"سَڤَنْ ثْرِي" لموسى الوهيبي
——————————
حمود بن سالم السيابي
——————————
كم هي المطارات التي دحْرَجْتَ عليها حقيبتكَ في رحلتك المبكرة عام ١٩٧٠من مدرج بيت الفلج إلى أقاصي الدنيا.
كم هي الساعات التي سفحتَها على كراسي الانتظار في المطارات يوم كان السفر عذاباً إلى أن تصل ، ومحفوفا بالمفاجآت إلى أن تتنفس الصعداء.
يومها ركبتَ الطائرة ومسقط ما تزال بدشداشة فرح استقبال سيدها القادم في أول رحلة من صلالة إلى عاصمة السلطنة حجزها الفرح ، واستحثَّها الانتظار الطويل.
والمدهش أن العمانيين كانوا على خط العودة من منافي الاغتراب ، وكنتَ أنت على خط السفر.
وقد ابتدأتَ بلندن عاصمة الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس لتتعلم لغة القوم فتأمن المكر.
وكانت الثانية الى هامبورج حيث يتلاقي الشمال الألماني بالدانمارك وهي وجهة نائية جدا جدا جدا بقياسات الربط بين المطارات.
وإذا كانت دواعي سفرك الأول للتقرب من لغة العالم ، فسفرك الثاني كان لأجل أن تعيش عالما تتقارب قاراته عبر ثورة الاتصالات ، وعلى عمان أن تحجز موقعا لها لتتحدث مع نفسها فتتقارب جهاتها الأربع.
هذه هي هامبورج التي وطأتَ سهلها في العام الأول لنهضة عمان ، لتُسَجَّل بين من سبقوا إلى هذه المدينة "الهانزية" فتتكرَّس وجهة سفر لمينائها الأوروبي الأشهر ولبحيراتها وقنواتها لمن جاء بعدك.
وهذا شارع بريد هامبورج المزدان بمبنى البريد الأصْهَب بحجارته وببرج ساعته العابرة للقرون ، وقد دخل أطلس مراوداتك للمكان وأنت تلتحق بدورة اللاسكي بمعهد وزارة البريدة والبرق بهامبورج.
وهنا عند ظهر مبنى "الألسترهاوس" احَتسيْتَ شايكَ القرمزي على زاوية من زوايا مقاهي قناة "بليشنفليت" وقد تكفَّلتْ عقربا ساعة البريد بتحريك مكعبات السُّكَّر في فنجانك.
أتراكَ كنت تردّ على من يسال عن وطنك أنك من عمان ، أمْ أن لسانك قد توطَّنَ على ترديد الرمز اللاسكي "ألْفَا فُورْ وَنْ"؟.
أتراكَ كنتَ تقدم نفسك باسم موسى بن محمد بن على الوهيبي لمن يودّ أن يجسِّر العلاقة معك ، أم تلفَّعْتَ برمز "ألْفَا فُورْ وَنْ مَايْكْ مَايْكْ".
وطوال أكثر من نصف قرن من الانغماس في هذا العالم الجميل تكليفاً وتطوعاً وأنت في معمعة تقنيات التواصل كعضو موسس لجمعية هواة اللاسلكي وكفني لاسلكي في شركة النفط وكفني أقمار صناعية بوزارة البريد والبرق والهاتف وكرئيس لقسم شؤون الأجانب بوازرة الداخلية وكمدير لمكتب وزير الداخلية وكمدير عام للخدمات والمشاريع بالداخلية وكرئيس لنادي روي وكقيادي في أكثر من إتحاد رياضي.
وعلى كثرة أسفارك لبريطانيا وألمانيا ومصر وأمريكا وإيطاليا وزنجبار بالإضافة لدول الخليج لأجل الاستزادة من عالم الاتصالات الساحر فقد كانت لكل تلك الأسفار أوْبَة ، إلا السفر الأخير الذي أزمعته لتفجع أحبابك.
وإلا هذه الوجهة التي تسرع بك دونما هواجس لإعادة جدولة الرحلات ولمتاعب التنقل بين المطارات أو لطول الوجهات.
وطوال ما وُدِّعْتَ واسْتُقْبِلْتَ عبر نصف قرن من أسفارك فإنَّ عمان غيرت مطاراتها ثلاث مرات ، من مطار بيت الفلج إلى مطار السيب إلى مطار مسقط.
وأن لندن جددتْ مباني "هيثرو" وربطته بالقطارات.
وأن هامبورج رصَّعَتْ مطارها باسم جديد هو مطار المستشار هيلموت شميدت تخليدا لدوره في إخراج بلاده ممّا عرف ب"الخريف الألماني".
وأنها دشنتْ خط قطار يربط مبنيي الركاب ١و٢ بمحطة "هامبورج هبانوف".
وأن أغلبية دول الخليج جددت مطاراتها كعناوين جميلة لكتب السفر إليها.
وها أنت تطفئ وميض جهاز اتصالاتك على آخر رسائلك اللاسلكية المسموعة في أقاصي الكون ، دون أن تنتظر تلويحة الوداع "سَڤَنْ ثْرِي" ليبقى سجلك متخماً بعشرات الاستغاثات التي التقطها جهازك من مراكب تكابد أمواجا كالجبال.
وعشرات النداءات ممن تقطعت بهم السبل إثر محاصرة السيول لأماكن سكناهم فلاذوا بعد الله بالترددات اللاسلكية طلبا في العون.
ومن عشرات التائهين في رمال الصحراء وقد تشابهت عليهم الأماكن والألوان فكانت رسائلك المطمئنة جحلة ماء في يباب الصحراء ، ووميض قنديل في ليلها الموحش.
رحمك الله مقيما.
ورحمك الله مسافرا.
"سَڤَنْ ثْرِي" أستاذنا الوهيبي.
————————
مسقط في ١٤ مايو ٢٠٢٦م.
اللهم جمعة مباركة تجمع فيها #أهل_عمان من شمالها إلى جنوبها ، كبيرها و صغيرها رجالها و نساؤها أفرادا و مؤسسات عامة وخاصة لتضميد القلوب و جبر الكسور لتعود عمان وأهلها لخير وأتم حال
#عمان_عظيمة_بشعبها
#الوصال لقاء مع علي النيادي @ali_alniyadi وميمونة الوهيبية @maimoona3333 من المكرمين بميدالية مجلس التعاون في مجالات العمل الشبابي @Nyc_Oman في الحفل الذي أقيم صباح اليوم ورعاه سمو السيد شهاب بن طارق آل سعيد بتكليف من لدن المقام السامي لجلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه