لا تزالُ سورة الكهف تخبرنا كل جمعة
أنَّ تدابير اللهِ فوق منطق البشر:
السَّفينةُ لو لم تُثقَبْ لسُلِبتْ!
والغلامُ لو لم يُقتلْ لأشقى والديه!
والجدار لو لم يُقَمْ لضاعَ مالُ اليتيمين!
مع كلِّ ثقبٍ، وكل فَقْدٍ، وكلِّ نعمةٍ
ردد بيقين : اللهم صبراً على ما لم نحط به خبراً
۞واصبِر علىٰ ما أَصابَك۞
ما أصابك هو خيرٌ حتى وإن ظهر لك بغير ذلك، فذلك من عند الكريم الرحيم، فبعد العسر تيسير وكل أمر له وقت وتدبير،
اللهم إجعلنا من الصابرين المحتسبين ..
أخطر ما في الجمعة أن تعتادها
إذا مالت شمسُ الخميس إلى المغيب، فليس الذي ينقضي ساعةً من نهارٍ فحسب، بل صفحةٌ من العمر انطوت، وخطوةٌ من الأجل اقتربت، وموسمٌ من مواسم الرحمة أوشك أن يُفتح. هنالك أقوامٌ لا يرون إلا مساءً عابرًا، وآخرون إذا رأوا الشفق ينسحب، علموا أن يومًا عظّمه الله يتهيأ للقدوم.
ما أكثر من تأتيه الجمعة كلَّ أسبوعٍ، ولا تأتي قلبه أبدًا؛ تمرّ عليه كما تمرّ السحابة على أرضٍ سبخة، فلا تُنبت حياةً ولا توقظ أثرًا. يسمع النداء ولا يسمع المنادي، ويشهد الجمع ولا يشهد اللقاء، ثم يعود كما ذهب. وما أقلَّ من تنزل عليه كالغيث على أرضٍ عطشى، فما تلامسه إلا اهتزّت وربت، فيدخلها مثقلًا ويخرج منها أخفَّ قلبًا، وأطهر نفسًا، وأبصر بصيرة. الأيام واحدة، ولكن القلوب ليست سواء.
وليس في الدين أن نبتدع للخميس عبادةً لم يشرعها الله، فالدين قد كَمُل، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ولكن من فقه النفوس أن المواسم تُستقبل قبل مجيئها، وأن القلب إذا باغتته الطاعة وهو غافل خرج منها كما دخل، وإذا انتظرها بشوق دخلت عليه دخول النور.
فالنفس لا تنتقل فجأةً من صخب الدنيا إلى سكينة الإقبال، ولا من فتور العادة إلى حرارة العبادة. لذلك قد يدخل رجلان مسجدًا واحدًا، ويخرجان من بابٍ واحد، وبينهما في الأجر كما بين السماء والأرض: هذا جاء بجسدٍ متعب، وذاك جاء بقلبٍ اغتسل قبل أن يغتسل.
فاخفض ضجيج الدنيا حولك، وأغلق أبواب الفضول، وأطفئ سيل الأخبار، وخفف صخب الهاتف؛ فإن القلب إذا غمره الغبار، فأنّى يتسرّب إليه النور؟
فإذا غربت الشمس، ودخلت الليلة المباركة، لم تدخل على قلبٍ غريبٍ عنها، بل على روحٍ قد فُتحت نوافذها، ونفسٍ صارت للخير تائقة، وللذكر مستعدة. وهكذا يكون الفرق بين من تفاجئه المواسم فيقف على أبوابها مرتبكًا، وبين من استقبلها من بعيد، فدخلها دخول المشتاق المكرَّم.
فإذا دنت الجمعة، فابدأ بعمارة باطنك قبل زينة ظاهرك. أطفئ خصومةً طال أمدها، وردّ مظلمةً إن قدرت، واستخرج من صدرك شوكة حسد. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾.
وأكثر من الصلاة على النبي ﷺ، فقد قال ﷺ: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة… فأكثروا علي من الصلاة فيه». وأكرِمْ بها من ليلةٍ شريفةٍ يفتتحها العبد بالصلاة على نبيّه، فتصفو بها الروح، ويلين بها القلب.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. فتأمل كيف بدأ بقطع الأشغال قبل طلب الإقبال؛ لأن القلب إذا امتلأ بضجيج الدنيا، ضاق عن خطاب السماء.
وصحّ عنه ﷺ أنه قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة»، وقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا إلا أعطاه». أخفاها الله ليبقى العبد مترقبًا، كما أخفى ليلة القدر ليبقى الساعي ملازمًا للباب.
وفي أعظم ما ورد في التبكير إليها قوله ﷺ: «من غسّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكّر وابتكر… كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها».
وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله ﷺ: «غسّل واغتسل»، وجماهير الشراح على أن المراد المبالغة في الغسل والتنظف، واستكمال أسباب الطهارة والتجمّل ليوم الجمعة. فالسنة يسيرة، والمقصود إحسان الهيئة، ورفع الأذى، وتعظيم هذا اليوم الكريم.
تأمل اجتماع هذه الفضائل في عملٍ يسير: طهارة، وتبكير، ومشي، وإنصات، ثم أجر عظيم. وفيه تربية بديعة: أن العبادة لا تبدأ عند باب المسجد، بل من لحظة الاستعداد لها، وأن الطريق إلى الطاعة من الطاعة.
إذا صعد الخطيب، فاجمع شتاتك، وأنصت إنصات من يعلم أن كلمةً واحدة قد تُحيي ما مات فيه منذ سنين. قال ﷺ: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت».
إذا انقضت الصلاة، فلا تعجل بالخروج كأنما انقضى الموعد، فإن كثيرًا من الناس يشهدون الجمعة ثم يفرّون من بركتها قبل أن تلامسهم. اجلس ساعةً مع قلبك، وداوِ ما أثقلته الأيام. أكثر من ذكر الله، وصلِّ على نبيّه ﷺ، واقرأ من كتاب ربك ما يلين به الفؤاد. فإن القلوب بعد الموعظة تكون أرقَّ ما تكون، وأقرب ما تكون إلى القبول. وما بين الجمعة والمغرب فسحة غنيمة للرابحين: عبدٌ خلا بربه، أو مستغفر، أو تالٍ، أو داعٍ يترقّب ساعة الإجابة بقلب حاضر.
فإذا مالت شمس الخميس مرةً أخرى، فاعلم أن صحيفةً طُويت، وأن بابًا جديدًا فُتح، وأنك بين نعمتين: جمعةٍ أدركتها، وأخرى لا تدري أتدركها أم تُدركك المقادير قبلها. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
طوبى لمن بدأ الجمعة قبل أن تبدأ، فحضر بقلبه قبل جسده، وبشوقه قبل خُطاه، وبدمع توبته قبل ثيابه. وويلٌ لمن تُفتح له أبواب الرحمة كل أسبوع، ثم يظل واقفًا خارج الباب… يحدّق في النور، ولا يدخل.
د. غازي حمّاد العبّاد
لو استحضرتَ وأنت تصلي الفجر و العصر
أن ملائكة الليل وملائكة النهار شاهدون معك في هذه الصلاة
لوجدتَ لهاتين الصلاتين
شأناً كبيراً ،
وأمراً عظيماً ، لاتجده في غيرهما.
أعظكم بواحدة .
لما تضيق عليك كرر هذا الدعاء حتى تنفرج:
"اللهم إن الأمر أمرك، والخلق خلقك، والقضاء قضاؤك اللهم إني وكلتك وفوضت أمري إليك.. وحوقل فإن الحوقلة يتبعها معجزة."
ويلفّني وجع الحنين وأدّعي
صبرًا ، وجوفي بالأسى يتقطّعُ
وأذوب من شوقي له لكنني
من فرط حزني أعيني لا تدمعُ
وطيُوف أحبابي تمُرّ بخاطري
والْقلْب من شجَنٍ بهِ يتَصدّعُ
يا ليتَ من غابُوا سلونا بعدهم
أو ليت من نبكِيه يوماً يَرجعُ