الأرواح البشرية لا تعرف السرعة. القلب لا يتطور بالوتيرة نفسها التي تتطور بها الأبراج. الحنين لا يختفي لأن الناتج المحلي ارتفع. والوحدة لا تُحل بالاستثمارات.
كلما عشت أكثر داخل عالم النفط، ازداد اقتناعي بأننا لا نستخرج النفط من الأرض بقدر ما يستخرج النفط منا أشكالًا جديدة من الحياة. فقبل النفط كانت الصحراء تفرض قوانينها على البشر. الماء هو السلطة. القافلة هي الاقتصاد. القبيلة هي الدولة. ثم جاء النفط وقلب المعادلة كلها. فجأة لم تعد السلطة تأتي من البئر التي يشرب منها الناس، بل من البئر التي يبيعون ما يخرج منها للعالم.
كلما عشت أكثر قربًا من النفط، ازداد ابتعادي عن الصورة البسيطة التي يحملها الناس عنه. في الخارج يتحدثون عنه كما لو أنه مادة. كما لو أنه مجرد سائل أسود يخرج من الأرض ثم يتحول إلى أموال وسيارات ومدن وأبراج. لكن النفط، حين تراه يوميًا في قلب الصحراء، يفقد ماديته شيئًا فشيئًا. يتحول إلى شيء أكثر غموضًا. أكثر شاعرية. وأكثر حزنًا.
لأول مرة ومنذ سنوات طويلة شعرت أنني اقتربت من الحقيقة. ليس الحقيقة الكبرى التي تفسر العالم، بل الحقيقة الصغيرة التي تخصني وحدي. تلك الحقيقة التي قضيت عمرًا كاملًا ألتف حولها دون أن أواجهها مباشرة: أن الإنسان يستطيع أن يهرب من مدينة، ومن وظيفة، ومن امرأة، ومن حياة كاملة، لكنه لا يستطيع أن يهرب من نفسه إلا لفترة محدودة. وبعد مسافة كافية، وفي مكان معزول بما يكفي، ستجلس نفسه أمامه أخيرًا وتطلب منه أن يشرح كل شيء.
في بعض الليالي، أشعر أنني قريب جدًا من فهم شيء مهم. شيء ضخم جدًا، كأن الحياة كلها تحاول أن تهمس لي بسرّها. ثم أجوع. أو أتذكر فاتورة. أو يؤلمني ضرسي. فينتهي المشهد. كل فلسفات التاريخ مهزومة مسبقا أمام التهاب اللثة.
أحيانًا أفكر أن الإنترنت كان خطأ كونيًا. البشر لم يكونوا مستعدين لكل هذا الانكشاف. الآن صار بإمكانك أن ترى نجاحات الجميع وأنت جالس بسروال داخلي تأكل خبزًا يابسًا. صرنا نقارن حياتنا الخام بلقطات الآخرين المعدلة. حتى الحزن صار له فلتر.
يعتقد الناس أن النفط يخرج من الأرض. الحقيقة أنه يخرج من ظهور الرجال. من مفاصلهم. من أعصابهم. من ساعات نومهم. ومن الأعمار التي يتركونها خلفهم في القرى البعيدة والمدن الكبيرة. النفط ليس مادة سوداء فقط. النفط عرق بشري قديم.