أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بِحَاجَتِهِ * وَمُدْمِنِ الْقَرْعِ لِلأَبْوَابِ أَنْ يَلِجَا
ثمة مسلك يندرج تحته مسالك، و جاء الشاعر على ذكر المسلك الواسع، الرئيس، في صدر البيت، وهو مسلك الصبر، الذي يندرج تحت مظلته، مسلك إدمان قرع الأبواب، بل ويتفرع منه.
فصاحب الصبر بالمجمل، خليق (جدير)، بأن يحظى بحاجته. ولأن التمسك بالصبر، ليس أمرًا يسيرًا، فإن جائزة من يلتزم به، لا تكون قليلة. لذلك اختار الشاعر للتعبير عن نوال ذي الصبر حاجته، كلمة (يحظى).
في (مقاييس اللغة):
(حظي): الْحَاءُ وَالظَّاءُ وَمَا بَعْدَهُ [مِنْ] حَرْفٍ مُعْتَلٍّ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْقُرْبُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْمَنْزِلَةِ... فمنه قَوْلُهُمْ: رَجُلٌ حَظِيٌّ، إِذَا كَانَ لَهُ مَنْزِلَةٌ وَحُظْوَةٌ. وَامْرَأَةٌ حَظِيَّةٌ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: «إِلَّا حَظِيَّةً فَلَا أَلِيَّةً». يَقُولُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكِ حُظْوَةٌ فَلَا تُقَصِّرِي أَنْ تَتَقَرَّبِي. يُقَالُ مَا أَلَوْتُ، أَيْ مَا قَصَّرْتُ.
فذي الصبر يحظى بحاجته، باعتباره يمنح حظوة، ويُنزَلُ منزلة عالية، بحصوله على حاجته.
وكما ذكر أبو محمد، فإن في العجز تبعيض الصدر، إذ أن (مُدْمِن الْقَرْع لِلأَبْوَابِ)، لا يُمكنه أن يدمن قرع الأبواب، لو لم يكن صابرًا، وأول مقومات الإدمان المذكور، التحلي بالصبر.
ويعجبني استخدام لفظة (التحلي)، في وصف الالتزام المسلكي المنضبط، ولعلها تلمح إلى سهولة إتيان الفعل، حتى كأَنَّ الفاعل من ثقته بنفسه، يبدو مرتخيًا، يتناول بسلوك هذا المسلك الحلوى!
واختيار الكناية بالأبواب، والإصرار على السلوك بقرع الأبواب، في نظري يبدو من الإشارات إلى أدب المسلك، فالإدمان لا يعني التطفل، إذ قرع الباب دلالة على التخلق بالأدب، وإمضاء سنة الاستئذان، قبل الدخول.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). قال ابن كثير: "هذه آداب شرعية ، أدب الله بها عباده المؤمنين ، وذلك في الاستئذان. أمر الله المؤمنين ألا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم حتى يستأنسوا ، أي : يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده".
وفي "الباب" من الدلالات الظاهرة والخفية، المباشرة، وغير المباشرة، الكثير، الكثير، بداية من كونه وسيلة ولوج البيت، بما يحمل البيت من معاني الاستقرار، والسكن، والطمأنينة، والأمن، والاستئناس.
وليس للتعاطي مع معاني البيت كلها، من وسيلة مشروعة سوى "الباب". وفتح الباب وغلقه فيها من دلالات الباب ومعانيه الكثير، والولوج للدور والبيوت لا يتطلب بابا فقط، بل يتطلب بابا وطارقا.
إن من تقدير الإسلام للباب، ودلالاته الإيجابية، أن علوم الشريعة واللغة العربية، في مصنفاتها كافة، قسمت كل فنٍ من الفنون إلى أقسام، وأطلقت عليه (باب) كذا وكذا، فلا يلج أحدٌ بيوت العلم، إلا من أبوابها، وذلك بمعرفتها، وإتقان مفاتيحها وأقفالها، وإتقان التعامل مع أدواتها.
وضمن معاني الباب الحسية والمعنوية، يبرز أعظم الأبواب، وهو باب السماء، ويُراد به باب الله تعالى. وهو بابٌ لا يصله أحدٌ قبل المرور بما يُسمّى (باب الأبواب).
قال الإمام الجرجاني في (التعريفات):
"باب الأبواب: هو التوبة؛ لأنها أول ما يدخل به العبد حضرة القرب من جناب الرب".
وفي الباب حديث مفصل، نرجو أن يكفي مجمل ما ذكرنا فيه عن تفصيله، ونترك الباب مواربًا، والباب الموارب، هو الباب إذا كان في منزلة بين منزلتين، فلا هو في منزلة الباب المفتوح، ولا هو في منزلة الباب الموصد والمغلق، إنما جعلت دفتيه متقاربتين دون أن يصطكا، فهو بابٌ (مطرَّف)، وهي بالعامية: الموارب، والله أعلم.
#تركي_الدخيل
اعتادت العرب على استعمال صيغة الجمع للمفرد في سبيل التعظيم والتبجيل ومازلنا نراها اليوم في المطاوعة عند قولهم "احسن الله اليكم" بدلا من "اليك" وما شابه من الامثلة مثلما ذكر، هذا ايضا سبب ذكر الله عز وجل لنفسه بصيغة الجمع في ايات مثل اية (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)
وش مشكلتنا مع صيغة الجمع في المحادثات؟
توني أكلم واحد مسوي عملية ف قلتله: والله حبينا نسلم عليك ونتطمن على صحتك
مين حنا؟ مافيه الا انا
أتوقع أن صيغة الجمع في مثل هالمحادثات أخف على المستمع وعليك كمتحدث، يعني تخيل أقول حبيت أسلم عليك
أشعر أنها تفتقد للخشونة
من أمس وأنا أفكر في هذه التغريدة، وفي بالي كلام كثير لدرجة إني راح أغلق الردود لأن النقاش في هذا الموضوع من الأشياء المتعبة.
لكن غالباً لو صادفك إنسان جاء وسألك هذا السؤال في أرض الواقع فلا تستخف بسؤاله حتى لو أنت مقتنع برد معين في خاطرك، لأن هذا السؤال مدخل لشيء سوداوي وعميق داخل نفس المتكلم.
قبل مدة وقعت على محاضرة لأحد المفكرين ولن أذكر اسمه حتى لا يتحول النقاش حول طرحه، كان يتكلم عن أسئلة المعنى التي تهبط على الإنسان وتختبر إحساسه بوجوده في هذا العالم.
ثم أورد كتابين لفهم هذه المعضلة، الأول للكاتب فيكتور فرانكل واسمه الإنسان والبحث عن المعنى، وكتاب ثاني لألبير كامو اسمه أسطورة سيزيف.
أما فيما يتعلق بالكتاب الأول وهو الكتاب الأكثر إيغالاً في تفاصيل الألم والكآبة والنظرة التشاؤمية، تقرأ الكتاب وتحس إنك تتابع فيلم رعب حقيقي.
فرانكل كان يوصف معسكرات الاعتقال والمحارق والجوع والبرد في معسكرات الاعتقال النازية، وكيف إن الواحد فيهم ينام هو ومجموعة يتغطون بلحاف واحد من شدة الزحمة والبرد.
في عز هذا الظلام وفي وسط كل هذا الألم اللي يخليك تصرخ من داخلك وين العدل، فرانكل لاحظ ملاحظة غريبة جداً. لاحظ إن السجين اللي كان يقدر يصبر وما يروح يرمي نفسه على الأسلاك المكهربة عشان ينتحر، ما كان بالضرورة هو الأقوى جسدياً لكن هو الشخص اللي عنده معنى يعيش عشانه. المعنى هذا هو اللي خلاه يتحمل أقصى درجات الظلم البشري.
أما بالنسبة للكتاب الثاني اللي هو أسطورة سيزيف عشان، كامو طرح فكرة العبثية من خلال أسطورة يونانية عن ملك تمت معاقبته بأنه يدفع صخرة لقمة الجبل، وكل ما يوصل للقمة تطيح الصخرة ويرجع يدفعها من جديد إلى ما لا نهاية.
كامو كان يشوف إن حياة الإنسان الخالية من الإيمان تشبه هذا العذاب بالضبط، بلا هدف وبلا عدل، والحل الوحيد في رأيه إن الإنسان يخادع نفسه ويصنع له أي معنى وهمي عشان يقدر يكمل يومه وما ينهي حياته.
طيب لو أخذنا الحياة بهذا الشكل المادي، بحدود بدايتها ونهايتها في هذه الدنيا، وبكل اللي نشوفه فيها من مصائب وأمراض وفقد وظلم وعبث، الإجابة المباشرة اللي بتنط في راس أي واحد هي لا، طبعاً الحياة مو عادلة. يعني أنت لو تقيس العدل باللي يحصل هنا بس راح تصاب بالجنون.
فيه كلام عجيب للإمام القرطبي وهو يفسر آية (لقد خلقنا الإنسان في كبد) سرد فيه قائمة طويلة من العذابات اللي تمر على الإنسان من يوم يولد وتُقطع سرته، مروراً بألم الأسنان والهموم والديون، لين يكبر وتضعف ركبته وصولاً لسكرات الموت. معنى كلامه أن هذه الحياة هي مسلسل متصل من التعب والمعاناة للكل.
زين وين العدل إذا كانت الدنيا كذا؟ الحياة بمفهومها الدنيوي المحدود ماهو مطلوب منها أصلاً تكون دار جزاء كامل. هي دار ابتلاء وممر، يعني طبيعي جداً تكون في كبد. بس الفكرة إن هذه الدنيا ليست هي القصة كاملة للمؤمن، وهذا اللي يفصلنا عن نظرة سيزيف العبثية.
فيه مشهد أخير وفيه يوم آخر يكتمل فيه ميزان العدل. المعاناة اللي تمر فيها، الظلم اللي تتعرض له، الألم اللي ينهش روحك وما أحد حاس فيه، هذا كله له وزن وله معنى وله حكمة عند إله عليم وخبير. لا توجد صخرة تدفعها عبثاً، ولا يوجد ألم يضيع هباءً.
يعني بمعنى أدق، العدل لا يُقاس بحدود سنوات عمرك القصيرة في هذه الأرض. العدل يكتمل لما تكتمل الصورة كلها وتفضي إلى الله، ووقتها راح تفهم حكمة كل دمعة نزلت منك.
ولذا لفتتني جملة عظيمة لدوستويفسكي انذكرت في ختام المحاضرة يقول فيها يوجد شيء واحد فقط يروعني وهو ألا أكون جديراً بآلامي. الخوف الحقيقي ليس من غياب العدل، ولكن من أن نخرج من هذه المعاناة بدون أن ترتقي أرواحنا وتكون فعلاً جديرة بهذا الامتحان.
@liiwwi مافعله رسول الله عليه الصلاة والسلام استعاذة وتحرز مشروع، الفرق ان التغريدة الاصلية تتكلم عن لزوم افتراض الشر كاصل ثابت في التفكير وهذا هو التشاؤم المنهي عنه
رأيت اكاديميين وناس متعلمين وشخصيات وتجار
مقتنعين بنظام الطيبات
ما اخفيكم ان هذه اكبر صدمة مجتمعية لي في حياتي
تغيرت نظرتي للمجتمع بشكل كبير
كيف شخص مختل يخدع كل هؤلاء البشر بكلمات بسيطة يقولها وسيجارته في يده
يقول اني عالجت ٣٠٠ حالة سرطان ولم يعرض منها حالة واحدة..
ضعف البشر مخيف وسهولة الخداع لأناس متعلمين وقادة في محيطهم مخيف اكثر.
Fear of intimacy / الخوف من الحميمية ليس مصطلحًا حديثًا ، بل له جذوره العميقة في النفس البشرية، وقد وصفه ابن حزم بدقة مدهشة قبل أكثر من ٩٩٠ سنة في كتابه طوق الحمامة (٤٥٦ هـ)
يحكي عن أناس هجرو احبتهم لا لأنهم كفوا عن الحب او لان المحبوب كف عن حبهم، بل لأنهم خافوا مرارة فراق لم يحدث بعد.
يهربون من “لوعة الأسف” عند الفقد المحتمل، ظنا منهم أن اختيار الألم أسهل من انتظاره.
لكن الهروب لا ينجي، بل يترك القلب في عزلة أشد من ألم الفقد نفسه لان الهدف في النهاية هو الترابط.
وفي هذا السياق استشهد ببيت عمر الخيام( ٤٤٠ - ٥٢٦ هـ)
وقلت للنفس لما عز مطلبها
بالله لا تألفي ما عشت إنسانا
هكذا ندخل دوامة “Push-Pull” (كما يدعوها المعاصرين) أو ما يمكن تسميته بديناميكية “الشد والدفع”؛ نتقدم نحو الحب بدافع الحاجة، ثم نتراجع منه بدافع الخوف.
ابن حزم، بلغة عصره، تفهم هذا الصراع النفسي لكنه لم يبرره، بل رآه دليلا على أن البين اصعب من الهجر، ومع ذلك لم يعتبره مذهبا مقبولا.
كان شديد الواقعية، عميق الفهم، ومتصالحا مع هشاشة القلب الإنساني،
سوي جدا هذا الرجل رحمة الله عليه.