ليس مطلوب من النشطاء و السياسيين الصمت عن الظلم.
المطلوب أن يقترن الموقف الرافض للظلم بالبديل، والغضب بالخطة، والشعار بجدول زمني وميزانية ومسؤول يُحاسَب.
الأمم تنهض حين ينشغل أبناؤها بسؤال «ماذا نبني؟» أكثر من انشغالهم بسؤال «على من نغضب؟».
لطالما انشغلنا بالنموذج الثاني، فلنجرب نركز على السؤال الأول..
تحدثهم عن خطورة الاستهانة بإدمان الفشل، وتكرار الأخطاء، وإهدار الطاقات، وغياب المراجعة والحساب، وانعدام القدرة على التطور أو التصحيح، والسطحية الشديدة في الأخذ بأسباب النجاح، وتجاهل دروس التاريخ القريب، يأتون لك بتاريخ هزائم أنبياء ومصلحين كقدوة، ويتجاهلون الناجحين المنتصرين منهم، بمن فيهم الأسوة الهادي الخاتم صلى الله عليه وسلم.
بعض الإسلاميين يتعبد الله بالفشل والذل والهزيمة والانكسار، وكأنه يستمتع بالمهانة والهوان والإذلال وقلة القيمة، وجهده ينحصر في البحث لذلك عن مستند ديني، فيرى أن إدمانه على الفشل توفيق إلهي، وهزيمته نعمة، وإذلاله تكريم رباني، وتشبثه المرضي بالرأي الخطأ والفكر الخطأ هو ثبات على المبدأ وتمسك بالعقيدة، حتى لو بقي في هذا الهوان المستدام مائة عام !!
لقول الحقيقة عقاب لا تتحمله إلا القليل من النفوس
من يريد الوجاهة والحظوة الاجتماعية لا يحتاج دائماً إلى أن يقول الحقيقة؛ بل قد يكون الطريق الأقصر إلى الجماهير أن يقول لهم ما يريحهم، وما يؤكد قناعاتهم، وما يعفيهم من مشقة الشك والمراجعة. فالحقيقة ليست دائماً مريحة، وقد تصطدم بالموروث أو بالمصالح أو بما اعتاد الناس أن يعدّوه من المسلّمات، ولذلك فإن من يقول للجمهور ما يريد سماعه يكون أقرب إلى التصفيق والقبول ممن يضع معتقداتهم تحت مجهر النقد.
وهنا يكون المتحدث أمام احتمالين: فإن كان يعلم أن ما يقوله غير صحيح، لكنه يقوله طلباً للشعبية أو المكانة أو المنفعة، فهو انتهازي يوظف قناعات الناس لمصلحته. أما إن كان لا يعلم أن كلامه غير صحيح، ولا يمتلك الأدوات التي تمكنه من التحقق منه، ومع ذلك يتحدث بثقة ويقدمه على أنه حقيقة، فالمشكلة أعمق؛ لأنه يصبح أجهل من الجماعة التي يخاطبها، ثم يتحول إلى مرجع يرسخ لها جهلها.
وهكذا تنشأ علاقة تبادلية غريبة: الجمهور يمنح المتحدث الوجاهة لأنه يؤكد قناعاته، والمتحدث يعيد للجمهور قناعاته بعد أن يكسوها بهيبة المنبر أو اللقب أو الشهرة. وكل طرف يصبح دليلاً للآخر: الجماهير تقول إن كلامه صحيح لأنه صاحب مكانة، وصاحب المكانة يستدل على صحة خطابه بتصفيق الجماهير له.
أما من يجعل الحقيقة غايته، فعليه أن يكون مستعداً لخسارة شيء من الحظوة الاجتماعية؛ لأن الباحث عن الحقيقة يسأل: ما الذي تقوله الأدلة؟ أما الباحث عن الجماهير فيسأل: ما الذي يريد أن يسمعه الناس؟
لماذا لا تزال الخرافة والأسطورة تحكمان؟
من المفارقات اللافتة في عصرنا أن الإنسان استطاع أن يصل إلى الفضاء، ويفك شفرة الجينوم، ويبني الحواسيب العملاقة والذكاء الاصطناعي، لكنه لم يستطع أن يتخلص تماماً من الخرافة والأسطورة. فما زال الملايين، حتى في بعض الدول المتقدمة، يلجؤون إلى التنجيم والعلاجات الزائفة ونظريات المؤامرة والتفسيرات الغيبية للأحداث. أما في المجتمعات المتخلفة، فقد تتجاوز الخرافة كونها اعتقاداً شخصياً لتصبح قوة مؤثرة في الدين والتعليم والصحة والسياسة والقرارات الاجتماعية.
والسبب أن الخرافة ليست ابنة الجهل وحده. فالإنسان بطبيعته يبحث عن الأنماط والأسباب، ويكره الفراغ المعرفي وعدم اليقين. وعندما يعجز عن تفسير حدث ما، يكون التفسير البسيط والمطمئن أكثر جاذبية من جواب علمي معقد يقول له: «لا نعرف بعد». وفي أوقات المرض والفقر والحروب وعدم الاستقرار يزداد هذا الميل، لأن الخرافة تمنح الإنسان وهماً بالسيطرة على عالم يشعر أمامه بالعجز.
لكن السؤال المهم: لماذا تتحول الخرافة في بعض المجتمعات إلى سلطة؟ يحدث ذلك عندما يضعف التعليم النقدي والمؤسسات العلمية، ويصبح الحفظ أهم من السؤال، والطاعة أهم من الدليل، ومكانة القائل أهم من صحة قوله. عندئذ يستطيع شخص ذو سلطة اجتماعية أو دينية أن يتحدث في الطب والفيزياء والأحياء والفلك، وقد يصبح رأيه لدى أتباعه أقوى من رأي المتخصص، ليس لأن حجته أقوى، بل لأن سلطته أكبر.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين المجتمع المتقدم والمتخلف. فالدولة المتقدمة ليست بالضرورة مجتمعاً خالياً من الخرافة؛ فقد يؤمن بعض مواطنيها بالأبراج والسحر والمؤامرات والعلاجات غير المثبتة. ولكن قوة المؤسسات تجعل من الصعب أن تتحول هذه المعتقدات إلى منهج للمستشفى أو الجامعة أو المختبر. الفارق ليس في وجود الخرافة بقدر ما هو في مقدار السلطة التي يسمح المجتمع للخرافة بأن تمتلكها.
كما أن للخرافة أحياناً مستفيدين. فمن يحتكر تفسير المجهول يستطيع أن يمنح الوعد ويزرع الخوف ويطالب بالطاعة. ولهذا قد تتحول الأسطورة من مجرد حكاية إلى وسيلة للنفوذ الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. وكلما ضعفت حرية السؤال والنقد والمحاسبة، أصبح من الأسهل على أصحاب السلطة حماية معتقداتهم من الاختبار، وتحويل الشك فيها إلى خروج على الجماعة بدلاً من اعتباره سؤالاً مشروعاً.
والأغرب أن امتلاك التكنولوجيا لا يغيّر طريقة التفكير بالضرورة. فقد يحمل الإنسان أحدث هاتف صنعته علوم الفيزياء، ويسافر في طائرة لا تستطيع الإقلاع إلا لأن آلاف الحسابات العلمية كانت صحيحة، ثم يفسر مرضه أو مستقبله بمنطق يعود إلى مئات السنين. استهلاك منتجات العلم لا يعني اكتساب المنهج العلمي.
ولهذا فإن نهضة المجتمعات لا تبدأ بشراء المزيد من الأجهزة، بل بتعليم الإنسان كيف يسأل: ما الدليل؟ كيف عرفنا ذلك؟ هل يمكن اختبار هذا الادعاء؟ وهل يمكن أن أكون مخطئاً؟ فالتفكير العلمي ليس مجموعة معلومات نحفظها، وإنما طريقة في معرفة الحقيقة تقبل الاختبار والنقد والتصحيح.
لن تختفي الخرافة تماماً، لأنها تستفيد من جوانب عميقة في النفس البشرية. لكن المجتمع يستطيع أن ينتزع منها سلطتها. وعندها يستطيع الإنسان أن يؤمن بما يشاء في حياته الخاصة، بينما تبقى المدرسة والمستشفى والمختبر والدولة محكومة بالدليل لا بالأسطورة.
فالمجتمع المتقدم ليس هو الذي لا توجد فيه خرافة، بل المجتمع الذي لا يسمح للخرافة بأن تحكمه.
حين تتغيّر معايير الحقيقة
من الظواهر اللافتة أن تجد إنسانًا مثقفًا، واسع الاطلاع، وربما أديبًا أو أكاديميًا، شديد الحرص على التوثيق والمصادر والمنطق في معظم القضايا، ثم تتغير منهجيته عندما يصل إلى بعض المعتقدات الموروثة.
في القضايا العلمية والفكرية، نسير عادة وفق منهج واضح:
الدليل ← التحليل ← الاستنتاج
نبحث عن الشواهد، ونقارن المصادر، ونشكك في الروايات، ثم نبني استنتاجنا على ما يتوافر من أدلة.
لكن في بعض المعتقدات الراسخة قد تنعكس العملية:
الاستنتاج المسبق ← البحث عما يؤيده ← تأويل أو رفض ما يخالفه
ولهذا قد تجد شخصًا لا يقبل ادعاءً تاريخيًا بسيطًا من دون مصدر موثوق، لكنه في الوقت نفسه يؤمن بأن البشر في العصور القديمة كانوا أضخم أجسامًا، أو أنهم كانوا يعيشون أعمارًا أطول بكثير من الإنسان المعاصر، من دون أن يطالب بالدليل الأثري أو الأنثروبولوجي أو البيولوجي الذي كان سيطالب به في قضية أخرى.
يسمي علم النفس جانبًا من هذه الظاهرة الاستدلال المدفوع (Motivated Reasoning)، حيث لا يبدأ العقل دائمًا من الأدلة للوصول إلى النتيجة، بل قد يبدأ أحيانًا من النتيجة التي يرغب في الحفاظ عليها، ثم يستخدم قدراته العقلية للدفاع عنها.
وهناك أيضًا ما يسمى التجزئة الذهنية (Compartmentalization)، حيث يستطيع الإنسان تطبيق معايير مختلفة للحقيقة في مجالات مختلفة، من دون أن يشعر بوجود تناقض بينها.
وهنا تكمن بعض المفارقات:
الثقافة والذكاء لا يمنعان الإنسان بالضرورة من التحيز؛ بل قد يمنحانه أحيانًا أدوات أكثر براعة للدفاع عن قناعاته المسبقة.
ليس المقصود السخرية من معتقدات الناس أو الانتقاص منها، وإنما الفصل بين الإيمان والمعرفة العلمية.
للإنسان أن يؤمن بما يشاء، لكن عندما يتحول الاعتقاد إلى ادعاء عن التاريخ الطبيعي للإنسان، أو عمره، أو حجمه، أو تطوره البيولوجي، يصبح من المشروع أن نسأل:
أين الدليل الأثري؟
أين الدليل الأنثروبولوجي؟
أين الدليل الجيني أو البيولوجي؟
وهل توجد شواهد مستقلة تؤيد هذا الادعاء؟
فالمشكلة ليست في مستوى الذكاء أو الثقافة، وإنما في تغيّر معيار قبول الدليل باختلاف الموضوع.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا دائمًا ليس: هل تتفق هذه الفكرة مع ما أؤمن به؟
بل: ما المعيار الذي أستخدمه لكي أقول عن شيء ما إنه حقيقة؟ وهل أقبل المعيار نفسه لو كانت النتيجة تخالف معتقدي؟
العقيدة التي تقوم على تزكية الذات وشيطنة الآخرين، وتضع حقوق أتباعها فوق حقوق سائر البشر، عقيدة تثير الريبة ولا يمكن الاطمئنان إلى آثارها حين تتحول إلى سلطة.
حصاد نصف قرن من الرهان على رجال الدين: ماذا استفاد المجتمع؟
منذ عام 1979، دخلت منطقتنا مرحلة مختلفة في علاقة الدين بالمجتمع والسياسة. تصاعد حضور رجال الدين والتيارات الدينية في المجال العام، وأصبح لهم تأثير واسع في تشكيل الرأي والمواقف الاجتماعية والسياسية، وراهنت قطاعات كبيرة من الجماهير عليهم باعتبارهم حراسًا للقيم والهوية، ومراجع فكرية وأخلاقية، وفي بعض الحالات قيادات سياسية تتجاوز سلطتها حدود الوعظ والإرشاد.
واليوم، بعد ما يقارب نصف قرن، أليس من حقنا أن نضع هذه التجربة على طاولة النقد والمراجعة؟
ليس السؤال: هل الدين جيد أم سيئ؟ وليس السؤال: هل كل رجال الدين سواء؟ فكلا السؤالين تبسيط مخلّ. السؤال الذي يستحق أن يُطرح: ماذا كانت الحصيلة الاجتماعية والفكرية والسياسية لهذا النفوذ الهائل؟ ماذا استفاد الإنسان العادي؟ وماذا استفاد المجتمع؟
فالخطاب الذي يمتلك كل هذه السلطة على الناس لا يمكن أن يطالبنا بتقييمه من خلال نواياه وأقواله فقط. الأفكار، مثل السياسات، ينبغي أن تُختبر أيضًا بنتائجها.
من المجتمع إلى الطائفة
من أخطر ما حدث أن خلافات رجال الدين والتيارات والمذاهب لم تبقَ حبيسة الكتب والمنابر، بل انسحب كثير منها على الجماهير. فأصبح خلاف الشيخ مع الشيخ خلافًا بين أتباعهما، وصراع التيار مع التيار صراعًا اجتماعيًا، وتحولت الانتماءات الدينية والمذهبية في بعض المجتمعات من مكونات طبيعية للهوية إلى خطوط فاصلة بين الناس.
بدلًا من أن يكون الإنسان مواطنًا يختلف مع مواطن آخر، أصبح في بعض البيئات سنيًا أمام شيعي، ومسلمًا أمام مسيحي، ومنتميًا إلى جماعة أمام أخرى، وأحيانًا عربيًا أمام كردي أو غيره.
ولا تكمن المشكلة في وجود هذه الهويات؛ فالتنوع الديني والمذهبي والعرقي قديم قدم المجتمعات نفسها. المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية إلى أداة للفرز والاصطفاف السياسي والاجتماعي: نحن وهم، جماعتنا وجماعتهم، أهل الحق وأهل الباطل.
وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح الخلاف الفكري خلافًا في هوية الإنسان وشرعيته، ويبدأ النسيج الاجتماعي بالتآكل.
حين انتقل الصراع من المنبر إلى الدم
ولم تتوقف النتائج دائمًا عند حدود الجدل والاستقطاب. فقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية حروبًا أهلية وطائفية وعرقية وسياسية مدمرة، امتزج فيها الدين بالسياسة، والطائفة بالمصالح الإقليمية، والهوية بالصراع على السلطة.
ومنذ نهاية السبعينيات شهد الشرق الأوسط أكثر من عشر حروب وصراعات مسلحة كبرى، فضلًا عن عشرات جولات من العنف والاقتتال الأصغر. ولا توجد إحصائية واحدة موحدة يمكن أن تجمع ضحاياها جميعًا، لكننا نتحدث إجمالًا عن ملايين القتلى والجرحى، وعن عشرات الملايين من حالات النزوح واللجوء المتراكمة عبر العقود.
وفي سوريا والعراق واليمن ولبنان وفلسطين وغيرها، لم تكن الحرب مجرد خطوط على الخرائط. كانت إنسانًا قُتل، وآخر فقد ساقه، وأسرة فقدت منزلها، وطفلًا فقد مدرسته، وأبًا حمل أبناءه وعبر بهم الحدود، ومدنًا تحولت إلى أنقاض.
والمأساة الأكبر أن مجتمعات عاشت طوائفها وأعراقها متجاورة أجيالًا طويلة وجدت أبناءها فجأة، تحت وطأة التعبئة السياسية والطائفية، يخاف بعضهم بعضًا.
لكن الإنصاف يقتضي ألا ننسب هذه الحروب كلها إلى رجال الدين. فالصراعات في المنطقة لها أسباب سياسية وجيوسياسية واقتصادية وتاريخية، وللقوى الدولية والإقليمية والأنظمة والجماعات المسلحة أدوار لا يمكن تجاهلها.
ولذلك فالسؤال الأكثر عدلًا ودقة ليس: هل صنع رجال الدين هذه الحروب؟
بل:
عندما اشتعلت هذه الحروب، هل كان الخطاب الديني دائمًا ماءً يطفئها، أم كان بعضه وقودًا يزيدها اشتعالًا؟
ومن حرّض الناس باسم المذهب أو العقيدة، ومن منح الصراع السياسي شرعية دينية، ومن جعل خصومة الدولة أو الجماعة خصومة مقدسة: أين كانت مسؤوليته بعد انتهاء المعركة؟
من المواطنة إلى الولاءات العابرة للحدود
ولعل إحدى أخطر نتائج تسييس الدين والطائفة أن تأثيرها تجاوز علاقة المواطن بمواطن آخر ووصل إلى مفهوم الولاء نفسه.
ففي بعض الحالات، نشأت ولاءات لمرجعيات أو جماعات أو تنظيمات أو قوى سياسية خارج حدود الوطن، وأصبح بعض الأفراد ينظرون إلى تلك الجهات باعتبارها مرجعية أعلى من المصلحة الوطنية المشتركة.
المشكلة تبدأ عندما تصبح مصلحة جماعة أو دولة أو تنظيم خارجي مقدمة على مصلحة المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، وحين تتحول الروابط المذهبية أو الأيديولوجية العابرة للحدود إلى تبعية سياسية.
فالإنسان قد يظن أنه يدافع عن عقيدته أو طائفته، بينما يجد نفسه في النهاية أداة في صراع جيوسياسي لا يملك قراره ولا يجني ثماره.
والأخطر أن إضفاء القداسة على الولاء السياسي يجعل نقده بالغ الصعوبة؛ لأن الاعتراض على موقف سياسي يتحول فجأة إلى اعتراض على الدين أو المذهب.
وهكذا يدخل الوطن في مأزق خطير: لا يعود مواطنوه مختلفين فقط في آرائهم، بل قد يختلفون في الجهة التي يرون أن الولاء النهائي ينبغي أن يكون لها.
ماذا حدث للعقل؟
لكن الخسارة ليست سياسية واجتماعية فقط.
هناك خسارة أعمق: استقلال العقل.
حين يعتاد الإنسان أن يبحث عن إجابة رجل الدين في السياسة والاقتصاد والطب والفلك والتاريخ والعلاقات الدولية وتفاصيل حياته اليومية، تتغير طبيعة السؤال لديه تدريجيًا.
بدلًا من: ما الدليل؟
يصبح السؤال: من قال ذلك؟
وهنا تنتقل السلطة من الفكرة إلى الشخص، ومن البرهان إلى المكانة.
ولا تكمن المشكلة في أن لرجل الدين رأيًا في الحياة العامة؛ فمن حقه، مثل أي إنسان، أن تكون له آراؤه. المشكلة في الاعتقاد بأن المعرفة الدينية تمنح صاحبها تلقائيًا اختصاصًا في الطب والاقتصاد والسياسة والفيزياء وعلم الاجتماع والتاريخ.
فعندما يتحدث الطبيب في الطب، والاقتصادي في الاقتصاد، والعالم في تخصصه، ينبغي أن يكون معيارنا الدليل والخبرة، لا حجم الجمهور ولا قداسة المنبر.
إن المجتمع الحديث لا يمكن أن يُبنى بعقول تفوّض التفكير إلى الآخرين.
ماذا حدث للعلم؟
ومن نتائج هذه الثقافة أيضًا أن العلم والعلماء الحقيقيين لم يحصلوا دائمًا على المكانة الاجتماعية التي تتناسب مع دورهم.
فالمجتمع الذي يستطيع أن يحفظ أسماء عشرات الدعاة والخطباء، لكنه بالكاد يعرف أسماء علمائه وباحثيه ومهندسيه وأطبائه ومفكريه، ينبغي أن يسأل نفسه عن الهرم الذي بنى عليه مكانته الاجتماعية.
من الذي يستحق أن يكون مرجعًا في قضية علمية؟
من يمتلك المنبر والجمهور، أم من أمضى عشرين عامًا في المختبر والجامعة؟
هذه ليست دعوة لإقصاء رجل الدين، وإنما دعوة إلى إعادة كل معرفة إلى مجالها، وإعادة الاعتبار إلى التخصص والمنهج والدليل.
والخسائر لم تكن فكرية فقط
الحرب لا تقتل الإنسان فقط؛ إنها تقتل الفرص أيضًا.
كل مدينة دُمّرت كان يمكن أن تُبنى فيها جامعة. وكل مليار أُنفق على حرب أهلية كان يمكن أن يبني مدارس ومستشفيات ومختبرات وشبكات نقل ومصانع. وكل عقل هاجر هربًا من الحرب أو الاضطهاد خسارة تراكمية لمجتمعه.
وهكذا فإن نتائج الاستقطاب والحروب لا تقاس بعدد القتلى وحدهم.
هناك من بقي حيًا لكنه فقد وطنه.
ومن بقي في وطنه لكنه فقد مستقبله.
ومن لم يُصب برصاصة، لكن تعليمه انقطع.
ومن لم يُهدم منزله، لكن اقتصاد بلاده انهار.
ومن لم يدخل الحرب، لكنه ورث ديونها وكراهياتها وخوفها.
لهذا فإن حساب الخسارة الحقيقية يحتاج إلى أجيال، لا إلى إحصائية واحدة.
المراجعة ليست عداءً للدين
وقد يكون هذا أهم ما ينبغي قوله.
نقد تجربة رجال الدين والتيارات الدينية ليس نقدًا لحق الإنسان في الإيمان، ولا إنكارًا لدور الدين الروحي والأخلاقي في حياة ملايين البشر.
كما أنه من الظلم جمع رجال الدين جميعًا في سلة واحدة. فمنهم من دعا إلى السلم والتسامح، ومنهم من ساهم في التعليم والعمل الخيري والإصلاح الاجتماعي، ومنهم من وقف ضد العنف والطائفية ودفع ثمن موقفه.
وكذلك لا يجوز إعفاء السياسيين والأنظمة والقوى الخارجية والجماعات المسلحة والنخب الفكرية والاقتصادية من مسؤولياتهم ثم تحميل رجل الدين وحده كل إخفاقات المنطقة.
لكن الاعتراف بهذا كله لا يلغي حقنا في السؤال.
فمن امتلك نفوذًا عامًا لعقود يجب أن يقبل أن يُسأل عن نتائج هذا النفوذ.
ومن طالب الناس بأن يستمعوا إليه، يجب أن يقبل أن يسأله الناس يومًا:
إلى أين أوصلنا هذا الخطاب؟
بعد نصف قرن: حان وقت الحساب الفكري
ربما تكون المشكلة الأساسية أننا اعتدنا محاكمة الأفكار من خلال أصحابها، بينما ينبغي أن نحاكمها من خلال نتائجها وأدلتها.
بعد قرابة نصف قرن، حان الوقت للانتقال من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة المؤسسات، ومن تقديس المرجعيات إلى مساءلتها، ومن سلطة المنبر إلى سلطة الدليل، ومن سؤال:
«من قال؟»
إلى سؤال:
«ما الدليل على ما قال؟ وما نتيجة تطبيقه؟»
نحن بحاجة إلى رجل الدين في مجال الدين، والطبيب في الطب، والعالم في العلم، والمهندس في الهندسة، والاقتصادي في الاقتصاد، والمؤرخ في التاريخ. لكننا قبل الجميع بحاجة إلى مواطن يمتلك عقله ولا يسلمه لأحد.
فالرهان الحقيقي للمجتمع لا ينبغي أن يكون على شيخ أو سياسي أو مفكر أو قائد أو عالم منفرد.
الرهان ينبغي أن يكون على العقل، والعلم، والتعليم، والمواطنة، والمؤسسات، وحرية النقد، وقدرة الإنسان على التفكير بنفسه.
ولهذا، بعد كل هذه العقود، ربما لم يعد السؤال الذي ينبغي أن نطرحه:
ماذا قال لنا رجال الدين؟
بل السؤال الأكثر إزعاجًا والأكثر ضرورة:
ماذا أصبحنا بعد أن استمعنا إليهم كل هذه السنوات؟ وهل المجتمع الذي تركناه لأبنائنا أكثر علمًا، وأكثر وحدةً، وأكثر أمنًا، وأكثر ازدهارًا مما كان عليه حين بدأ هذا الرهان؟
إذا كانت الإجابة لا، فالمراجعة ليست إساءة لأحد، بل واجبة.
مخترع التكييف رجل عظيم.
استطاع أن ينقذ مئات، بل آلاف الناس من الموت المحقق.
رجل جعل الحياة في مجتمعاتنا الخليجية، وكل مجتمع يعاني من الحرارة فوق الخمسين درجة، أن يجعلها حياة سهلة ومريحة وباردة.
له الرحمة والشكر والتقدير.
إذا كان قد اختار الهاوية بإرادته، فلا تمنحه فرصة أن يجرّك إليها معه، ليس كل من يرفع صوته يقود إلى النجاة. فالحكمة أن تحسن اختيار من تسير معه، لا أن تشاركه السقوط.
فمن أعماه العناد حتى هجر كل مرفأ، لن يصنع إلا طريقاً إلى القاع. فلا تجعل من نفسك ضحيةً لاختياراته
#تقرير كيف تُصنع السرديات ويُتلاعب بالرأي العام؟
يتناول التقرير كيفية صناعة وتوجيه السرديات الرقمية (Narratives) لتغيير الرأي العام، مستشهداً بتحول النظرة الجماهيرية تجاه "ميسي" من أسطورة (في 2022) إلى "شرير ومحتال" (مؤخراً) كنموذج دراسي لهذه الظاهرة.
🔵النقاط الرئيسية:
•التحوّل بفعل الخوارزميات (The Flip):
لم يتغير أداء ميسي أو قرارات التحكيم على أرض الملعب، بل التغيير الحقيقي حدث في خوارزميات المنصات (تيك توك وإنستغرام) التي أصبحت تروج لمقاطع "ميسي الشرير" لأنها تحقق تفاعلاً أكبر.
•آلية البدء (اقتطاع السياق):
لا تبدأ الحملات بكذبة صريحة، بل بلقطات حقيقية مقتطعة من سياقها (مثل خطأ دون عرض ما سبقه).
دراسة MIT: الأخبار الزائفة تنتشر أسرع بـ 6 أضعاف من الحقيقة، وأكثر عرضة للمشاركة بنسبة 70% لأن الغضب والصراع يجذبان الانتباه.
•الحملات المنظمة والمدفوعة:
كثير من المحتوى الجماهيري ليس عفوياً، بل يقف خلفه صناع محتوى، فرق مونتاج، وحسابات وهمية (Bots) تُدار بميزانيات منظمة؛ تماماً كما يُدار التسويق للمنتجات، العملات الرقمية، والسياسة.
•التأثير النفسي (تأثير الحقيقة الوهمية):
تكرار رؤية الادعاء نفسه عبر مقاطع قصيرة يومياً يجعل العقل يتقبله تدريجياً، ليتحول من مجرد "شائعة" إلى حقيقة مألوفة واقتناع شخصي
•انتصار السردية على الحقائق:
رغم أن كرة القدم رياضة موثقة بالكامل بالكامل لمدة 20 عاماً ويمكن التحقق من أي لقطة في ثوانٍ، إلا أن السردية المصنوعة تفوقت على الأدلة والمستندات.
•الخطر الحقيقي (التسارع بالذكاء الاصطناعي):
مع انتشار مزارع المحتوى والذكاء الاصطناعي، أصبحت صناعة هذه الحملات سريعة وشبه مجانية. الخطر ليس على ميسي (الذي يمتلك تاريخاً موثقاً)، بل على القضايا المصيرية كالسياسة، الحروب، والاقتصاد حيث لا يملك الناس مادة توثيقية كافية للتحقق، فتصبح السردية المصنوعة هي الحقيقة الوحيدة المتاحة.
لا أحد يدافع عن الدين: الكل يدافع عن العصبية
لا يحتاج الدين إلى من يحرسه، لأن الحق لا يفتقر إلى حارس، وإنما يحتاج الإنسان إلى أن يتحرر من أوهامه. فالإنسان، منذ فجر التاريخ، لم يكن يدافع عن الحقيقة بقدر ما كان يدافع عن ذاته، ولم يكن يقاتل من أجل المبادئ بقدر ما كان يقاتل من أجل الانتماء. لذلك تتغير الشعارات، ويبقى السلوك واحدًا.
العصبية من أقدم أمراض العقل الإنساني. تبدأ بالأسرة، ثم العائلة، ثم القبيلة، ثم الوطن، ثم الحزب، ثم المذهب، ثم الدين. وفي كل مرحلة يظن الإنسان أنه تجاوز ما قبلها، بينما لم يغيّر إلا اسم الجماعة التي ينتمي إليها. فهو لا يبجل الحقيقة، وإنما يقدس الصورة التي اعتاد أن يرى الحقيقة من خلالها.
في العالم آلاف الديانات والمعتقدات، والإسلام نفسه يقوم على شرائع الأنبياء: شريعة موسى، وشريعة عيسى، وشريعة محمد (عليهم السلام). ولو كان الناس يدافعون عن دين الله حقًا، لكان أول ما يدافعون عنه وحدة الرسالة الإلهية. لكن المفارقة أن كثيرًا منهم يضيق بما وسعه الله، ويختزل الدين في البيئة التي وُلد فيها، ثم يظن أن حدود جماعته الزاوية الضيقة التي يرى العالم من خلالها.
ولهذا لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل ليكتشف أن شعار "الدفاع عن الدين" يخفي في كثير من الأحيان دفاعًا عن العصبية. فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولم يقل إن المؤمنين يدافعون عن الله. الذي يحتاج إلى الدفاع هي الأنا البشرية، أما الحقيقة فلا يزيدها التصفيق قوة، ولا ينقصها الإنكار.
ولو كان الدفاع عن الدين حقيقة، لكان المسلم يدافع عن جميع شرائع الإسلام التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله، ولما جعل شريعةً سببًا للطعن في أخرى. ولو كان الدفاع عن الإسلام حقيقة، لما تحولت مذاهبه إلى جزر متفرقة، يتبرأ بعضها من بعض. ولو كان الدفاع عن المذهب حقيقة، لما انقسم المذهب نفسه إلى فرق ومدارس، ثم إلى جماعات، ثم إلى مساجد، وربما إلى أفراد، حتى يصبح كل فريق "الفرقة الناجية"، وما عداه صورة من الضلال.
هذه ليست جوهر الدين، بل طبيعة الإنسان. الإنسان يميل إلى تحويل الحقيقة إلى ملكية خاصة، ثم يحرسها كما يحرس أرضه وحدوده. إنه يبحث عن اليقين في الانتماء لا في المعرفة، وعن الطمأنينة في كثرة الموافقين لا في قوة البرهان. ولذلك يسهل عليه أن يرث العقيدة، ويصعب عليه أن يرث المنهج.
وحين تسمع أحدهم يقول: "أنا أدافع عن الدين"، فلا تسأله عن خصومه، بل اسأله عن الذين يلتقون معه في أصل الإيمان ويختلفون معه في الفهم. عندها ستعرف إن كان يدافع عن الدين أم عن جماعته. فمن يعجز عن احتواء الاختلاف داخل البيت الواحد، كيف يدّعي الدفاع عن رسالة خوطبت بها الإنسانية؟
إن أكبر مأساة عرفتها الأديان أن العصبية استعارت لغتها، فأصبح الإنسان يقتل باسم الرحمة، ويقصي باسم الهداية، ويخاصم باسم المحبة، ويظن أن كل ذلك عبادة. وما أكثر الجرائم التي ارتُكبت تحت رايات مقدسة، بينما كان الدافع الحقيقي خوف الإنسان على هويته، لا خوفه على دين الله ولا من الله.
الدين ليس مشروعًا للسيطرة على البشر، بل مشروعًا لتحريرهم من أهوائهم. إنه يهذب السلوك، ويقيم العدل، ويرتقي بالأخلاق، ويجعل علاقة الإنسان بربه شأنًا خاصًا، وعلاقته بالناس قائمة على الرحمة والإنصاف. فإذا تحول إلى وسيلة لإنتاج الكراهية، أو إلى أداة لتصنيف البشر، أو إلى مبرر للصراع، فقد خرج من رسالته، وإن بقيت ألفاظه كما هي.
الدين أوسع من الشريعة، والشريعة أوسع من المذهب، والمذهب أوسع من الطائفة، والطائفة أوسع من الجماعة، والجماعة أوسع من الفرد. أما الله، فلا يحده شيء من ذلك كله. وكلما ضاقت دائرة الانتماء في عقل الإنسان، اتسعت دائرة خصومه، حتى لا يبقى في النهاية من يدافع عن الدين، بل جموع لا تدافع إلا عن انعكاس ذواتها في مرآة الدين.
لماذا يرفض البعض مراجعة آرائهم وأفكارهم وطريقتهم في الحياة؟! .ما العيب ان تكون مخطئًا؟! الخطأ اساساً جزء من التجربة الإنسانية هناك نمط يسمى التعلم بالخطأ . المطلوب فقط شيء من التواضع والشجاعة لاختبار أفكارك ومواقفك من وقت لآخر، ربما تكتشف أنك على صواب، وقد تكتشف أنك بحاجة إلى تصحيح المسار.
خاصة إذا كانت قراراتك تتعلق بمصير شعب ووطن و حاضر و مستقبل اجيال .
الي حزب الله … تواضعوا يرحمكم الله
واحدة من أكبر خطايا التفكير العربي منذ عقود وما زالت هذه الخطيئة مستمرة :
تحويل القضية الفلسطينية إلى صنم فكري
هذا الصنم الفكري تاجر بالقضية ومع التجارة رهن مصير أمة كاملة، بتنميتها، وحرياتها، ونهضتها، بملف واحد هو تحرير فلسطين
النتيجة أمامنا اليوم:
لا فلسطين تحررت، ولا الدول التي ادعت الصمود والتحرير تقدمت
بل سقط بعضها في وحل الخراب والتخلف
والمفارقة : الصنم الفكري ما زال صامداً يحج إليه أصحاب الخطيئة الفكرية
#العقل_العربي
#أزمة_الوعي
إيران تدرك تماماً أن مشروعها التوسعي لو جاء تحت شعار القومية الفارسية أو المذهب الطائفي لرفضه المحيط العربي والإسلامي فوراً. لذلك، احتاجت إلى حصان طروادة يعبر بها الحدود العربية دون مقاومة أو رفض ولم تجد أفضل من قضية فلسطين وشعار الموت لأمريكا وإسرائيل .
النتيجة: نجحت في غسل عقول بعض العرب (المتأيرنين) الذين أصبحوا يدافعون عن النفوذ الإيراني ظناً منهم أنهم يدافعون عن فلسطين.
"التجارة الرابحة هي قضية فلسطين دائماً "