التجديد لا يكون في النصوص الشرعية الثابتة ولا في الإجماعات المستقرة؛ فهذه أصولٌ لا تتبدل بتبدل الأزمنة، وإنما يكون التجديد في الأدوات والوسائل، وفي تنزيل النصوص على النوازل، واستنباط أحكام القضايا المعاصرة، ومعالجة المستجدات في ضوء أصول الشريعة وقواعدها.
والتجديد لا يعني البدء من الصفر، ولا إسقاط ما راكمته قرونٌ من البحث والنظر والنقد؛ وإنما البناء عليه، والإفادة منه، ومراجعة الاجتهادات البشرية بأدوات العلم نفسه.
فلك أن تناقش قول عالم، وأن ترجّح خلاف قولٍ سابق، بل وأن تستدرك على من سبقك؛ فالعصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ.
لكن الفرق كبير بين الاجتهاد العلمي والانطباع الشخصي:
فالأول يعرف ما قيل قبله، ويفهم مناهج العلماء، ويحرر محل النزاع، ويقيم الدليل على قوله.
أما الثاني فيجعل الاستبعاد دليلًا، والذوق معيارًا، ومخالفة النص تجديدًا.
التجديد الحق بناءٌ على الأصول، لا هدمٌ لها.
من أسباب الانحراف الفكري والخروج عن طريقة أهل السنة والجماعة:
قال الإمام ابن بطة العكبري رحمه الله:
"اعلموا إخواني أني فكرتُ في السبب الذي أخرج أقوامًا من السنة والجماعة واضطرهم إلى البدعة والشناعة، وفتح باب البلية على أفئدتهم، وحجب نور الحق عن بصيرتهم، فوجدت ذلك من وجهين:
أحدهما: البحث والتنقير، وكثرة السؤال عما لا يعني، ولا يضر العاقل جهله، ولا ينفع المؤمن فهمُهُ.
والآخر: مجالسة من لا تُؤْمَنْ فتْنتُه، ُوتفسدُ القلوبَ صُحبتُهُ"
الإبانة (1 / 390)
كانوا فيما مضى:
قال الحافظ الذهبي رحمه الله وقد ذكر طبقات أهل الحديث وعمارة مجالسهم في الزمن الأول:
"فان المجلس الواحد في هذا الوقت كان يجتمع فيه أزيد من عشرة آلاف محبرة يكتبون الآثار النبوية ويعتنون بهذا الشأن وبينهم نحو من مئتي إمام قد برزوا وتأهلوا للفتيا، فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا، وتبدل الناس بطلبه يهزأ بهم أعداء الحديث والسنة ويسخرون منهم، وصار علماء العصر في الغالب عاكفين على التقليد في الفروع من غير تحرير لها، ومكبين على عقليات من حكمة الأوائل وآراء المتكلمين من غير أن يتعقلوا أكثرها، فعم البلاء، واستحكمت الأهواء، ولاحت مبادئ رفع العلم وقبضه من الناس، فرحم الله امرءاً أقبل على شأنه، وقصر من لسانه، وأقبل على تلاوة قرآنه، وبكى على زمانه، وأدمن النظر في الصحيحين، وعبدَ الله قبل أن يبغته الأجل"
تذكرة الحفاظ (529/2)
من المجازفة العلمية أن تتجاوز أحكامَ قرونٍ من العلماء، وتزعم أنك وقفت على ما خفي على آلاف الأئمة، أو تُضعِّف ما تلقّوه بالتصحيح؛ دون حجة علمية توازي حجم هذه الدعوى.
وقبل أن تقول: أخطؤوا وأصبتُ، قارن بين أدواتهم وأدواتك، وسعة علمهم وسعة علمك، وما تراكم لديهم من نظرٍ ونقدٍ وتمحيص، ثم اسأل نفسك:
ما الذي فاتَهم وأدركتَه؟
وما المعايير التي اهتديتَ إليها وغابت عنهم؟
وما القرائن الجديدة التي وقفتَ عليها ولم يقفوا عليها؟
وما الذي يجعل فهمك أرجح من فهم أجيال من العلماء الذين تعاقبوا على النظر في هذه المسائل؟
ليس المقصود أن المتقدمين لا يخطئون، ولا أن مخالفتهم ممتنعة؛ ولكن فرقٌ بين تصحيح خطأ بالدليل، وبين تخطئة أجيال من العلماء بدعوى لا ينهض بها البرهان.
فكلما عظمت الدعوى، عظم عبءُ إثباتها.
الفتن وضياع الدين:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "ليَغْشَيَنَّ أُمَّتِي من بعدي فِتَنٌ كَقِطَعِ الليلِ المظلِمِ، … يبيعُ أقوامٌ دينَهم بعرَضٍ منَ الدنيا قليل".
الصحيحة (1267)
قال الحسن رحمه الله: "والله لقد رأيناهم، صورا ولا عقول، أجساما ولا أحلام، فراش نار، وذبان طمع، يغدون بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز"
معارضة النصوص بالآراء:
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون المعارض على ذلك"
الصواعق المرسلة (1062/3)
دين #الإسلام موروث نبوي، يحمله أمنته من العلماء من جيل إلى جيل، وليس آراء عقلية، ولا نتاجات فكرية، ولا تخرّصات ظنية:
قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنَّما ورَّثوا العلم، فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر”.
كل شذوذ في الخطاب الديني يخالف ما عليه العلماء والأئمة وما درجت عليه الأمة من الحق؛ إنما هو زرع للفتن والضلال والشر، وفتح لباب الإلحاد والتنكر للدين، وزعزعة لأمن الدول وترابط مجتمعها، وفسح المجال للمتربصين بها، ومن ضوابط العلم ما قاله الإمام أحمد: "لا تقل قولا ليس لك فيه إمام"
أهل السنة الحقة:
أعلم الناس بالحق، وأرحم الناس بالخلق
يدورون مع الحق حيثما دار، ويلزمون السنة في كل حال
لا يفزعون إلى الأهواء، ولا يعولون على الآراء
يعظمون الكتاب والسنة
ولا يخرجون عن مذاهب الصحابة وتابعيهم والأئمة
شعارهم الاتباع، وفرارهم من الهوى والابتداع
يشتغلون بالعلم النافع، ويبتعدون عن الشذوذ والغرائب
يحرصون على جمع الكلمة، والبعد عن كل فتنة
يتعاملون مع الناس على ما توجبه الشريعة
ويزمون أنفسهم بالأدلة الصحيحة
يراعون الحكمة والمصلحة
يلزمون الجماعة، ويدينون بالسمع والطاعة، ويؤدون حق الإمامة
يتواصون بالحق والصبر والمرحمة
يحبون الخير للغير
لا تشدد ولا تعنت ولا تنطع ولا غلو
ولا جفاء ولا غلظة ولا تسيب ولا انفلات
ولا عجلة ولا طيش ولا تهور
بل وسطية حنيفية محمدية
وأخلاق عالية نبوية
وأعمال حسنة مرضية
وحقوق مؤداة مرعية
ونفوس طيبة زكية
وألسنة عفيف وقلوب نقية
وضوابط محكمة شرعية
ثبات بلا تلون ولا مداهنة
قريبون هيّنون لينون
رحماء رفقاء ناصحون
يرجون ما عند ربهم
ويغضون الطرف عن حظوظ أنفسهم
يلتمسون المعاذير لإخوانهم، ويسعون في نفعهم ورعاية مصالحهم
فاللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وأوردنا حوض نبيك لا مبدلين ولا مغيرين، وأدخلنا جنتك مع النبيين، فأنت بكل جميل كفيل، وأنت حسبنا ونعم الوكيل
وضوح جادة السنة كوضوح النهار والشمس ساطعة في كبد السماء لا لبْس فيها ولا خفاء، وهي صراط مستقيم وكفاية ونجاة وعصمة وإمام مبين:
عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية رضي الله عنه يقول: "وعظنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم موعظةً ذَرَفتْ منها العيونُ ووجلت منها القلوبُ، فقلنا يا رسولَ اللهِ إن هذه لموعظةُ مودَّعٍ فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ، من يعشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتُم من سنتي وسنةِ الخلفاء الراشدين المهديِّين, عَضُّوا عليها بالنواجذِ، وعليكم بالطاعةِ وإن عبدًا حبشيًا، فإنما المؤمنُ كالجملِ الأنِفِ حيثما قِيدَ انقادَ".
رواه ابن ماجه، الصحيحة (937)
تربية الصغار على حب العلم وأهله، واتباع السنة، والتمسك بالأثر، والاقتداء بالسلف:
قال إبراهيم الحربي رحمه الله عن الإمام أحمد رحمه الله:
«هو ألقى في قلوبنا منذ كنا غلمانًا اتباع حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأقاويل الصحابة، والاقتداء بالتابعين».
طبقات الحنابلة [1/ 234]
وقال الإمام مالك رحمه الله: "كان السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر رضي الله عنهم كما يعلمونهم السورة من القرآن".
الموطأ (15/1)
إياك ومضلات الهوى ومستنقع الفتن:
قال الإمام الذهبي رحمه الله: "إن من البلاء أن تعرف ما كنت تُنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وتُقدَّم عقول الفلاسفة، ويُعزل منقول أتباع الرسل، ويُمارى في القرآن، ويُتبرم بالسنن والآثار، وتقع الحيرة، فالفرار الفرار قبل حلول الدمار، وإياك ومضلات الأهواء، ومجاراة العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم"
تذكرة الحفاظ (328/1)
علم الصحابة رضي الله عنهم واتفاقهم في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته وما جاء من غيب متعلق باليوم الآخر:
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "الصحابة أعلم الأمة على الإطلاق، وبينهم وبين مَن بعدهم في العلم واليقين كما بينهم وبينهم في الفضل والدين، ولهذا كان ما فهمه الصحابة من القرآن أولى أن يصار إليه مما فهمه من بعدهم، فانضاف حسن قصدهم إلى حسن فهمهم، فلم يختلفوا في التأويل في باب معرفة الله وصفاته وأسمائه وأفعاله واليوم الآخر ولا يحفظ عنهم في ذلك خلاف لا مشهور ولا شاذ"
الصواعق المرسلة (509/2)
السَّلف كانوا يَفخَرون بأنهم على نهج الصَّحابة، وأنهم أخذوا دينهم كابرًا عن كابر، ولذلك كما في السُّنَّة لعبد الله، أنه قيل لشريك بن عبد الله: (إنَّ قومًا من المعتزلة يُنكرون أحاديث النُّزول). فماذا صنع رحمه الله؟ حَدَّث بنحو عشرة أحاديث فيها إثبات النُّزول لله تعالى، ثم قال: (أمَّا نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التَّابعين عن أصحاب رسول الله ﷺ، أمَّا هم فعمَّن أخذوا؟).
انظر هذا الفرح والغِبطة بأنَّ هذا المعتقد متلَّقى عن أولئك الأخيار.
هذا شرف وأيّ شرف! أن يكون اعتقادك هو اعتقاد أبي بكر، وعمر، وإخوانهما من الصَّحابة، ثم من التابعين، ثم من أتباعهم رضي الله عنهم ورحمهم.
- قواعد ومقدمات في عقيدة أهل السنة والجماعة I أ.د. #صالح_سندي.
مما يؤسف له في زماننا جرأة كثير من الناس على الطعن على حكام المسلمين وأمرائهم، والنيل من ذواتهم، وبسط اللسان بالسوء عليهم، وهذه نزعة خارجية، وعلامة شر وفساد طوية، وقد أجمع السلف على النهي عن ذلك:
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوننا عن سب الأمراء".
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه".
وقال أبو إدريس الخولاني رحمه الله: "إياكم والطعن على الأئمة، فإن الطعن عليهم هي الحالقة، حالقة الدين ليس حالقة الشعر، ألا إن الطعانين هم الخائبون وشرار الأشرار".
وقال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: "إنهم كانوا ينهون عن سب الأمراء". التمهيد ٢٧٨/٢١
نشر السنن والآثار، وتمكين العلماء من النصح والإرشاد؛ أمان وألفة ورحمة للعباد والبلاد:
قال الإمام مالك رحمه الله: "ما قَلّت الآثارُ في قوم إلا ظهرت فيهم الأهواء، ولا قلّت العلماء إلا ظهر في الناس الجفاء"
ذم الكلام (869)
التابعون بإحسان:
قال الله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجرِينَ وَالْأَنصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإِحْسَانٍ رَّضيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "فالتابعون لهم بإحسان هم: المتبعون لآثارهم الحسنة، وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية"
وقال السعدي رحمه الله: "{وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} بالاعتقادات والأقوال والأعمال، فهؤلاء، هم الذين سلموا من الذم، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللّه".