"صوت الشعب" والتعددية والحزب الحاكم
بات واضحا لكل مطلع ومنصف سعي السلطة التنفيذية إلى الهيمنة على مجلس الشعب، أي السلطة التشريعية، منذ كتابة الإعلان الدستوري وصولا إلى الليلة التي سبقت انعقاد المجلس، وهي ليلة تستحق أن تذكر بتفاصيلها للشعب السوري وللتاريخ. وقد تخلل هذه الفترة عمل حثيث لترتيب المجلس ورئاسته بطريقة تتماشى مع رؤية السلطة التنفيذية، بما يضمن لها ألا يكون مجلس الشعب عائقا أمام تمرير القوانين المنسجمة مع رؤيتها.
وبعد انطلاقة مجلس الشعب المتعثرة والظلال التي واكبتها، انطلقت حملة قوية من قبل أطراف مقربة من السلطة للترويج لفكرة أن أي "تحزب" أو "تكتل" في مجلس الشعب هو جريمة وخيانة وتعطيل، وأن المجلس يجب أن يبقى صوت الشعب حصرا، وأن يكون صوتا واحدا.
فهل الهدف هو أن يكون مجلس الشعب كتلة واحدة، برأي واحد وصوت واحد، وأن يكون هذا الصوت تحت هيمنة السلطة التنفيذية؟ إن ادعاء احتكار صوت الشعب من قبل طرف واحد هو من أهم خصائص الأنظمة الاستبدادية، ونحن في سورية أدرى الشعوب بذلك.
لا شك أن جهود مجلس الشعب يجب أن تصب في اتجاه واحد، هو إنجاح المرحلة الانتقالية وتحقيق أهدافها، كما يجب تقليل أي تعطيل حقيقي، لا مصطنع، إلى أدنى حد. ويجب أن تتمحور مهمة المجلس في الأشهر القادمة حول أولويات الشعب السوري: تحسين الوضع المعيشي والأمني، والعدالة الانتقالية، كعناوين أساسية. لكن كيفية تحقيق هذه الأهداف ستبقى دائما مجالا للنقاش والاختلاف والتدافع الإيجابي، وهو عماد الحياة السياسية التي نطمح إليها.
أما النظرة الاختزالية للحياة السياسية بوصفها حزبا واحدا ورأيا واحدا، والترويج للتعددية السياسية على أنها تعطيل، بل و"خيانة لدماء الشهداء"، فهو فعل جاهل أو خبيث. فكيف يمكن الوصول إلى أفضل التشريعات والأطر القانونية التي تخدم مصلحة السوريين إلا من خلال النقاش والحوار داخل المجلس وخارجه؟ وما الآليات البديلة؟
تمتلك الأنظمة الاستبدادية أفضلية لا يمكن إنكارها: سرعة القرار والتنفيذ. لكن ثمن هذه الأفضلية أعظم بكثير من فوائدها، لأن هذه الفاعلية تكون، في غالب الأحيان، ضد مصالح الشعب. وأي تعطيل جزئي ومؤقت للقرار، مقابل إتاحة الفرصة الحقيقية للسوريين للنقاش والحوار وممارسة الرقابة على أداء الدولة، هو ثمن مقبول جدا مقارنة بالبديل، وتجارب الأمم واضحة وقطعية بهذا الخصوص. ومع ترويج البعض مؤخرا لنموذج "المستبد العادل" كخيار موضوعي في سورية، علينا كسوريين أن نفكر مليا في نوع الدولة التي نريدها فعلا، وفي الحياة السياسية التي نطمح إليها.
أكرر: على مجلس الشعب الحالي أن يدرك أنه في مرحلة انتقالية، وأنه مجلس تأسيسي يواجه تحديات خاصة ومهام حيوية لبناء مستقبل البلد، وأن يستحضر أعضاؤه أن الخيانة الحقيقية لدماء الشهداء هي الخضوع للإملاءات وتغليب المصالح الشخصية والخاصة، ولكن غياب الأحزاب السياسية أصلا في سورية حاليا يجعل هدف هذه الحملات هو خلق "بعبع" ينفر الناس من الحياة السياسية، وترسيخ ثقافة الحزب الواحد التي كانت لها آثار كارثية على سورية، ما زلنا نحاول تجاوزها، وكانت سببا من أسباب قيام الثورة السورية.
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
#سورية_أمانة_لا_غنيمة
الحقوق ليست منّة أو مكرمة، والمنتصرون هم الثوار والشعب، وليس الجماعة
في إجابة رئيس اللجنة العليا للانتخابات عن سؤال صحفية حول حق مجلس الشعب في إعادة النظر في العديد من المراسيم والقرارات التنفيذية التي صدرت أثناء تعطيل المجلس، قال:
"أتوقع أنه جاوبت عهالسؤال سألو زميل لك قبلك ، ولكن أريد أن أركز على نقطة من خلال سؤالك؛ معلوم في كل البلدان التي تحدث فيها انتصار للثوار أو حتى انقلابات عسكرية يتشكل مجلس أعلى لقيادة الثورة أو قيادة الدولة تناط بهذا المجلس جميع السلطات سواء تنفيذية وتشريعية وقضائية، ولكن حقيقة لمكانة سورية وعظمة الشعب السوري ارتأت القيادة متمثلة بالمنتصرين وبفخامة الرئيس أحمد الشرع وكرس ذلك في الإعلان الدستوري ان يكون هناك مجلس شعب تناط به الوظيفة التشريعية والتمثيلية وأن يكون الثلثين من أعضاء مجلس الشعب بعملية الانتخابات ولو حصلت بطريقة غير مباشرة؛ حتى يكون هناك دور للشعب السوري في بناء مؤسسات الدولة، ولكن كما تعلمين يحق للمنتصرين أن يشكلوا مجلس أعلى لقيادة الدولة وتناط بهم جميع هذه الصلاحيات ولكن كما ذكرت لك لمكانة سورية ولعظمة المجتمع والشعب السوري لا بد أن يأخذ دوره في عملية البناء وذلك بفضل وتوجيهات من القيادة وفخامة الرئيس أحمد الشرع"
عدة نقاط لا بد من توضيحها:
- القول إن "كل" البلدان التي تنتصر فيها الثورات يتشكّل فيها مجلس قيادة، أو مجلس أعلى للثورة، بكامل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية خلال المرحلة الانتقالية، هو كلامٌ مجانب للحقيقة وللتاريخ. فدول مثل تشيلي، وجنوب أفريقيا، والبرتغال، وغيرها من الدول التي قادت انتقالًا سياسيًا ناجحًا نسبيًا بعد الثورات، عمدت إلى تأسيس أجسام تشريعية، وكتابة دساتير مؤقتة، وإجراء انتخابات.
- أما البلدان التي اتجهت، بعد انتصار ثوراتها وخلال المرحلة الانتقالية، إلى مجالس حكم تستفرد بكامل السلطات، أو إلى تشكيل مجالس تشريعية مهيمن عليها من قادة البلاد، كالفلبين وإيران على سبيل المثال، أو إلى تشكيل مجالس تشريعية حقيقية ثم حلّتها السلطة حين كثر التصادم معها وشكّلت عائقًا أمام الاستفراد بالقرارات، كاليمن وتونس على سبيل المثال، فقد انزلقت نحو الديكتاتورية والفوضى من جديد.
التوجه نحو الاستفراد بالسلطات ليس حقًا ولا عرفًا سياسيًا خلال المراحل الانتقالية، كما يوحي كلام المسؤول الحكومي؛ بل هو خيار، وله تبعاته الكارثية على البلد بأكمله ومستقبله.
- اعتماد مرحلة انتقالية يُوضع فيها دستور مؤقت، ويُنتخب فيها جسم تشريعي مستقل قدر الإمكان، وتُفصل فيها السلطات، هو الطريق الصحيح الوحيد في الحالة السورية. واختيار هذا المسار ليس منّة أو مكرمة من أي طرف، بل هو حق السوريين، وهو ما قاتل من أجله الثوار.
- "المنتصرون" في الثورة هم الثوار ومن دعموهم وساندوهم؛ بعضهم كان في المناطق المحررة، وبعضهم بقي في مناطق النظام، وبعضهم كان في الخارج. ولا يمكن اختزالهم في مجموعة صغيرة، تحكم الآن، ولا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، ولا يجوز تقزيم أربعة عشر عامًا من الثورة والكفاح، سبقتها عقود من المقاومة ضد النظام، في معركة استمرت عشرة أيام، هيّأ الله سبحانه وتعالى لها الظروف لتكون القاصمة.
- تحدّث رئيس اللجنة العليا للانتخابات عن خيار المرحلة الانتقالية باعتباره ما ارتأته السلطة حصرًا، وكأن لا وزن للشعب السوري وطموحاته وتطلعاته، وكأن مصير هذا الشعب بيد شخص واحد، أو بضعة أشخاص.
للأسف الشديد، تأتي تصريحات مسؤول رسمي مهم، يشغل عدة مناصب في مجالات مختلفة داخليًا وخارجيًا، لتعزّز تصريحات مسؤولين آخرين في الماضي، ولتؤكد أن:
السلطة ما زالت تنظر إلى سورية على أنها غنيمة بدلًا من أمانة، وأن الشعب "رهينة" هي من حررته، ولذلك فإن كل ما "يُعطى" لهذا الشعب هو منّة ومكرمة، وأن التفرد المطلق بالحكم هو الطريقة الوحيدة لإدارة المرحلة الانتقالية، أو ربما لما بعدها!
سورية تحتاج إلى ثقافة سياسية مختلفة. وربما إذا كُتب النجاح والتوفيق لمجلس الشعب كمؤسسة، ولنوابه كأفراد وقادة سياسيين، فقد نرى بدايات التغيير الذي نطمح إليه. لكن من الصعب بناء علاقة صحية بين الشعب والسلطة، وحتى بين الشعب والدولة، في ظل هكذا عقلية.
ويبقى السؤال، في ظل هذه الفلسفة: هل يتم استثمار المرحلة الانتقالية لبناء مؤسسات الدولة بطريقة فعلية ومستدامة، أم لتركيز النفوذ والسلطة بيد جماعة محددة قبل أن تُبنى هذه المؤسسات فعليًا؟
#سورية_الجديدة
#الثورة_مستمرة
#سورية
#Syria
#سورية_أمانة_لا_غنيمة
سورية ..إلى أين؟
لا اريد ان اعكر صفو فرحة الناس والسوريين خصوصا بالعيد، ففرحتنا بالخلاص من الأسد تعطينا شعورا دائما بالبهجة والأمل.
لكن ما قاله الرئيس الشرع أمام أعضاء مجلس الشعب في قصر الشعب في أول أيام العيد كان صادما إلى حد كبير، فكيف يكون لرئيس في نظام رئاسي وجمهوري أن يقر موازنة الدولة كما ذكر، هذا حصرا من اختصاص البرلمان، ربما لا يميز الرئيس بين الموازنة والميزانية
فهناك فرق جوهري بين الموازنة (Budget) والميزانية (Balance Sheet) وهو لا يكمن فقط في التوقيت والهدف؛ فالموازنة خطة تقديرية مستقبليةللإيرادات والنفقات تُعد قبل بداية السنة المالية، بينما الميزانية تقرير فعلي تاريخي يُظهر المركز المالي للأصول والالتزامات الحقيقية للدولة في نهاية السنة، مجددا لا يكترث الرئيس للإعلان الدستوري الذي وقعه بنفسه عندما جعل من صلاحيات مجلس الشعب إقرار موازنة الدولة، التي تقر بعد ان يكون هناك نقاش وطني حول مشروع الموازنة الذي تقدمه الحكومة وبين الاولويات التي يعتقد اعضاء المجلس ان يجب تضمينها من مثل اولوية اعادة الإعمار وإغلاق المخيمات ورفع الأنقاض والعدالة الانتقالية والكشف عن مصير المفقودين.
فكيف يقر الشرع الموازنة دون ان نعرف ما هي بنودها وما هي أولويات الحكومة فيها، ما ذكره الشرع ان هناك مخصصات للبنى التحتية وإغلاق المخيمات وهذا جيد، لكن اين هي البنود التي تتعلق بتمويل الهيئات التي من شأنها ان تشوف على عملية الانتقال السياسي المؤسسي، فالعدالة الانتقالية هي اولوية للسوريين فما هو حجم التمويل المفترض لهذا العملية في هذا العام، وينطبق الأمر ذاته على قضية المفقودين فهناك مئات الالوف من المفقودين ينتظر الاهل والأحبة معرفة مصيرهم، فهل خصص بند في الموازنة لذلك، وايضاً الشرعية الثورية هي عملية مؤقتة تعقبها تحضير سورية والسوريين للانتخابات القادمة على مستوى منصب المحافظين والإدارة المحلية والبرلمان والانتخابات الرئاسية فهل هناك تمويل مخصص لتأسيس الهيئة العليا المستبقة للانتخابات التي يفترض بها ان تحضر السوريين لعملية انتخابية حرة ونزيهة في العامين القادمين، هل هناك بند في الموازنة لذلك ..وهكذا
فالموازنة ليست أبدا مجرد ارقام انها أولويات الحكومة والسياسات التي يدافع عنها رئيسها ولا يحق فقط بل يجب على كل الشعب المشاركة في كتابة بنودها وبالأخص اعضاء مجلس الشعب فهو المؤسسة التي يقرها في النهاية
اما الأرقام الاقتصادية التي ذكرها الشرع، فلا تعدو ان تكون مجرد وعود غير قابلة للتحقيق أبدا فكيف يمكن ان يزيد الناتج المحلي الإجمالي لسورية في عام ٥٠ مليار إذا لم يكن النمو الذي حققته سورية في العام الماضي متجاوزا النصف بالمائة وفقا لتقديرات البنك الدولي، اما الإنفاق الحكومي الذي تحدث عنه، فنحن لم نر ميزانية العام الفائت كي نعرف الواردات والنفقات وبالتالي يمكننا تقدير حجم الإنفاق الحكومي العام.
كل المدارس والمشافي التي افتتحها الوزراء في العام الماضي كانت بتمويل منظمات أهلية وغير حكومية فالإنفاق الحكومي اعتقد اقترب من الصفر ولذلك حققت سورية فائضا كما ذكر الشرع، لكن هذا شيء لا يدعو للفخر أبدا فإذا انت كبلد لديك مئات المخيمات وملايين المهجرين وعشرات المدارس والمشافي المدمرة ولا تعمل على بناءها واعادة إعمارها واذا كانت نسبة الفقر لديك تتجاوز ٩٠ بالمائة من الشعب، والمواطنون يشكون من غلاء الكهرباء حيث تفوق تكلفة الفاتورة قيمة الراتب الشهري فكيف يمكن لك ان تحقق فائضا وتفخر به، يجب ان يكون لديك عجز بمئات الملايين حتى تحقق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
على الرئيس ان يغير كل فريقه الاقتصادي وان يكون فريقا قريبا من الشارع قريبا من فقر السوريين وعجزهم، فريق يضع في أولويته مكافحة التضخم وغلاء الأسعار وضمان تحقيق الانتقال السياسي بمؤسسات ذات مصداقية ومشروعية
لكن إذا استمرينا على مراكمة الأخطاء فلن يكون اليوم بعيدا حيث يتفاجأ الشرع بأنه خلق نظاما مغلقا غير قابل للإصلاح اعجز عن الانتقال إلى الشرعية السياسية عبر الانتخابات وعندها ندخل في دوامة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي مجددا
على الرئيس ان يساعد نفسه اولا حتى نتمكن من مساعدته، وحتى يتحقق حلم السوريين الذي تحدث عنه