صحيح أن الواقع العراقي وما حل به لا يسير بطريقة موضوعية، لأنه يستمد وقوده من أكثر الأفكار تخلفاً في التاريخ المحلي وظروف العقود الأخيرة التي صنعت أخلاقياته وأدبياته وحرمانه وثأراته المتجددة. لكن لا بأس بالتذكير أحياناً بما كتب في العالم وإسقاطه على ما يجري لنا.
في كتابه "انهيار المجتمعات المعقدة"، يرى عالم الأنثروبولوجيا والمؤرخ الأميركي، جوزيف تاينتر، أن ضربة واحدة على رأس الأنظمة غير قادرة على إسقاطها، بل إنها تسقط بسبب "تناقص العائد على الاستثمار في التعقيد". ففي أزماتها، تلجأ إلى إنشاء مؤسسات غير منتجة، وهيئات بيروقراطية، وجيوش من الموظفين العاطلين لأسباب طائفية أو انتخابية، إلى أن تغدو تكلفة صيانة هيكل الدولة أكبر من قدرة الاقتصاد على التحمل، ويصبح دفع الرواتب إنجازاً يستحق الاحتفاء!
ومع أن "تاينتر" كان يدرس مجتمعات تضطر لاستخراج الموارد عبر جهد بشري وتنظيمي معقد يستهلك طاقة متزايدة، كالزراعة المكثفة في الإمبراطورية الرومانية، بينما يبدو التعقيد في العراق طفيلياً يطفو فوق أنبوب نفط ينتج الثروة بجهد خارجي، إلا أنه يقدم نموذجاً مفسراً لطريقة الأنظمة في ابتلاع نفسها عندما تغرق في الإهمال والاستجابات الارتجالية السريعة لشراء شرعية وهمية. حين تواجه هذه الأنظمة مشكلة أمنية أو تنظيمية أو اقتصادية أو احتجاجية، تكون إجابتها التقليدية دائماً: إضافة طبقة جديدة من التعقيد. خذ مثلاً عندما واجه "الإطار التنسيقي" عقبة عدم اتفاق أطرافه على توزيع الوزارات في الحكومة الأخيرة، كيف كان الحل؟ اختراع وزارات جديدة، كان يفترض أن تسند إحداها لشخصية تلاحقها شبهات فساد، وكانوا حريصين على عدم زعله.
في التعقيد العراقي، تبدو هذه الإضافات والمؤسسات وطبقات الموظفين مفيدة جداً في البداية، إذ توهم بالقدرة على الاستقرار، لا سيما أن شريان النفط لم ينقطع بعد. يريد النظام شراء الجميع عبر تحوله إلى مؤسسة رعاية اجتماعية تضخ الوظائف والهيئات ومنابع المال غير المنتج. وهكذا، كلما ظهرت مشكلة ناتجة عن الفساد أو سوء الإدارة، لا يُصلح الأصل، بل يبتكر "لجنة جديدة" أو "هيئة رقابية" تتطلب موازنة إضافية، إلى أن يتحول من كيان ينتج الثروة، إلى "دكّان" ينفق كل ما يملك ـ مع الدعاء وانتظار المعجزات ـ فقط لدفع الرواتب وتوفير الكلف التشغيلية لهيكله المتورم.
عندما يصل النظام إلى مرحلة تناقص العائد، يصبح مريضاً عاجزاً عن التكيف مع أي صدمة، سواء كانت "هرمزية" أو اقتصادية. إن الانهيار ليس مصيبة مفاجئة تحل بالأنظمة، بل هو نتيجة حتمية عندما تصبح تكلفة الإبقاء على تعقيد الدولة أكبر بكثير من فائدته للمجتمع، خاصة مع تحوّل المؤسسات التي يفترض أن تكون مستقلة، إلى خادمة للقوى السياسية وليس للدولة أصلاً!
كلّما واجه العراق مشكلة مالية، أتذكر المعركة بين محافظ البنك المركزي الراحل، سنان الشبيبي، ورئيس الوزراء آنذاك، نوري المالكي عام 2012. لا أريد تنزيه الشبيبي هنا من مشاكل إدارته التي يعرفها المتابعون آنذاك، لكن معركته كانت جزءاً من صراع مفصلي بين استقلالية المؤسسة النقدية ورغبة السلطة التنفيذية في السيطرة على القرار المالي والتصرف بالاحتياطي النقدي. طلبت حكومة المالكي وقتها اقتراض جزء من احتياطي البنك المركزي لدعم الموازنة وإقراض مشاريع معينة، لكن الشبيبي رفض بشكل صارم مستنداً إلى قانون البنك المركزي الذي يمنع إقراض الحكومة أو المساس باحتياطي العملة الصعبة لغايات تشغيلية، مؤكداً أن "مهمة الاحتياطي هي حماية قيمة الدينار والاستقرار النقدي فقط".
انتصرت حكومة المالكي وقتها بمساندة من المحكمة الاتحادية العليا التي مهدت لإخضاع البنك المركزي لرئاسة الوزراء، فضلاً عن رفع الحصانة عن الشبيبي وإقالته إلى أن مات خارج البلاد. كان الهدف هو السيطرة السياسية على المؤسسة النقدية ووضع اليد على الاحتياطيات، وهو نهج استمر حتى اليوم حيث تملك الحكومة وخلفها القوى المتنفذة مفاتيح كافة المؤسسات، بلا نقاش، بلا تخطيط، وبلا حساب للقادم. نحن لا نملك معارك كهذه الآن، معارك منتجة من أجل الفصل بين السلطات واحترام المؤسسات ومنعها من الانحراف. لقد تحولت "الديمقراطية" إلى لعبة نكيّف مخرجاتها مع ما يريده المتنفذون، إلى أن أصبحنا اليوم عاجزين حتى عن دفع الرواتب.
كان يمكن للشهيد أن ينخرط في جوقة الزبابيگ، وأن يعيش حياةً هانئة أسوةً بأقرانه من أرباع الصحفيين، الذين انخرطوا في جسّد النظام الحكم وأصبحوا أداةً لضرب كل صوت معارض. ولكنه اختار المواجهة بدل المواراة خلف جدار الصمت، ليدفع جراء ذلك حياته بِبِضعِ رصاصات ثمنًا للحقيقة. #هشام_الهاشمي