الغياب في الغياب
"فيا لكِ من قمّةٍ تُشبه الهاوية
أنتِ يا قمّةَ الجبلِ العالية ! ".
— محمود درويش
مُطارَدًا بانهياراتي، ومُطَّرِدا
أعدو.. كأنِّي قطارٌ يستحيلُ مدى
أعدو، ونفسي رصيفٌ حائرٌ، ويدي
تُصافِحُ الرِّيحَ.. مفقودًا ومُفتقِدا
أغيبُ باسمي: إسارٌ (عادلٌ)، وأنا
أسيرُ نحوَ إساري
أفتَدي أحدا
أريدُ أن تجِدَ الخطواتُ حكمتَها
منِّي
ولم أعِدِ الخطوات
لن أعِدا !
تعبتُ من جبلي اليوميّ، تهبطُ بي
ذُراهُ.. أصعدُ فيه هُوَّتيْن سُدى
تعبتُ من وردةٍ لا أستضيءُ بها
ما لم تكن في مرايا الوردةِ الجسَدا
تعبتُ من خيمةٍ في القلبِ تُشرعني
أهيمُ.. مذ غرست بي الموجَ والوتدا
أخاف في رسمةٍ بيضاء
في أُطُرٍ بيضاء
من فرَسٍ بيضاء أن تخِدا !
آسى على شجرٍ ساقيتُهُ قمرًا
طولَ الخريف.. سيذوي بعدَهُ رمَدا
أحِنُّ يا قِلَّةً حاقَ النضوبُ بهم
ولم يعُد من مَراثي الماءِ لي برَدى
بكيتُ حدَّ امّحائي الآن نافذةً
في إثرِ نافذةٍ لم تبتسم أبدا
يرفُّ صوتُكِ في أعشاشِ حنجرتي
يا أنتِ
لا لغةٌ تكفي لنتَّحِدا
يكاد وجهُكِ يرفو لي مُخيّلتي
في الحُلمِ
لو لم تكن منحوتةً سَهَدا
ما زلتِ أنتِ نداءاتي التي احتجبت
بالغيب
لا مطرٌ يحنو لنحتَشِدا
لي خيبةٌ ملءَ صمتِ الذئب !
لا أفقٌ
يحدو الرِّفاقَ
ولا يشفي العُواءَ صدى
لي حيرةٌ في غِرارِ السَّيف !
يشحذُهُ
جدبُ الليالي، ولا برقٌ به ارتعدا
مُدًى من الثَّلجِ أحلامي اطّعنتُ بها
وحدي
ليفثَأَها فجرُ الخلاص غدا
مُدًى من الثَّلجِ كانت لا تزال
-إلى أن عانقتني سماءُ الفاردين- ندى
تَذاوُت
"يُريد أن ينهارَ هذا الجدار
كي ينتهي من خيفةِ الانهيار"
عبدالله البردُّوني
عيناكِ
أم قلقُ الأسماءِ في شفَتي
قد جفَّ حتّى تناهى بي مدى لُغتي؟
تركتِ بي ألفَ معنًى للهطولِ وقد
تركتِني دون معنى البرقِ فاخْتَفَتِ !
لا ريْب، قد قالتِ الغيماتُ حكمتَها
حين انتقت من فصولِ العُمر ما انتقَتِ !
الأخضرُ الآن ظلٌّ أصفرٌ، ويدي
تلويحةٌ في فراغٍ أبيضٍ جرَتِ
لولاكِ..
لولا سرابٌ ما كنافذةٍ سَكْرى..
ولولا الخُطى
لم أبتكر سَعَتي !
الانهيارُ قديمٌ في الجدار؛
هلِ الندوبُ إلّا اختزالُ النهر
في نُكَتِ؟
أعمى الخيال أنا المأخوذُ
بالقُمُصِ العمياء
عن عبَقي الأخَّاذِ في رئتي
أنتِ الحكايا.. ثقوبٌ في الوجود
أنا
نايٌ يجادلُ في ما ماتَ: لم يمُتِ !
إسباغ الطابع المرَضي على مآزق الإنسان الروحيّة وتسميتها "أزمات نفسيّة"؛ هذا هو أكبر وأخطر ما يُعيق المُبتلى عن دفع بلائه.
الروح تشتاق إلى بارئها، ولا تستغني عن الوصال للحظة؛ فإذا خاض الإنسان غِمار الحياة واستضعف هذا الشوق كان البلاء، كان البلاء ليقوى الشوق ويحيا فيستصحّ الإنسان ويستقيم.
والمشكلة في الطابع المذكور أنه يصف دائمًا ما يستبطنه الإنسان من واقعه الأرضي، ولا يعلو به عن هذا الواقع؛ فيُوصف ما يؤذيه بأنه قلق (لا وسواس)، أو اكتئاب (لا قنوط)، أو شعور بالفراغ (لا غفلة)، أو عدم الثقة بالنفس (لا ضعف اليقين بالله).
ولا حول ولا قوَّة إلا بالله.
"كلُّ من يرحلُ في الليل إلى الليل – أنا
كلُّ نايٍ قسَم الحقلَ إلى اثنين:
مُنادٍ ومُنادًى لا يُناديهِ – أنا
كلُّ ما يُعجبني يحتلُّه الظلُّ هنا !
كلُّ من تطلبُ مني قبلةً عابرةً
تسرقُ روحي وخُطاي
كلُّ طيرٍ عابرٍ يأكلُ خبزي من جروحي
ويُغنِّي لسواي !"
— محمود درويش
حديث أ.عبد الله الشهري، وتعليق أ.سليمان الناصر عليه، يفتحان بابًا مهمًا للتأمل، لا في قيمة المثالي أو الواقعي، وإنما في التقابل نفسه بينهما. ولا أريد من التعليق عليهما ترجيح الواقعي على المثالي، ولا المثالي على الواقعي، بل مساءلة الإطار المفهومي الذي يجعلنا نرى العلاقة بينهما علاقةَ اختيار بين نقيضين.
أتفق معهما في أن الإنسان لا ينهض بغير ما يسمو به على واقعه، وأن الواقع لا يستغني عن المنشود والواجب. لكني أتوقف عند الثنائية التي تحصرنا بين "الواقعي" و"المثالي"، وكأن أحدهما لا يثبت إلا بنفي الآخر.
فهذا التقابل، شأنه شأن سائر التقابلات الثنائية، لا يكتفي بالتمييز بين طرفين، بل يحوِّل أحدهما إلى معيار، ويجعل الآخر نقيضًا له أو ناقصاً عنه. ومن هنا بدا انحياز الأستاذين إلى المثالي، كما قد ينحاز غيرهما إلى الواقعي.
والحال أن كل واقعي يحمل قدرًا من المثالية، لأنه لا يخلو من تصور لما ينبغي أن يكون، وكل مثالي يحمل قدرًا من الواقعية، لأنه لا يستطيع أن يفكر خارج شروط الواقع الذي ينطلق منه. لذلك لا وجود لواقعية "الحجارة الصماء"، كما لا يصح اختزال المثالية في أحلامٍ معلقة في الفراغ.
فالواقع شيء، و"الواقعية" من حيث هي موقفٌ إيديولوجي شيء آخر، كما أن المثال شيء، و"المثالية" من حيث هي مذهبٌ مضاد للواقعية شيء آخر. وكثير من هذا الجدل، في تقديري، ليس ناشئًا من طبيعة الواقع أو المثال، بقدر ما هو أثر لبنية ثنائية ورثناها، حتى غدونا نفكر بها أكثر مما نفكر فيها.
وما ذكره الأستاذ سليمان من أن الإنسان مفطور على طلب الأكمل، وأن القرآن الكريم يحث على تحصيل الأحسن والأتقى والأكرم، يؤيد هذا الفهم أكثر مما يؤيد التقابل بين الواقعي والمثالي. فهذه التوجيهات لا تدعو إلى الانفصال عن الواقع، ولا إلى الاستبدال بالواقع عالماً مثالياً مفارقاً، وإنما تجعل الواقع نفسه مجالًا دائمًا للارتقاء. فالمنشود ليس نقيض الموجود، بل هو أفق ارتقائه، والواجب ليس خارج الوجود، بل قوة فاعلة فيه.
مع خالص التقدير لهما،،،
@salnasser12@alshehriaccount
هذا الجواب للدكتور عبدالله مهم جدا؛ إذ أنه يرد شبهة ذاعت بين الناس، ذيوع تقليد وترديد، وإلا فمن تفكّر في دعوى المثالية هذه تبين له تهافتها، فالانسان ليس مجرد كائن موجود بل هو كائن مسؤول، والمسؤولية قيمة تنتمي إلى عالم الوجوب، وعالم الوجوب مقارن لعالم الوجود، فكل واقع يقارنه واجب، أو قل: كل موجود يقارنه منشود، والوجوب والوجود في المنظور القراني لا ينفصلان، لهذا لا معنى للمفاضلة بين الواقعية والمثالية، لأن تكوين "الانسان الفطري" يتضمن التوجّه للأكمل، فتجد الانسان يسعى للأمثل في مجالات الصحة والعمل والعلاقات وكل أموره الدنيوية بسعى فيها للأمثل والأكمل، وكذلك في أمور الباطنة يسعى للأكمل والأمثل، واذا تأملت صيغ الأمر بالمعاني الأخلاقية في القران الكريم، مثلا (أن أكرمكم عند الله اتقاكم)، (وأحسنوا أن الله يحب المحسنين) وفي الحديث النبوي (أقريكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) تجد أنها صيغ تحث وتبعث على تحصيل الأكمل والأسمى، وهو الأمثل، فالذي يحسّن الموجود إنما هو القصد والتوجّه نحو المنشود.
وما طرح سؤال المثالية والواقعية إلا صدى لفكرة راسخة في مجال فكري آخر يفصل بين الوجود والوجوب، أو بين الواقع والمثال، في حين لا يجد هذا الفصل مسوغًا في ثقافتنا الراسخة، والدليل أن السيرة النبوية التي هي أعلى نموذج مثالي في عقل المسلم لم تكن مثالا متخيّلا بل سيرة واقعة في التاريخ والاجتماع تفيض بالقيم والأخلاق حتى كانت هذه السيرة هي التجسيد الأمثل لأخلاق القران العظيم.
الشكر مجددًا للأستاذ الكريم.
"بإمكاننا أن نقتل أي شيء ما عدا الحنين إلى الفردوس؛ فنحن نحمله معنا في ألوان عيوننا، وفي قصص حبنا، وفي لحظات شرودنا... في كل ما يُعذّبنا ويُوحّدنا بعمق".
— خوليو كورتاثر