدّ من المثابرة حتى الموت. هذه هي الطريقة الوحيدة التي أعرفها. ليست حياةً مجيدة، ولكنّها الحياة الوحيدة التي أعرف كيف أعيشها.
هاروكي موراكامي
أرجو أن تعود البلاد، سأقطعُ المسافة إلى الخرطوم بقلبي، سأُعانِق حافلات الخط وأُعفِّر خدّي في تُراب أم درمان، سأركض في كل الشوارع، وأحتضِنُ كل الميادين، فقط لترجعِ الخرطوم!
وفي يوم الخميس، السادس والعشرون من شهر سبتمبر للعام ٢٠٢٤م توغّلت القوات المسلحة السودانية إلى قلب العاصمة الخرطوم، شيبًا وشبابًا وفتيان، متآزِرينَ مُجاهدينَ وثابتين.