فانتهى ذلك العام على حتمية من فراق، وجارٍ من تبدُّل الأحوال، فانتقلتُ من ذلك المحفل المختلط إلى مدرسة مفرَدة للصبيان، لا يقع العين فيها إلا على غلظة الغِلْمَة وجفاء طباعهم. فكان هذا فراقنا الأول، والقطيعة البكر في مطلع هذا العمر.
وكان من عجبِ ما أذكره من أحوالي إذ ذاك، أننا إذا خرجنا إلى حصة الرياضة البدنية، وتفرَّق الصبيان في الميدان بين عَدْوٍ ولَعِب، كنتُ أوثرُ العزلة طلبًا للتفكِّر فيها، واستدعاءً لذكرى ما سلفَ من أيامها، فلا أجدُ مَعقلًا أتحصَّن فيه بالخلوة إلا أن أختارَ القعود حارسًا للمرمى، حيث يسكنُ الجسمُ وتتحركُ الخواطر. فإذا وجدتُ غفلةً من الشُّغْل، وفراغًا من لغط الصبيان، جثوتُ على ركبتيَّ، وجعلتُ أخطُّ اسمها على ثرى الأرض، كصنيع الشاعر العُذري الذي عضه الهوى فخَلَا بالقاع يخطُّ بالحصى وهو يقول:
عشية ما لي حيلة غير أنني
بلقط الحصى والخط في الترب مولع
ثم دارت بنا ثمانية أعوام كاملة، تداولتنا فيها صروف الأيام، وتقاذفتنا أيدي النَّوى، فلم تكحل العين بمرآها خلال هذا الدهر الطويل إلا مرتين اثنتين، كلَمْحِ البَرْق المستعجل أو الخيال الطائف.
بيد أن صورة هذه الفتاة لم تكن لتغيب عن مخيَّلتي، ولا جازَ للنسيان أن يتغلغل إلى خطرات نفسي، بل كانت صورتها تتمثَّل لي في المنام تمثُّلًا، وتتراءى في خيالات الكَرى تراءيًا، حتى أراها في تكاذيب الرؤيا، فأنتبه من نومي جَذِلًا فَرِحًا، مستبشرًا بانقشاع البَيْن، إلى أن يثوبَ إليَّ عقلي، ويستيقظَ فيَّ حِسِّي، فأدركُ أنه حلمٌ كاذب، وأنه لا سبيلَ إلى ما رأيتُ، ولا وجهَ للوصول إليه.
فعندي زَفيرٌ ما تَرقَّى من الحَشى
وعندي دموعٌ ما طَلعنَ المآقيا
ولا خير في الدنيا إذا كنت حاضرًا
وكان الذي يغري به القلب نائيا
إلى كم أُمَنِّي النفسَ يومًا وليلةً
وتُعلِّمُني الأيام أن لا تلاقيا
ولقد قضيت عشرين عامًا في غرامها، أتتبع أثرها كما يتتبع القائف خطى الإبل، ثم وُصِلتُ بها عشرًا، فوالله لو أنَّ ما كابدته في وصلي ذلك وُضع على عين دابة لما أبصرتْ مرعاها، ولو نثر على جنة زرع لصارت صعيدًا زلقًا؛ ومع هذا، فقد نلت منها ما لو وزع على العشاق لوسعهم قناعةً وريًّا.
فإذا نازعتني الهموم واشتدت علي الكُّرَب هرعتُ أركض بلا نعلين إلى قفرٍ بَسْبَسٍ أذري فيه العبرات، وأركل الحصى، وأُدعو وأُناجي، حتى تغرب الشمس.
فيارب قد بُحَّت الأصوات، وافتضحت الأعين، وخارت القوى، وانقطعت الأسباب، وساء الحال، خَلِّصنا مما نحن فيه ومِمَّا نخشاه ونُحاذره.
متى يا عُرَيبَ الحي عيني تراكمُ
وأسمَعُ من تلكَ الديار نداكمُ
ويجمعنا الدهر الذي حال بيننا
ويحظى بكم قلبي وعيني تراكمُ
أمرُّ على الأبواب من غير حاجةٍ
لعلِّي أراكُم أو أرى من يراكُم
سقاني الهوى كأسًا من الحب صافيًا
فيا ليتهُ لمَّا سقاني سقاكُم
قبل أكثر من عشرين عامًا، ترجَّل رجلان أمريكيان عن خيليهما في قرية من قرى البصرة، واغتصبا فتاتين كنَّ يمشين في حال سبيلِهِنَّ. اليومَ في البصرة، تُغْتَصَبُ النساءُ بأَيْدِي أَبْنَائِهَا.
فلَمَّا رآهُ بعد انقطاع أوجسَ مِنْهُ خِيفة، فقدْ كَان يبدو غَريب الحالِ، غريبَ النِحلَة، فقال لهُ: لا تَخف، إنَّما ذا ليسَ لانعدامِ المأكلِ والمَّشرب، بل لعظيم خذلانك، فهذا ما صنعتْ يداكا.
وقالت لقد أزرى بك الدهر
قلت معاذ الله بل أنتِ لا الدهر
كان إذا حزبه أمرٌ من أمورِ دنياه ورابه يبيت ليلته قريبًا من أُمِّه، تواسيه وتطبطب على صدره حتى يستلذ بلذيذ الكرى، واليوم تنوءُ به جبال الأحمال وتُثقله فلا يجد إلا حُشاشة صبر يتلحََفُ بها.
كنتُ أعيش في قريةٍ على سفحِ جَبل، مُطلِّةٌ على وادٍ يعقبه ألفُ ألفِ جَبل، كانت كأنها مخلوقة لنُرسِل على بسطتها الأحلام والأمنيات، فتارةً أراني قد صنعتُ سفينةً أركب بها الوادي وأشقُّ الأرض سفرًا، وتارةً أخرى أصنع طائرةً تقلُّني إلى قِمَمِ جبالها فأخلو بنفسي.