أسمّيه: اقتصاد اليأس!
لاحظتها في بداية حياتي الوظيفية من خلال مقارنة نموذجين؛ أنا وكل أصدقائي إلتحقنا بالجامعة ماعدا شخص واحد بعد الثانوي عمل بوظيفة متواضعة راتبها ٤٠٠٠ ريال. بعد تخرجنا من الجامعة توظفنا، وأقل راتب فينا كان ٦٠٠٠ والأعلى راتبه يصل إلى ١٠٠٠٠ ريال.
بعد مرحلة الشفاحة بالرواتب الأولى، استقرينا نفسيا ويفترض أن شهوة الصرف انطفأت. فكنت أخرج خروجات ثنائية مع أصدقائي، وبدأت أنتبه أن أبو راتب ١٠٠٠٠ يصرف لكن بحساب وحرص، وأن أبو راتب ٤٠٠٠ يبعزق فلوسه كأنه ينتقم منها.
وقتها جلست أفكر وأحاول أفهم: أبو ٤٠٠٠ ما كان أحمق، وهو موظف قبلنا بعدة سنوات (يعني الفترة التي كنا نعيش فيها على مكافأة الجامعة ١٠٠٠ ريال كان هو راتبه ٤٠٠٠) وأكيد أنه تجاوز مرحلة "الصرف بجنون" التي غالبا تترافق مع أول الرواتب في الوظيفة الأولى!
بعد تأمل توصلت إلى نتيجة: الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية لنا كشباب مستقلين يحتاج ٤٠٠٠ ريال. لذلك فكلنا يفيض جزء من رواتبنا (ما لا يقل عن ١٠٠٠ ريال) وهذا يعطينا أمل استثماري (خلال سنة ممكن أجمع ١٢٠٠٠ إلى ١٥٠٠٠ ريال) مما يشجعنا على الحرص والادخار.
أما صاحبنا أبو ٤٠٠٠ فهو يائس، وهذا اليأس ليس حالة نفسية لكنه حالة وجودية اقتصادية. بمعنى أن سبب يأسه ليس ظرف طارئ يجعل نفسيته محبطة مؤقتا؛ بالعكس حالته النفسية عال العال لكنه مدرك أنه في ظل ظرفه الحالي، يستحيل أن يتطور وظيفيا وماديا، وهذا يجعله حتى لو زادت بضع مئات من راتبه فإنه يراها فتات لا يستحق الإدخار فيصرفه بلامبالاة!