حين تظن أن الطريق انتهى
كم من إنسان أثقلته أخطاؤه حتى ظن أن أبواب السماء أُغلقت دونه، وأن ما مضى من تقصير أكبر من أن يُغفر، وما علم أن رحمة الله أوسع من ذنوبه، وأن لطفه أعظم من عثراته. إن الشيطان لا يفرح بالذنب بقدر فرحه باليأس بعد الذنب، لأن الذنب قد يُمحى بتوبة، أما اليأس فيقطع الإنسان عن طريق العودة.
تأمل هذا النداء الرباني الذي لم يأتِ للصالحين وحدهم، بل للمذنبين والمقصرين والمنكسرين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].
لم يقل: بعض الذنوب، بل الذنوب جميعاً. وكأن الله يخبرك أن بابه أكبر من خطئك، وأن رحمته أوسع من ماضيك، وأن المستقبل لا يُبنى بما فعلت بالأمس، بل بما تقرر أن تفعله اليوم.
فلا تجعل ذنباً قديماً يحرمك أملاً جديداً، ولا تسمح لعثرة أن تعرفك بنفسك. أنت لست أخطاءك، بل توبتك بعدها، ولست سقوطك، بل قيامك من جديد. وما دام القلب ينبض، فباب الرجوع مفتوح، وما دام الله ينادي عباده بالرحمة، فليس لأحد أن يحكم على نفسه بالهلاك.
أحياناً ... يسلبك الله البصيرة، لا عقاباً، بل تدبيراً.
يرفع عنك الفطنة لحظة، حتى يمضي أمره فيك دون أن توقفه بحذرِك أو تعرّقله بحسابك.
وحين يقع القضاء،
تعود إليك الحكمة متأخرة، تجلس على أنقاض الحدث.
فتنظر لنفسك بدهشة الملوم وتقول:
"أين كانت بصيرتي؟ أين غاب إدراكي؟"
فتدرك حينها أن الله إذا أراد أمراً، عطّل أسبابك،
ليعلمك أن التدبير تدبيره، وأن العقل وحده لا يدفع مقدوراً.
ليس غباءً منك، بل حكمة من الله.
فما ذهبت فطنتك إلا لتمضي إرادته... ولتتعلم بعدها أنكِ عَبْدٌ مُدَبَّرٌ بأمر الله...
"ستدركُ يوماً
أن الصلاة كانت خيراً من النوم، ونمتَ
وأن ورد القرآن كان يطمئنك، وهجرتَ
وأن الأذكار كانت تزيد يومك بركة، وتكاسلتَ
وأن الإستغفار كان يوسع رزقك، وتغافلتَ
وأن قيام الليل كان يبعث الطمأنينة في قلبك، وتركتَ
وأن باب التوبة مفتوح في كل وقت، فأجلتَ
أدرِكْ هذا باكرا وأَقبِل"
التعرض المستمر للضغوط النفسية يرهق الجهاز العصبي،
فيبدأ الدماغ بإطفاء المشاعر تدريجيًا كآلية “حماية ذاتية”.
وهكذا يتحول الإنسان من شخص اجتماعي ومرح،
إلى كتلة صمت تحاول فقط النجاة لا المتعة
إياك والفراغ، وأن تألف الرّاحة، فتترك الميدان لغيرك خوفًا وضَعفًا، إياك والبحث عن سفاسف الأمور في ظلِّ مرحلةٍ أنت أحوج ما يمكن لأن تُصقَلَ جيدًا، وتَثبُتَ كشجرةٍ لا تموت، وانتبه أن تُضِع نَفسك!
ستمُرّ عليك أيّامٌ عجاف، ستُحبس بعض أفكارك، سيذبل فيكَ غرسًا أحببته، سينبت مجددًا إن قُمت، ليس وقت الحَزَن، ولا الضعف، ولا الخضوع، ولا التفاهة والفراغ.. بل هذا زمن إعداد وإمداد، كن بخير ما استطعت!
لابد لك أن تقف وجهاً لوجه أمام قراراتك واختياراتك ومتاعبك وتتعامل معها بكل حزم ، لا أن تواجهها بالحزن والشكوى وكثرة التفكير والاستسلام ، فالمؤمن القوي أحب إلى الله وخير من المؤمن الضعيف