نظرة الإنسان محدودة جدًا إتجاه التجارب والرزق..دائمًا نعتقد إننا ممكن نطلع من التجربة بهدف واحد واضح ومُخطط له بدقة، لكن العجيب بالموضوع إننا ممكن نخسر الهدف الواضح هذا ولكن نكسب من جوانب إخرى ما حسبنا لها حساب
وهنا تكمن جمالية الرزق!
كوكو كووكوووو
قبل أسبوع زرت جدتي التسعينية «آمنة» في بيتها. أو بالأصح في شقتها، فهي لم تعرف البيت المُلك مذ جئت إلى هذه الدنيا. كان جدي الذي تزوج بعدها ثلاث نساء، قد أسكنها في بيت مُلك. لكنها خرجت منه بعد موت جدي واتفاق أخوالي على بيع أملاكه وتوزيع التركة نقدا.
كل زوجات جدي الأخريات اشترى لهن أولادهن بيوتا. ماعدا جدتي، لسبب لم أعرفه كان أولادها الثلاثة يماطلون وينقلونها من شقة مستأجرة إلى أخرى. المسكينة، منذ طفولتي لم أسمعها تردد ذكر شيء بقدر ترديدها ذكر ”البيت الحلال“. كان حلم حياتها أن تموت آمنة في بيت تملكه، لا غريبة في شقة مستأجرة. ولأنها في مجتمع يعطل فاعلية المرأة، فقد كان مفتاح تحقيق حلمها في يد أولادها.
حين زرتها الأسبوع الماضي لم تعرفني، فقد اجتاح الألزهايمر ذاكرتها. في السابق كانت تميزني وتحبني، وحين أرادت الحج إلى البيت الحرام قبل ٢٠ سنة، اختارتني لأكون محرمها. والآن أسألها: تعرفيني يا يمه؟ فتقول: طبعا أعرفك أنت عادل. ردعت نفسي: لن أحرجك يا جدة ولن أزعزع ثقتك بنفسك، سأصير عادل لبعض الوقت.
جدتي لها من الأبناء والأحفاد وابناء الأحفاد ما يتجاوز الستين شخصا، ولكن الكل لاهٍ بحياته، وهي وحيدة مع عاملتها الآسيوية، فخطرت لي فكرة مؤانستها. في صغرنا كنا نتحلق حولها فتحكي لنا الحكايات. تذكرت حكاية (حمدة) فسألتها: يمه تذكرين حكاية حمدة؟ أجابت: لا. أعدت السؤال: حكاية (حمدة في التنور) كنت تقصينها لنا! كررت: لا أذكرها. فحكيت لها القصة.
حمدة فتاة جميلة ماتت أمها فتزوج أبوها صياد السمك من امرأة لها ابنتين، وأسكنهم في بيته. كان يخرج للبحر يصطاد السمك فيبيع صيده في السوق ويجلب سمكة أو اثنتين إلى البيت ليأكلوها. كانت زوجته الجديدة تستغل غيابه لتلقي أعباء المنزل على حمدة، تاركة ابنتيها تلعبان وتمرحان.
في أحد الأيام جلب الأب سمكتين، وحين أخذتهما حمدة لتطبخهما، كلمتها إحداهما: أرجوك يا فتاة أعيديني إلى البحر وسأعطيك ما تتمنين. اندهشت حمدة، فأعادت السمكة طلبها: أتوسل إليك أطلقيني في البحر وسأحقق لك أي أمنية. أشفقت الفتاة على السمكة فأعادتها إلى البحر.
بعد مدة أعلن حاكم المدينة أنه سيزوج إبنه الأمير، ودعا الناس لحضور حفلة سيقيمها ليختار ولي عهده زوجة له. في ليلة الحفلة حذرت زوجة الأب حمدة من مغادرة المنزل، ثم زينت ابنتيها وذهبن للسهرة.
حزنت حمدة وخرجت تبكي على الشاطئ. فإذا تلك السمكة تخرج، وتسأل الفتاة عن بكائها، وحين أخبرتها أن زوجة أبيها منعت عنها الملابس النظيفة، اعطتها السمكة ملابس فاخرة وحثتها على الإسراع بالذهاب. ارتدت حمدة ملابسها وانطلقت إلى القصر، فسحرت الجميع بجمالها خصوصا الأمير.
ولكي لا تعرفها زوجة أبيها جلست بمحاذاة البئر في ساحة القصر فسقطت فردة حذائها في جوفه. شعرت حمدة بالحرج فغادرت إلى بيتها. افتقدها الأمير وسأل عنها وحين أخبره الحراس أنها غادرت بفردة حذاء واحدة أوصى بالبحث عن الفردة الأخرى، وحين وجدوها في البئر، خرج الأمير مع جنوده ليبحثوا في بيوت البلدة عن الفتاة التي يناسب الحذاء مقاس قدمها.
وصل الأمير إلى منزل حمدة، فخبأتها زوجة أبيها داخل التنور ووضعت الرحى فوق غطاءه ونثرت حبوب القمح حتى يظهر كأنه مهجور. دخل الأمير وسأل إن كان في البيت فتيات، فدفعت المرأة بابنتيها. جربت الفتاتان الحذاء فلم يناسبهما. سأل الأمير: أليس لديك بنات أخريات؟ فنفت المرأة. وحين إلتفّ الأمير للخروج، صاح الديك:
كوكو كووكوووو
حمدة حمدة في التنور
عليها الحب المنثور
عليها طبجة الرحى
(فجأة شاركتني جدتي هذا النداء بتنغيم)
توقف الأمير وسأل زوجة الأب: هل تكلم الديك؟ فردت عليه أنه مجرد صياح بلا معنى. فتوجه الأمير نحو الباب، ولكن الديك عاد للصياح (هنا أيضا كررت جدتي مشاركتي التنغيم بابتهاج):
كوكو كووكوووو
حمدة حمدة في التنور
عليها الحب المنثور
عليها طبجة الرحى
في هذه اللحظة لم يسأل الأمير زوجة الأب، ولكنه أمر جنوده مباشرة أن يفتشوا التنور، وحين فعلوا وجدوا حمدة مقرفصة في بطنه تنتظر بخوف من ينقذها من الضيق والاختناق. أخذوها للأمير وحين ألبسها فردة الحذاء وجد أنه حذاءها. فرح الأمير وأمر الجنود بإحضار الوصيفات لتجهيزها وتزيينها للزفاف، فقد اختارها زوجة له وأميرة في مملكته.
انتهيت من الحكاية وكانت جدتي قد عادت لنظرتها الساهمة، وحين هممت بالرحيل وقبّلت يديها، تشبثت بي وفي عينيها انخطاف، لا أدري أهو قلق من الموت أم هلع من الوحدة. ثم سألَتْ بتوسل وهي لا تكاد تميزني: متى ستعود؟ أجبتها: قريبا إن شاء الله.
غادرت، تاركا إياها داخل التنور الذي عاشت فيه خائفة طوال أربعين سنة، تنتظر ديكا يعلن عن وجودها، أو أميرا يرفع الرحى ويعترف باستحقاقها الحب والأمان، فينقلها من الإقصاء إلى الإحتضان.
ذائقتي لا تثقُ بما يُلوّح بنفسه؛ تميلُ إلى ما يختبئ. إلى جوهرةٍ تُخفيها الصخور، وكتابٍ يعثرُ عليك قبل أنْ تعثرَ عليه، ومدينةٍ لا يشي بها الليل، ولحنٍ يختارُ مستمعيه، وقصيدةٍ تنجو من استهلاكِ الألسنة. أحبُّ الأشياءَ التي لا تمنح نفسها بسهولة؛ الأشياء النادرة… أو لعلّي، منذ البداية، كنتُ أعنيكِ!
عندما يجتاحُك التغيير للمرة الأولى، ستُصاب بزلزالٍ داخلي، وفي الثانية ستتأقلم شيئاً فشيئاً،
وفي الثالثة سَتشعر بأن هناك رغبةً مُلحَّةً في الصراع مع «الآخر» الذي كُنتَه يوماً، وفي الرابعة ستنضج بمرور الناس والتجارب، وفي النهاية سَتتخلّى عن هذه المهمة؛ لتكون فريداً.. وحيداً.
سَتَصل إلى مرحلةٍ تَكتفي فيها بالدعوة إلى إنسانٍ خارجَ أيِّ تصنيف؛ وسيكون وعيُك حاضراً بقوة في تخفيف حدّة التوتر مع نفسك، وتهذيب علاقتك بالآخرين. إنّها الولادةُ الحقيقيةُ لمعنى الوجود، غيرَ تلك التي تخرجُ فيها مِن بطن أمِّك.
أعرف الكثير عن التعافي، لكن أهم ما أعرفه حقًا هو أنه يحتاج إلى وقت، وعليك أن تحترم إيقاعه وتمنحه الوقت، دون استعجال أو تذمر، وأن تسمح في خلال ذلك للحياة بأن تسري فيك؛ يعني أن تفتح نوافذك حتى وإن كنت لا تشعر بأي رغبة فعلًا في النظر إلى حركة الحياة في الخارج، أن تترك نوافذك مفتوحة هو أن تترك للحياة بأصواتها ونورها وشمسها وصخبها وضحك الأطفال وهمهمات الطيور فرصة لزيارتك، في البداية لن تُلقي بالًا، ثم ستتذمر من الأصوات، ثم ستعتادها، ثم في لحظة سحرية ستحبها، وفي لحظة أخرى أكثر سحرًا ستنغمس فيها وسيكون صوتك وستكون حركتك جزءًا منها، مبارك! لقد تعافيت.
تتغير عاداتي القرائية كل فترة ومع ضغوط العمل أو البحث؛ هذه الأيام مثلًا أميل للقراءة بالإنجليزية، ولقراءة الروايات من الحجم الصغير؛ يعني أقرأ فصل كوقت مستقطع كل ساعتين، وفي نهاية الأسبوع أكون قد قرأت رواية وبدأت في أخرى جديدة، واللطيف أنني أشعر بالتجدد بعدها؛ كأنني تحدثت في مكالمة سريعة مع صديقة.
اليوم انهيت هذه الرواية التي لم يخب ظني فيها؛ قلت في نفسي غالبًا ستشبه أفلام الأنمي، وبشكلٍ ما شعرت بهذا وأنا أقرأ.
تنساب أحداث الرواية بعذوبة حول تاكاكو، التي تتهاوى حياتها إثر صدمة عاطفية، فتستقيل من عملها وتنعزل عن العالم، وينقذها خالها ساتورو بدعوتها للإقامة في الغرفة الواقعة أعلى مكتبته للكتب المستعملة في حي جيمبوتشو.
هناك، وتحديدًا بين أرفف الكتب العتيقة، تكتشف تاكاكو سحر القراءة الذي يداوي جراحها ويمنحها القوة لمواجهة ماضيها وإغلاق صفحته. وفي المقابل، تساند هي خالها عند عودة زوجته التي غابت عنه لسنوات، ولأنها تشافت تتمكن من مساعدته على ترميم حياته أيضًا. وتختتم القصة استعادتها لشغف الحياة، فتودع المكتبة لتبدأ رحلة جديدة بقلب أكثر صلابة ونفس أكثر اطمئنانًا.
بينما أعود للمنزل كنت أفكر: هذه الحكاية تبدو مكررة فعلًا لكني رغم ذلك استمتعت بها؛ ربما ما يمنح بعض الحكايات جماليتها هو كونها مألوفة ومكررة بشدة وعادية للغاية، وبشكلٍ ما جعلتنا نشعر بالألفة معها، ربما لأنها تحكي حكايتنا أو حكاية عزيز علينا، أو ربما لأن الراوي كان شديد الاعتزاز بعاديتها وهكذا رواها بلغة فهمتها أرواحنا.
لاحظت في بداية الرواية أن البطلة كانت تصف كل شيء في عُجالة وفي نبرة غير مكترثة أو محبطة، ثم تحول وصفها للوحات يمكنك من مجرد قراءتها الشعور بالحياة وهي تسري فيها.
ألوان الدنيا أجمل عندما تكون متعافيًا 🤍
مع كثرة تداول فكرة الاستحقاق، أصبح التأخير مُربكًا للكثير.
ببساطة، أرزاق الله واسعة، وكل ما ترجوه هو قادرٌ على أن يبسطه لك.
لكن، هل فكرت يومًا أن تدعوه أن يُهيئك لأمانيك؟
فالتهيئة، والتوقيت المناسب، أيضًا رزق، وفيهما الكثير من اللطف الخفي. ✨
عزيزي يا صاحب الظل الطويل
لقد تعلمت أنه ليس المتع الكبيرة الهائلة هي التي تهم، بل صنع الكثير منها من متعٍ صغيرة. اكتشفت السّر الحقيقي للسعادة ياعزيزي، ويكمن هذا في أن تعيش اللحظة. وألا تتحسر على الماضي على الدوام، أو تفكّر بالمستقبل، بل أن تحصل على أكبر قدر من هذه اللحظة ❤️