(محضُ جود، لا نتاج مجهود).
كلما أبصر القلب يد اللطف الإلهي وهي تُمهّد له طريق العبادة، وتزجيها إليه من غير سعي منه ولا اجتهاد، أدرك أنها مَحض جود لا نتاج مجهود، فكم من همّة انقطعت قبل البلوغ، ونية وَأَدتها العوائق، وعزيمة حالت دونها الصوارف؛ عندها يضمحل العُجب، ويُورق شجر الامتنان، ويصبح لسان الحال: «يا رب، لولاك ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا».
كلنا لديه حاجة ملحة إلى الاستعانة بالله والدعاء واللجوء إليه واليقين باختياره وتدبيره في كل شؤون حياتنا، وهذه الحاجة أهم من حاجتك إلى المعرفة أو الاستشارة أو النصائح في أي أمر، في العمل والدراسة أو مشروع زواج أو تربية أو بر بالوالدين أو غيرها.
علق ابن القيم على قول الهروي: (وكل معصية عَيَّرت بها أخاك فهي إليك) بكلام يكتب بماء الذهب:
قال: ”يحتمل أن يريد به: أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي ﷺ: «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله»، قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث: من ذنب قد تاب منه.
وأيضا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعير، وفي الترمذي أيضا مرفوعا: «لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك».
ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته، لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس، وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه، وما أحدث له من الذلة والخضوع، والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى، والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس، خاشع الطرف، منكسر القلب أنفع له، وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها، فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله، وما أقرب هذا المدل من مقت الله!
فذنب تذل به لديه، أحب إليه من طاعة تدل بها عليه، وإنك أن تبي�� نائما وتصبح نادما، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر“.
مدارج السالكين (1/ 195).
المكان الذي تعيش فيه الآن هو أنسب مكان لك، والمكان الذي ستعمل فيه مستقبلا سيكون لك الأنسب حينها، ما تمنيت ولم يحدث كان لك خيرًا ألا يحدث، وما خشيت حدوثه وحدث كان خيرًا لك أن يحدث.
وهذه ليست تغريدة لتحفيزك، بل حقيقة مطلقة يؤكدها الواقع، حاشاه جل وعلا أن يقدر لك شيئًا سيئًا.
العطايا في غيب الله لا تُقاس بالسبق وإنما بالخيرية، فرُبّ رزقٍ واحدٍ متأخر يكون خيرًا من ألف رزقٍ متقدم؛ في نوعه، وبركته، وتو��يته، وتلك السنوات التي تحسبها ضائعة من عمرك لم تكن إلا صُنعًا وتهيئة لهذا العطاء العظيم، فطب نفسًا بتدبير العليم الحكيم!
حاجتك إلى الدعاء مع قوة الأسباب ووفرتها، هي نفس حاجتك إليه مع ضعف الأسباب وانعدامها، وربط الاحتياج بمدى (الخطر المشهود) قصور في الفهم واختلال في ال��صور؛ فربُّ السقف الذي يُظلّك في بيتك هو ربُّ الموج الذي يحيط بالغريق، إلا أن الغريق انكشفت له الحقائق، والمستقرّ غرّه ستارُ الأسباب!
حسن الظن بالله : معناه ؛ توقُّع الجميل من الله تعالى.وحسن الظن من حسن العبادة.
قالﷺ:(إن حسن الظن بالله تعالى من حسن العبادة) أبو داود.
ومن حسن الظن بالله-عز وجل- توقع الخير، وقرب الفرج، وزوال المرض،وقضاء الدين،وصلاح الذرية، وتبدل الحال،وذهاب الهموم والغموم، وسعة الرزق .
وأما الذي يجب أن تتعلق به الآمال وحده لا سواه، فهو الله الحي القي��م، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يشغله سمع عن سمع، وما كان ربك نسيا… لا يُشغل عن تفاصيل أمرك، ولا يمل من كثرة إلحاحك وطلبك، بل ويفرح بتوبتك إذا عدت إليه، وبمناجات�� إذا أكثرْت الإلحاح بين يديه…
هو وحده سبحانه من يجب أن تحبه بكل قلبك، وأن تتوكل عليه في كل شأنك، وأن تتأدب معه في خلواتك، وأن تعطي لأجله وتقطع لأجله. إن رضي عنك أرضى عنك الخلائق ولو سخطوا، وإن غضب عليك أسخط الخلائق ولو بذلت مهجتك لترضيهم!
وحده الله تعالى حين يحبك، يحبك في ضعفك، ووحدتك، وهرمك، ومرضك، ولو غادرت منصبك، وفقدت جاهك؛ فالله يحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المقسطين، ويحب أهل النوافل.
وإذا أحب الله عبداً، أسكن الجنة قلبه قبل أن يدخلها، وتولى الدفاع عنه لو كادته الدنيا بمن فيها.
اللهم لا تحرمنا لذة التعلق بك ❤️.
والعبد لا يخلو من آياتٍ باهرات، ونعمٍ متتابعات، رآها تحل بساحته في سالف آيامه؛ عافيةٌ بعد سقم، ونجاةٌ بعد كرب، وتيسيرٌ بعد عسر، وغنى بعد فقر، وكله�� آياتٌ مشهودة لا يجوز أن تقف عند حدود الدهشة العابرة، أو الحمد اللساني المؤقت، بل لا بد أن تثمر صلاحًا حقيقيًّا في عمله، وتقويمًا لمساره، وزيادةً في إقباله؛ فالآية التي لا تُحدث تغييرًا في سلوك العبد وعلاقته بربه = تصبح حجةً عليه لا له!
https://t.co/Ko3CBjk42T
إذا آمنتَ أنَّ الرزق كلَّه من الله، وأنك معه تعالى في علاقة غير متوازنة، بل أنت الضعيف وهو القوي، وأنت العبد وهو السيد، وأنت الذليل وهو العزيز، وأنت الفقير وهو الغني، لم يعد لمفهوم الاستحقاق معنى؛ فكلُّ ما هو منه فضلٌ وإحسان، وكلُّ ما هو منك مجرد محاولات، ولو أنه عاملك بعدله لهلكت، ولكن رحمته أوسع.
شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب والركوب، لما في مقارنة اسم الله من البركة، وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحصل البركة، وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة، فإن الرب هو الذي يبارك وحده، وال��ركة كلها منه، وكل مانسب إليه مبارك، فكلامه مبارك ورسوله مبارك وعبده النافع لخلقه مبارك"
من أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانًا، ومن عصاه انقلبت مآمنه مخاوف، فمن خاف الله آمنه من كل شيء ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء
ابن القيم_ الداء والدواء
قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب،وضحكك وأنت لا تدري مالله صانع بك أعظم من الذنب،وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب،وحزنك على الذنب إذا فا��ك أعظم من الذنب وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب *ابن عباس
(فرج اللحظة الأخيرة) من أعظم تجليات القدر�� الإلهية، فهو لا يأتي إلا في أشد الحالات حرجا، وأعظمها يأسا بعد انقطاع الأسباب، ومن علاماته (سكينة) تنزل في فؤاد المكروب، فيحس معها برياح البشرى قبل أن تنزل بساحته الفتوح، فإذا جاء الفرج ترك هيبة عظيمة في النفوس، وأثرا يعيد صياغة اليقين!
غمامةٌ عابرة!
هذه الثلاثون يومًا التي توشك أن تظلَّنا سريعة التقضي كأنها ومضة برق أو غمامة صيف، حتى لقد وصفها الله تعالى في كتابه تقليلًا بأنها (أيام معدودات)، ومعدودات أي قل��لةٌ في غاية السهولة، وعلى قلَّتها وسرعة عبورها هي فرصتنا السانحة للتحرر من أغلال الجسد، وللتحليق مجددًا بأجنحة الروح، ولتخليق عوالم جديدة من السعادة، فلا تجعل شيئًا يحول بينك وبين تأمين حياة روحية باذخة في هذه الأيام القريبة ..
ومهما كان تخصصك وقناعاتك وأفكارك ودرجة استقامتك السَّالِفَة لا تدعْ شيئًا يحول بينك وبين الفوز في مضمار رمضان، ولا تذر أحدًا يسرِق منك بهاء الخلوة بين سواري المسجد، أو يختلس منك لذة المناجاة لرب الأرض والسماوات، ومتعة التأمل في آيات الله الشرعية والكونية، وبهجة موالاة الختمات، وسائر صنوف الطاعات المندرجة في عمومِ قوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم ت��لحون).
ولا يَفُتَّ في عضدك أن ترى بعضهم سادرًا في غفلته، فالناس تتفاوت أعمالهم بحسب يقينهم وإيمانهم بالدار الآخرة كما قال تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زيَّنَّا لهم أعمالهم فهم يعمهون)، فاليقين بالآخرة هو الذي يجلِّي الرؤية ويهذِّب النفس ويضبط معيار الأعمال، وفي المقابل فإن الانصراف عن تذكر الدار الآخرة يعصب على العينين حجابًا كثيفًا من العمى والعَمَهِ والحيرة والغفلة عن مواسم الطاعة.
ومن أعظم القربات في هذا الشهر الكريم ملازمة الدعاء والإلحاح به على الله، فإنه بابُ العطاء وأساس التوفيق وجِماع الخير كما يقول التابعي الجليل مطرِّف بن عبدالله: (تذكَّرتُ ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثيرٌ: الصِّيام والصّلاة، وإذا هو في يد الله تعالى. وإذا أنت لا تَقد��ر على ما في يد الله إلّا أن تسألَه فيُعطِيك، فإذا جماعُ الخير الدُّعاء)، وهذا الأثر أورده الإمام أحمد بسنده إلى مطرف في كتاب الزهد.
ومن محاسن الشريعة أن الإنسان يثاب على مجرّد العزيمة الصادقة على العمل الصالح، فالعاقل يعزم على فعل الخيرات، لأن الإنسان يثاب على نية مجرَّدة من العمل، ولا يثاب على عملٍ مجرَّدٍ من النية، ومن نوى خيرًا وعجز عنه أو عن بعضه نالَ أجرَ من عمِله كاملا.
ومن محاسن ديننا أن العبادة بفضل الله مفهومٌ شامل أعلاه قول: لا إله الا الله. وأدناه: إماطة الأذى عن الطريق، وفيه عبادات متعدية كالإحسان إلى الناس وتلمس حاجاتهم، وعبادات قاصرة كالذكر وتلاوة القرآن والاعتكاف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان وهذا من العبادات المتعدية، وبالمقابل كان يعتكف في هذا الشهر ويخلو بربه وهذه الخلوة من العبادات القاصرة.
وكثير من الناس يفضل العبادات المتعدية مطلقًا على العبادات اللازمة، ولا شك أن هذا قصور في النظر يجعل البناء الإيماني مهَلهَلا، ولذلك يقول ابن تيمية: (النفع المتعدي ليس أفضل مطلقًا؛ بل ينبغي للإنسان أن يكون له ساعات يُناجي فيها ربه، ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها، ويكون فعله ذلك أفضل من اجتماعه بالناس ونفعهم، ولهذا كان خلوة الإنسان في الليل بربه أفضل من اجتماعه بالناس)، فأوصيك أن تجعل لنفسك حظًّا في هذا الشهر من عبادات الخلوة والتأمل والتلاوة والذكر والمناجاة ..
ولا شك أن العبادات اللازمة إذا أعطيت حقَّها فإنها تثمر في نفس صاحبِها مروجًا وأنهارًا، وتعين على العبادات المتعدية، فقد جاء في الحديث الصحيح (أن رسول الله صلى الله عله وسلم أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخيرِ من الريح المرسلة). علَّق الحافظ ابن حجر تعليقًا لطيفًا في تفسير هذا الجود النبوي المتضاعف في شهرِ رمضان ��ن جَرَّاء مدارسة القرآن، وأشارَ إشارة معبِّرة عن الخيط الناظم بين اللازم والمتعدي، فقال رحمه الله: (فيهِ أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود..).
وأوصيك أخيرًا ألا تجهد نفسك فتنقطع في أوائل الأيام، ولكن كنْ صارمًا في وضع برنامجك المناسب، وإني بعد طول تأمل رأيت أكثر الناس اغتباطًا بمواسم العبادة وظفرًا بجوائزها من جمعوا بين أمور ثلاثة: الاستعانة بالله أولا، وكان لهم خطط صارمة مرسومة ثانيًا، وحاولوا أن يجمعوا بين الأعمال البدنية والأعمال القلبية ثالثًا، فهذه الثلاثة هي أركان السعادة والاستمرار والتوفيق، وأكثر الانقطاع إنما يأتي بسبب التقصير في جانب من هذه الجوانب ..
فخذها وصايا عابرة من مقصِّر، كان الله معك وبلَّغك أسمى آمالك وغاية أمنياتك ..