سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه ومضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
أستغفِرُ اللّٰه من ذنوبٍ نسيتُها وقد كُتِبت في صحيفتي، أستغفِرُك ربّي وأستغيثُ برحمتك وغفرانك فاكتبني ممّن غفرتَ لهم، أستغفِرُ اللهَ العظيم وأتوبُ إليه لي ولوالديّ وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياءِ منهم والأموات🤍
{ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ }
هذه الآية تنسف مفهوم الحتمية المادية في ظل نظام اقتصادي حديث قائم على إلغاء المجهول ويقيم رقميًا حالة اللايقين …
فقديماً كان التاجر والمزارع يعيش حالة توكل يومية، لا يعرف هل ستمطر أم لا؟ هل سيربح أم لا؟ فكان الغيب حاضرًا.
أما اليوم … فالراتب الشهري وعقود العمل طويلة الأجل، وخطط التقاعد، خلقت فينا وهمًا بأننا نعلم بالضبط ماذا نكسب غدًا … وبدون وعي تحول الرزق من عطاء إلهي لا نحتسبه إلى استحقاق تعاقدي مضمون (في ظننا)، وعندما يخبرك الإكسيل شيت وعقد العمل بما ستكسبه في 2030، فإن الغد يفقد قداسته الغيبية.
ومن منتجات هذا النظام الاقتصادي الحديث صناعة التأمين … التي جاءت لتسليع الغيب والمخاطر وتبيع لك صك غفران ضد كوارث المستقبل، فأنت تدفع قسطًا لتضمن أنك إذا مرضت ستعالج، وإذا مت سيرث أطفالك.
إذن … هذه المنظومة صُممت لتخبرك بأن لا تقلق، نحن ندري ماذا سيحدث غداً، وقد أمّنا عليه.
وبالنسبة للموت فإن الحضارة المادية تقوم على فرضية بسيطة لكنها خطيرة ألا وهي " ما لا يمكن قياسه أو التحكم فيه … يجب إقصاؤه من الوعي العام "، والموت لا يمكن التحكم فيه، لا يمكن تأجيله بلا نهاية، لا يمكن إخضاعه للمنطق الاستهلاكي، ولا يمكن تحويله إلى مشروع ربح مستدام.
لذلك صُممت البيئة الحديثة لإقصاء الموت … فأنت تلحظ أن المقابر في خارج المدن، لا جنازات في الشوارع، المستشفيات تعزل الموت عن الحياة … وفي الخطاب العام من يذكر الموت يُتهم بالتشاؤم، السلبية، تعطيل الإنتاج، تعكير المزاج … وكأن الحياة حفلة لا يجوز تذكير الضيوف بانتهائها (متى أخر مرة رأيت فيها ميت أو شيعت جنازة حتى القبر؟).
وفي الإعلام الموت الحقيقي غائب ويحضر فقط كمشهد سينمائي بلا معنى، بلا تأمل، بلا حساب، بلا سؤال … فتحول الموت من عظة تهز القلوب إلى مؤثرات بصرية … ولذلك عندما يرى الإنسان الموت الحقيقي، لا يتأثر، لأنه شبع من صورة الموت المزيفة.
وعندما يُمنع الإنسان من التفكير في الموت فلابد أن يبحث عن تعويض وتخدير لإطالة وهم البقاء فيظهر هوس الشباب، عبادة الجسد، الهروب الدائم إلى اللذة ثم بعد ذلك قلق مزمن رغم الوفرة.
والرأسمالية قائمة على الغفلة (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) … فلكي تشتري، وتستمتع، وتراكم الديون، يجب أن تنسى النهاية، وذكر الموت يوقظ الوعي، والوعي عدو الاستهلاك … فالميت لا يشتري، والخائف من الآخرة يشتري أقل ويقتصر على الضروريات … لذا يجب نسيان فكرة الموت ليظل المستهلك في حالة نشوة دائمة.
فلماذا نسينا الغد المُرتبط بالآخرة؟
لأننا مشغولون جدًا بالحاضر … منصات التواصل، التنبيهات والإشعارات، مواعيد التسليم، كلها تسرق منك المُستقبل عبر إغراقك في تفاصيل الحاضر.
وهذه الآية هي إعلان تمرد على النظام المادي المغلق، وحالة اللايقين المرعب لنظام يريد ضبط كل شيء … هي تقول أنك لستَ المسيطر، والسيستم ليس الإله، والأرض ليست ملكك، والغد ليس في جيبك.
نحن لم ننسَ هذه الآية سهوًا … نحن أُنسيناها بفعل فاعل، فإن هندسة حياتنا المُعاصرة جعلتنا بدون وعي ننسى مدلول هذه الآية، فالنسيان هنا ليس خطأً في الذاكرة، وإنما هو المُنتج النهائي للحضارة المادية … لذلك، يجب أن تُنسى، لتبقى التروس تدور.
فتذكر دومًا … { وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ }
شخص ما يملك نصف معدل ذكائك يكسب عشرة أضعاف ما تكسبه، فقط لأنه ليس ذكيًا بما يكفي ليشكّ في نفسه"
والحقيقة أنه من أعظم المفارقات أن من يملك تمام العقل، والإبداع، والتميُّز غالبًا ما يتوارى خلف ظلال الشكّ!
فتجده يبالغ في تقدير الأمور، يطوّقه حذره، فيصبح ذكائه له قيدًا لا جناحًا! ويمضي الناس ممَّن هم ليسوا بإمكانياته، أمامه، وحتى أنهم قد يسبقوه بأشواط.
لا تستمع لمخاوفك، لا تجعل فرط التفكير عائق, ففرط التفكير والتحليل من عدة جوانب، يحدّ من الجرأة. والحياة كلها لمن يجرؤ.
ساره الحمود
تقرَّر أن تأخذ سيارتك في أي ساعةٍ من ليلٍ أو نهار، منطلقًا من شمال الوطن إلى جنوبه، أو من شرقه إلى غربه، آمنًا مطمئنًا، لا يشغل بالك ولا يؤرقك إلا تعب السفر وجودة إطارات سيارتك؛ لأنك تعلم يقينًا أن كل من ستلتقيه في طريقك قريبٌ بشكلٍ لا تفهمه، وتعاملك معه لا يختلف عن تعاملك مع جارك أو صديقك أو أخيك. تشعر أنك "تمون" على كل هؤلاء، وهم مثلك يمونون.
ترفع رأسك في كل حيٍّ وحارةٍ وطريق، فتجد مآذن المساجد تعانق السماء، وجباه المصلين تلتصق بالأرض دون خوفٍ ولا وجل، إلا من خالق الأرض والسماء.
جلُّ أحاديثك عن الطقس، أو الزحام، أو مستوى فريق كرة القدم الذي تشجعه، وعن أسعار المواد الغذائية ومواد البناء.
الفزعة، والتكاتف، والرحمة، ومد يد العون للبعيد فضلًا عن ساكن البيت، تشعر أنها ليست خلائق وصفات أبناء هذه الأرض، بقدر ما هي شيءٌ جيني، شيءٌ من مكونات دمائهم. أهلٌ كرام في وطنٍ كريم.
حين تعيش هذه التفاصيل، ومثلها كثير من التفاصيل الصغيرة "المعتادة" فاعلم يقينًا أنك لست في وطنٍ فحسب، بل في بيتٍ كبير، كل من حولك فيه أفراد عائلتك. تختلفون وتتفقون، وربما تشتمون بعضكم بعضًا، لكنك مطمئن بأنهم جميعًا أهلك وعشيرتك الأقربون.
حين تمر كلمة الوطن بخاطري، لا أفتش في المنجزات العظيمة ولا في مؤشرات التقدم، بل في التفاصيل الصغيرة التي نألفها حتى نغفل أنها نعم جليلة.
وطنٌ آمن، مستقر، وشعب كريم، نعمة عظيمة - وكل نعم الله عظيمة- تستوجب الشكر.
ربط العبادات والدعاء بتحقيق المصالح الدنيوية وتبدل الأحوال المعيشية، يُنتج علاقة تعاقدية بين العبد وربه، علاقة قائمة على رجاء الثمار العاجلة وانتظار النتائج الملموسة، فتذبل دوافع التعبد حين لا يقع المأمول، ويضعف اليقين، ولذة وحرارة الطاعة في القلب؛ لذا من المهم أن يتهيأ الإنسان لعدم تبدل أحواله، وحصوله على مُراده، مع استمراره في الدعاء والعبادة؛ لأن العلاقة بين العبد وربه ليست صفقة مقايضة تُعقد على شروط دنيوية، بل عبودية محضة، ذل وانكسار بين يدي الله جل جلاله، علاقة تُبنى على التعظيم والانقياد، والتسليم بحكمته المطلقة، سواء ظهر لنا وجه الخير في الدنيا أم ظل مستترًا في علمه سبحانه وتعالى.
اللهم إنا نعوذ بك من كسرٍ لا يُجبر على صلابة اليقين، ومن ظُلمة لا تنقشع بنور هدايتك، ونسألك نفسًا صالحة في جسدٍ مُعافى، وهمّة عالية في إرادة خيرة.
ربنا إننا نطوي طُرُقًا طُويت في سابق علمك، وكل الرجاء أن لا تكلنا إلى أنفسنا، وتَهدِينا إلى صدق السريرة واستقامة الطريقة.
اللهم سخر لنا من تحب وترضى، وسخرنا لمن تحب وترضى، واجعلنا لبعضٍ سندًا وسكينة، وراحة وطمأنينة.
اللهم ارزقنا خير الأُنس والصُحبة، واجعلنا خير الأخِلة والرفقة، واكتبنا واكتب لنا حسن الجيرة في طريقنا بك وإليك.
لا أقول أنّ حياة الطفولة لا تؤثر على تشكيل الفرد، لكن هذا القدر من الاختزال في التفسير، والصنمية في التبرير، لا يليق ولا يفيد..
ولا عجب أن تَلقى هذه الفكرة رواجًا لأنها شمّاعة مُريحة، فالفرد في هذا السيناريو "ضحية" بطبيعة الحال…
من أجل أن تستمر طاقتك في إنجاز عمل جاد، تحتاج أن تكسر هذا الروتين بنشاط ينسيك إياه لفترة، مثل نزهة، سفر، رياضة، مرح، إن استمرارك لزمن متصل طويل في العمل الجاد يجعلك تفقد شغفك فيه، فتهيمن عليك حالة من السآمة ولا تريد إكماله رغم عدم وجود عوائق، عائقك الوحيد هو عدم عنايتك بنفسك وقت الضغوط.
#اسامه_الجامع
فكرة أننا مازلنا حتى الان نوضح للعالم أن اسرائيل هي المجرمة وفلسطين بريئة، مؤذية اكثر من كارثة اليوم واكثر من كل الكوارث السابقة.
لكن لن نقول الا كما قال رب الارض والسماوات "لَقَدْ جِئْنَٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَٰرِهُونَ".