أخيراً.. وقفت في اللاين.
أولاً وقبل كل شي، اسمه: لاين. وأقول اللاين لأن كلمة "طابور" تسيء إلى التجربة. الطابور فيه بشاعة إدارية. معاملة. تقديم طلب. كاونتر بوجوه عابسة. اللاين أكثر رشاقة.
الطابور شيء تريد الخروج منه، واللاين شيء تصوره قبل أن تنضم إليه. والرياض، في السنوات الأخيرة، طورت علاقة خاصة جداً باللاينات حتى أصبحت جزءاً من الهوية البصرية. واجهة بلون الحجر. شعار صغير. شجرة زيتون تبدو كما لو أنها وصلت لتوها من توسكانا، صف يمتد خارج الباب تنضبط مساراته بحبال مخملية أنيقة.
اكتملت العلامة التجارية.
وأمام مقهى جديد في حطين وقفت بدافع البحث، وهي كلمة مهذبة يستطيع الإنسان استخدامها حين يريد أن يبرر لنفسه عادة سيئة. وصلت فوجدت الصف أطول مما تمنيت. في الرياض، يمكن للإنسان أن يطوّر خلال سنوات قليلة وحدة قياس داخلية دقيقة للاينات. عشرة أشخاص: ممتاز. عشرون: نمشيها. ثلاثون: دامنا جينا. أربعون: خلاص قربنا. أما الخمسون، فتحتاج إلى صديق يتمتع بقدرة خاصة على تحويل القرارات الرديئة إلى ذكريات جميلة. لحسن الحظ كنت بصحبة إبراهيم الزهيميل. عددت الأشخاص أمامي. كانوا أربعة وسبعين شخصاً ينتظرون دورهم بصبر. الجميع يعرف القواعد. تقف، تفتح هاتفك، تتقدم نصف خطوة، تغلق المسافة مع من أمامك. ليس تماماً. هناك ٤٠ سنتمتراً محجوزة للمساحة الشخصية. تعود إلى هاتفك، ثم ترفع رأسك بعد قليل. تشاهد مقاطع من تيك توك. بعض الواقفين كانوا يشاهدون المقاطع نفسها. وهي صورة جميلة جداً لعصرنا: الخوارزمية أقنعتنا بالحضور، ثم تبعتنا إلى اللاين كيلا نشعر بالملل من القرار الذي اتخذته نيابة عنا.
سألت أحد الواقفين لماذا جاء. قال: "شفته بكل مكان". لم يقل إنه سمع أن القهوة ممتازة، أو أن صديقاً يثق بذائقته أوصى بها. رآه بكل مكان. هذه إجابة لا ينبغي الاستهانة بها. ثمة مرحلة جديدة بين الجهل بالشيء والرغبة فيه اسمها: أن تراه كثيراً. يبدأ المكان في اكتساب صفة قدرية. تشعر أن زيارته لم تكن قراراً شخصياً تماماً، وإنما أقرب إلى إنهاء معاملة ظلت مفتوحة في عقلك.
بعد عشرين دقيقة، واللاين يتحرك ببطء شديد، استسلم بعض الضعفاء وغادروا المكان. رمقناهم نحن حراس الطابور بنظرات استعلاء وشفقة. لقد تخلوا عن القضية.
بعد نصف ساعة، لم يعد الذين حولي غرباء تماماً. تكوّن لدينا مجتمع. أصبح لنا تاريخ مشترك: نحن الأشخاص الذين بقوا.الشاب الواقف أمامي، يعاني على ما يبدو من مشكلة حقيقية مع زميل اسمه فهد، حتى إنني أصبحت منحازاً ضده مع أنني لا أعرف فهد ولا الشاب ولا الشركة التي يعملان فيها. آخر يبعد عنا ثمانية أشخاص سيذهب لنوزومي بعد ساعتين. فتاتان لديهن فرصة تدريبية في أكتوبر. صالح، عرفنا اسمه لاحقاً، أخبرنا أن أصدقاءه الثلاثة "جايين بالطريق"، وهي إحدى العبارات القادرة على زعزعة السلم الأهلي في أي لاين سعودي. أومأنا: "لا بأس". تطفو في الهواء أحاديث جانبية عابرة. نقاش حول حجز ملعب بادل. ابتسامات مهذبة حين تلتقي الأعين صدفة، سرعان ما نعود بعدها إلى ملاذنا الآمن خلف شاشات الهواتف. فتاة تنتظر صديقتها التي قالت قبل عشر دقائق: "دقيقة وأكون عندك"، وهي عبارة سعودية ينبغي أن تُدرس باعتبارها مفهوماً فلسفياً للزمن أكثر من كونها وحدة قياس له. بعد نحو أربعين دقيقة تخلى عزيز عن اللاين. تبادلنا النظرات كما لو أنه تولى عن الزحف في منتصف المعركة. لقد صمد معنا كل هذا الوقت، ثم قرر فجأة أن يتركنا. تفضل. اذهب يا عزيز. بإمكانك الانتقال إلى مكان آخر. يوجد في الرياض من القهوة ما يكفي لإبقاء دولة صغيرة مستيقظة لسنوات. لكن قدرتك على التخلّي عنا في هذه اللحظة، توحي بنوع من الخذلان. أصبحنا نعرف معادن الرجال.
عندما لامَسَنا هواء المكيف، ودخلنا للمقهى كان أقرب ما يكون إلى ستوديو مفتوح للتصوير. جدران ذات ملمسٍ خشن. إضاءة خافتة مدروسة. أكواب فخارية غير مستوية على مذهب (وابي سابي). كلها فخاخ بصرية هندست ببراعة لتلتقطها الكاميرا. المكان "جوّه حلو". جيل الرياض الجديد بارع جداً في ابتداع اللغة، ومفردة "الجو" مدهشة في قدرتها على إعطائك تصوراً واضحاً عن الإضاءة، ونوع الموسيقى، وارتفاع السقف، وشكل الكراسي، ونوعية الأشخاص الجالسين على تلك الكراسي، واحتمال أن تصادف شخصاً تعرفه.
بعدها بقليل أعلن الباريستا أن أحد أصناف الكيك أوشك على النفاد. حدث تغير طفيف في "الجو" يمكن رصده. اتسعت العيون. تحرك أشخاص في الخلف سنتيمترين إلى الأمام، وهي حركة عديمة الجدوى من الناحية اللوجستية، مفهومة تماماً من الناحية التطورية.
لحظة الاستلام هي اللحظة الرسمية التي يتحول فيها الزبون إلى قسم تسويق مستقل. رفعنا الهواتف. صورنا. راجعنا الصورة. يجب إرسال الصورة بسرعة قبل أن يتعرف محمد السكران على المكان. وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة. ففي ثقافة الترند، هناك توقيت مناسب لمعرفة الهبة. الوصول المبكر يمنح المرء ميزة صغيرة يصعب وصفها من دون أن تبدو تافهة. تريد أن تكون ممن عرفوا المكان عندما كان "توه فاتح"، وهي عبارة لها بريقها الخاص. بعد شهرين يصبح ناجحاً. بعد ستة أشهر يصبح عادياً. بعد سنة تبدأ بسؤال الناس: "يا قدمي. لسى يروحون له؟". الخوف الحديث مرتبط بالتوقيت. يستطيع الإنسان زيارة المقهى نفسه بعد عام، حين تختفي الطوابير وتتحسن الخدمة وتتوافر المواقف، ومع ذلك يشعر أنه وصل متأخراً. القيمة مرتبطة باللحظة التي أراده فيها الجميع.
ارتشفت القهوة. كانت ممتازة. الرشفة الثانية جيدة جداً. نظرت من خلال زجاج السيارة إلى اللاين فوجدته أطول مما كان حين وصلت. وفي آخره وقف شاب يتأمل الواقفين أمامه، ثم أخرج هاتفه وكتب شيئاً، وانتظر ثواني، وبعد أن جاءه الرد تقدم وانضم إلى الطابور. استطعت تقريباً أن أخمن الرسالة التي أرسلها: "يستاهل؟".
بعد ساعة من التجربة، بدا لي أن السؤال نفسه يفترض أن الجواب موجود في الكوب. ربما جزء منه هناك، أما الجزء الآخر فكان ممتداً أمام الباب: في الوقوف مع غرباء، وفي تحرك الصف ببطء، وفي المزاح على طول الانتظار، وفي ذلك الشعور الغريب بأن شيئاً ما يحدث هنا الآن، وأنك وصلت إليه قبل أن ينتقل الجميع إلى المكان التالي. ربما من السهل جداً أن نقول إن الجيل الجديد مهووس بالترند، وإنه يفعل ما تملي عليه خوارزميات تيك توك، وإن المقاهي أتقنت تحويل الجدران البيج إلى رأس مال. كل ذلك يحوي شيئاً من الحقيقة، ويترك الحقيقة الأهم واقفة في الخارج تنتظر دورها: الوجود المستمر خلف الشاشات المضيئة ولّد ظمأً خفياً لملامسة الواقع، واللاين يمنحهم هذا الرسوخ المادي المنشود. أن يكون للمساء وجهة، وللخروج اسم، وللقاء عنوان يمكن إرساله في المجموعة. يتشاركون الهواء ذاته، وتتقاطع نظراتهم في مساحة جغرافية واحدة. هذه المجاورة الجسدية تخلق ألفة صامتة في غاية الرقة. تمنحهم دفء الانتماء إلى جماعة، وتعفيهم تماماً من عبء بناء حوارات مجهدة أو تكلف اجتماعي. هم حاضرون معاً، يتقاسمون الصمت، ويشكلون مجتمعاً عفوياً يذيب برودة العزلة.
ربما لهذا تستمر اللاينات في مدينة تستطيع أن توصل إلى بابك كل شيء تقريباً.
ففي زمن امتلأ بالأشياء، بقيت بعض اللحظات عصية على التوصيل.
عليك أن تكون هناك.
أكثر سبب يجعل من الخيبات مثخنة لحد الموت، ومن الفقد مدمرا لحد النهاية، ومن حياة الانسان انتكاسة دائمة لا أمل فيها. هو التعلق المزمن بالأشياء والناس والحياة الدنيا.
ولذلك تبقى أفضل حصانة للنفس في الامتحانات الصادمة، التعامل بمبدأ البيعة لله تعالى .. فالمؤمن قد باع والله جل جلاله قد اشترى، فأيا كانت التكاليف المرافقة مؤذية ومحبطة، فقد ربح البيع!
ثم التصرف كعابر سبيل يمشي في الأرض شهيدا، وقلبه معلق عند العرش!
يردد في كل محطة امتحان صدق: "ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك".
هي دنيا فانية، وما عند الله خير وأبقى.
ويا لعظمة الجبر الإلهي لمن أخلص واحتسب!