منذ سنوات وقبل أن أصبح أمًا كنت بيني وبين نفسي أستنكر أمورًا كثيرة…
استنكرت أن أرى طفلاً مع العاملة في الجمعية وأمه غير موجودة، ثم أدركت أن الأم قد تكون في دورة المياه أو مريضة أو في المستشفى أو ربما حتى متوفاة.
واستنكرت أمًا تترك طفلها يبكي ويصر على شراء حلوى أو لعبة معينة وهي ترفض، ثم فهمت بعد الأمومة أن الأم قد تكون في تلك اللحظة تهذب طفلها وتعلمه أن البكاء والإصرار لا يعنيان أنه سيحصل على كل ما يريد.
واستنكرت عائلة تتناول الغداء في مطعم بينما عاملتهم تجلس على طاولة أخرى، وظننت يومها أنهم يتعاملون معها بعنصرية، إلى أن حدث معي موقف مشابه تمامًا حين رفضت عاملتي السابقة تناول الطعام لأنها كانت شبعانة واختارت بإرادتها أن تجلس على طاولة أخرى دون أن نطلب منها ذلك.
واستنكرت أن يجلس الطفل عند العاملة بينما الأم منشغلة بهاتفها، ثم أدركت أن الهاتف لا يعني دائمًا تسلية، قد تكون ترسل بريدًا إلكترونيًا مهمًا أو ترد على أمر لا يحتمل التأجيل، وقد تكون ببساطة أمًا مرهقة ومستنزفة تحتاج إلى دقائق قليلة تستعيد فيها نفسها.
واستنكرت يومًا لماذا لا تشتري فلانة ملابس جديدة لعاملتها، ثم عرفت لاحقًا أنها تشتري لها باستمرار ولكن العاملة نفسها كانت تكدس الملابس ولا تستخدم كثيرًا منها.
ومواقف كثيرة جدًا في الحياة نستنكرها لأننا نرى لقطة واحدة ونبني عليها قصة كاملة.
نرى جانبًا ولا نرى الجانب الآخر
نرى التصرف ولا نعرف سببه
ثم نحكم ونلوم ونسيء الظن، بينما الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا عما تخيلناه.
لذلك كلما رأيت موقفًا لم تفهمه، تذكر أنك ترى مشهدًا من حياة إنسان لا تعرف تفاصيلها كلها.
وحاوطني يا رب بالطيبين الصالحين المخلصين وأجعلني منهم ، وأرزقني حبّك وحب من يحبك، ولا تجعل في دربي إلا من دلني عليك، وأبعد عني كل قلب زائف، وكل نفس مؤذية
من أشد صور ظلم الذات أن تختزل حريتك في هذه الحياة الواسعة، بتجاربها ووفرة خياراتها وتعدد البشر فيها، في انطباع شخص واحد عنك، أو حكم دائرة صغيرة من حولك فتمنح نظرتهم سلطة على تعريفك لنفسك، وتعيش أسيرا لصورة قد لا تتجاوز أذهانهم أصلا