"ثم إن الزواج في حقيقته ليس رحلةً للعثور على إنسان كامل..
بل رحلةٌ يتعلم فيها المرء كيف يحبُّ إنساناً حقيقيًا؛ إنساناً يجتمع فيه الحسنُ والنقص، والقوةُ والضعف، وله أيامٌ تشرق فيها نفسه، وأيامٌ تثقلها الهموم.
فإذا أدرك الزوجان هذه الحقيقة، زال عنهما عناءُ مطاردةِ صورةٍ مثاليةٍ لا وجود لها، وانتقلا من حبِّ الخيال إلى حبِّ الواقع، ومن التذمّر من العيوب إلى التعاون على إصلاحها، ومن انتظار الكمال إلى تقدير الخير الموجود.
وهناك تنمو المودّة على مهل، لا تصنعها لحظاتُ الإعجاب العابرة وحدها، بل تصنعها الأيامُ التي تُعاش معًا، والمواقفُ التي يُتجاوز فيها عن الزلل، والصبرُ الجميل عند الشدائد، والرحمةُ التي تجعل كلَّ واحدٍ منهما مأمنًا للآخر وسكنًا له."
قال ميخائيل نعيمة في كتابه "كتاب مرداد":
"يا بني، لا تتخذ لك شريكة لتملأ بيتك بالأولاد فحسب، فالأرض مليئة بالبشر، بل اتخذها لتملأ فراغ روحك الذي لا تسده جيوش الأرض.
إن الأُنس بالروح هو الخبز الحقيقي، وما دونه قشور تجوع النفس بعد قضمها."
ساحرةٌ وآسرة..
تشبهين قناديل البيوت التُهاميّة، حين تتدلّى بالمناسبات والأفراح.!
وصيحات الأطفال أثناء مرور العرسان!
وتلويحةِ الأم الأخيرة في وداع إبنتها العروس.!
يقول الإمام الغزالي في كتاب آداب الصحبة من إحياء علوم الدين عند كلامه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق:
( والجملة الجامعة في ذلك: ألا تستصغر منهم أحدا، حيّا كان أو ميّتا فتهلك؛ لأنك لا تدري لعله خير منك، فإنه وإن كان فاسقا فلعله يُختم لك بمثل حاله ويُختم له بالصلاح )
ما تعوّدت أن أرى العالم عادياً أو رمادياً أو محايداً.. أنا امراة الألوان الكثيرة.. والمشاعر الغزيرة.. الممعنة في الشعور.. الكثيرة الكثيرة.. ذات رأيٍ وذات حيرة.. وحين يصير العالم عادياً اخاف.. أنا لم أعتد العالم عادياً هكذا..
الدكتور الطيب بوعزة من القلائل الذين يدركون دورهم في هذه الحياة، ويملكون من الثقة ما يكفي للإيمان بأن ما يطرحونه من فكر وكتابات كافٍ بحد ذاته، وأجد في ذلك احترامًا لذواتهم ولما يقدمونه، واحترامًا للقارئ أيضًا. وفي المقابل، أعرف من الكتاب مَن يسعى جاهدًا للظهور ويفرض حضوره على الهيئات والمعارض والمكتبات والقراء، ومنهم مَن ينجح فعليًا في تقمص دور النجم.
سيكون من الذكاء في بعض السياقات أن تتظاهر بأنك تعرف أقلّ ممّا تعرف بالفعل، وأن تراقب تلك المسرحية الرديئة دون أن تعترض مسارها، وأن تسمح لأولئك المزيفين أن يستمروا في أدوارهم، ولتلك الأقنعة بأن تؤدي وظائفها.
أنت الشخصية الرئيسية الحارسة للحبكة، تقرأ المشهد بوعي دون أن تُستدرَج إليه، ودون أن تضطر إلى كشف أوراقك، وبمهارة التحكّم في الانطباع تحمي نفسك.
الإفراط في كشف الفهم لا يمنحك دائمًا موقعًا أفضل، قد يضعك داخل لعبة لا تحتاج أن تكون طرفًا فيها.
ستنكشف الحقائق في النهاية، وتستهلك الخطابات نفسها، ويبقى الرابح من أجاد إدارة حضوره المعرفي في دائرة التأثير بهدوءٍ محسوب.
استوقفني في حديث الروائي عبدُه خال في أمسيته الأخيرة موقفه مع غازي القصيبي رحمه الله، حين أصدر عبدُه خال روايته الأولى «الموت يمرّ من هُنا» عام ١٩٩٥م، وهي نفس الفترة التي صدرت فيها رواية «شقّة الحرية» لغازي القصيبي، وقد حظيت الأخيرة بزخم جماهيري واستأثرت باهتمام الناس وإقبالهم.
ومن الطبيعي في مثل هذا التزامن أن تُحجَب الأعمال الجديدة نسبيًا تحت ظل أسماء راسخة ومشاريع روائية أكثر حضورًا إعلاميًا.
حينها نشر غازي القصيبي مقالة بعنوان «أبعدوا هذا الموهوب عنّي»؛ عنوان يحمل مفارقة بلاغية ساخرة تثير الانتباه بطريقة ذكية، وتوصل التقدير بأسلوب غير مباشر، وتعبّر عن اعتراف بموهبة لافتة.
لا يخلو هذا الموقف من حسٍّ تنافسيٍّ واعٍ ودعم حقيقي يتجاوز المجاملات المجّانية، وإدراك أن الساحة الأدبية تتّسع لأصوات قوية متعددة.
ما أحوج وسطنا الثقافي اليوم إلى هذا النوع من الاعتراف النبيل الذي ينصف الموهبة الحقيقية ويحتفي بها.
أصلح نفسك لنفسك، لا لاقتحام قلوب الناس أو التماس رضاهم؛ فإنهم إذا ذكروا أثرك، لم يلتفتوا إلى كيف صرت بقدر التفاتهم إلى ما كنت عليه، فهم يحفظون من سيرتك ما لا يُلزمهم الإقرار بتفوقك، إذ الاعتراف بعلو غيرهم قد يجرهم إلى الاعتراف بتقصيرهم، والنفس قلما تُسارع إلى ما يكشف نقصها.