أي مشهد ذاك؟ ائتوني بأبلغ أهل الأرض ليصفه في كتاب، وبأشعر أهل اللغة لينظمه في ديوان، وبأمهر مخرجي السينما ليصوره في مسلسل، وبأعتق رسامي الدنيا ليرسمه في معرض، تختلف الفنون وتتفق الإجابة الواحدة: "لا شيء"! لن يستطيع أحدٌ في مجاله، مهما بلغت به العلا فيه، أن يملك كلمة أو ريشةً أو صورة في حرم تلك الأسطورة!
شابٌّ يحب الحياة والموت معًا، يخاف من الظلام وقد تربكه الأصوات المرتفعة، له جامعة يقصدها ومشروع يحلم به، يخرج فجأةً من عين نفق، وهو يعلم أنه سيكون وحده مكشوفًا في حظيرة دبابات من الأحدث في العالم، تلمح حتى ظل النملة، وحولها جنود متفرغون للسقطة واللقطة، ومراقبةٌ ومراقِبة بأحدث تقنيات الجيوش.
ثم مع ذلك كله، يخرج لك من ثقب تحتك، حرفيًّا، إنسانٌ من لحم ودم، لا يستطيع أن يحمل أوزانًا ثقيلة ولا أن يمتص جسمه الرصاص، ومع ذلك لا يخرج وحسب، وإنما يجري، يصل هدفه، يرقد على بعد أمتار من جنديّ مدجج، يزرع عبوةً للدبابة، شواظ من نار ونحاس، بلغمٍ لم يصنع تحت بير السلم حتى؛ وإنما حرفيا تحت سابع أرض، ثم يعود، برفقة صاحبه، داخلين ثلاثة من عين نفق تضيق بنصف أحدهم وحده، ثم يعودون "لقواعدهم" بسلام، بينما نسمع لعنة الحرب تشوي العدو في الخارج!
إن لم تلك أعظم لقطة بأشرس موقعة في أشرف معركة.. فما تكون؟