ليش توهمني أنك تحبني فا البدايه
لين صار الوهم عندي وعندك حقيقه
قمت تشر لقلب بين الأحباب تايه
لين حبيتك وحبيت ذيك الطريقه
طحت في حبك الجذاب من دون غايه
أفقد العقل ساعه وأسترده دقيقه
كل من لامني قلت أدع لي بالهدايه
البحر ما يطاوع موجه إلا غريقه
من يراك بعين التعالي : فانظر له بعين التجاهل ، و من يراك بعين التواضع : فانظر له بعين الاهتمام ... لا تُبالغ في تقديس أحدٍ فتُصدم ، و لا تُبالغ في ذمّ أحد فتَظلِم ... كُن معتدلاً و مُتزناً ... امنح كل واحد حجمه لا أكثر و لا أقل..
إذا أذنبْت... فلا تمنح الشيطان انتصارًا ثانيًا
ليس أعظم ما يتمناه الشيطان أن تقع في الذنب، فكل بني آدم خطّاء، وإنما أعظم انتصاراته أن يقنعك بأنك انتهيت، وأن باب العودة قد أُغلق، وأنك لا تستحق رحمة الله بعد اليوم. عندها يتحول الذنب من عثرة عابرة إلى إقامة دائمة، ومن لحظة ضعف إلى طريق من اليأس والقنوط.
أما المؤمن، فإنه يفهم المعركة على حقيقتها. فإذا زلّت قدمه، لم يستسلم، بل جعل من خطيئته بدايةً لطاعة، ومن ندمه وقودًا للإنابة، ومن انكساره بابًا إلى ربه. فهو يعلم أن الله لم يفتح باب التوبة لعباده عبثًا، بل دعاهم إليه دعوةً لا يغلقها ذنب، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
فإذا أوقعتك نفسك أو وسوس لك الشيطان حتى وقعت في معصية، فلا تجلس تعدّ خسائرك، بل بادر إلى تعويضها. توضأ، وقف بين يدي الله ركعتين، وأكثر من الاستغفار، وأطل الدعاء، وأخرج صدقة، وأحسن إلى والديك، وصِل رحمك، واذكر الله كثيرًا. أمطر صحيفتك بالحسنات حتى تطمس آثار السيئات، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
وما أشد حسرة الشيطان حين يرى الذنب الذي ظنه بداية الهلاك قد صار سببًا في حياة القلب. كان يريد أن يبعدك عن الصلاة، فإذا بك أطول قيامًا. وأراد أن يقطعك عن الذكر، فإذا لسانك لا يفتر عن الاستغفار. وأراد أن يملأ قلبك غفلة، فإذا هو ممتلئ خوفًا من الله ورجاءً فيما عنده.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى حين قال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». فما أجمل أن تكون الحسنة أول جواب على الذنب، وأن يكون الرجوع إلى الله أسرع من رجوعك إلى هواك.
وليس المقصود أن يستهين الإنسان بالمعصية، بل أن يعظم ربه أكثر مما يعظم ذنبه. فالذنب إذا أورث صاحبه انكسارًا، وصدقًا، ومجاهدةً للنفس، كان بابًا إلى خير كثير، بينما قد تكون الطاعة سببًا للهلاك إذا أورثت العجب والغرور.
ولذلك كان الصالحون يخافون من الذنب، لكنهم كانوا يخافون أكثر من الإصرار عليه. أما إذا وقعوا، أسرعوا إلى التوبة، لأنهم يعلمون أن الله وصف عباده المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ...﴾.
وتأمل رحمة الله كيف جعل باب التوبة مفتوحًا، بل يفرح بها، كما أخبر النبي ﷺ أن الله أشد فرحًا بتوبة عبده من فرحة من وجد راحلته بعد أن أيقن بالهلاك. فأي كرم أعظم من ربٍّ يفرح برجوع عبده بعدما عصاه؟
فإذا وقعت في ذنب، فلا تمنح الشيطان فرحتين: فرحة المعصية، وفرحة اليأس بعدها. اجعل فرحته الأولى آخر ما يناله منك، ثم حوّلها إلى حسرة طويلة. املأ أيامك بالطاعات، وأكثر من الحسنات، وداوم على الاستغفار، وأحسن إلى الخلق، واصدق في العودة إلى الله، حتى يتمنى عدوك لو أنك لم تقع في الذنب أصلًا، لأنه كان سببًا في يقظة قلبك، وقربك من ربك، ورفعة درجاتك.
فليس العاقل من لا يزل، ولكن العاقل من إذا زلّ عرف الطريق إلى باب مولاه، فأقبل عليه بقلب منكسر، ولسان مستغفر، وعمل صالح، حتى يبدّل الله خوفه أمنًا، وسيئاته حسنات، ويجعله بعد عثرته أقرب إليه مما كان قبلها.