لو أن الله وهبني ملكة الرسم، لصوّرت الشمس والقمر عاشقين، قُدّر عليهما الفراق والتواجد في فلكين مختلفين لا يلتقيان.. ولجعلتهما في لحظات التقاءهما النادرة -أي الكسوف- كأنهما يمدان الأيادي إلى بعضهما
مرة دخلت فتاة تبكي
قالت بابا ماعنده موعد
ويحتاجك في استشارة بسييييتة مرة
اعتذرت منها لان الاستشارة تحتاج وقت طويل
قالت الموضوع مرة بسيط وبابا تعبان
قلت طيب خليه يدخل
ظهر الرجل، ولا أقول دخل لان كلمة دخل لاتصف ماحدث بدقة
طويل جداً، عريض المنكبين، حضوره يشبه شيئاً من المصارع
وشيئاً من الجزار،
وشيئاً من هيبة اللواء المتقاعد.
تشعر انه عاش طويلاً حتى نسي كيف يبتسم،
تفحص العيادة بعينيه وكأنه جاء ليأخذ ماهو له، لاليطلب استشارةً مجانية خارج وقت الطبيب.
ملابسه داكنة، متناسقة بطريقة تزيد من قسوته
لا ادري لماذا شعرت انه لايشبه احداً اعرفه.
نظر الي نظرة لم أرَ فيها فضول الغريب، بل احتقار من اعتاد ان يزن الرجال من أول نظرة ثم يصدر حكمه عليهم،، واتمنى أن لايكون حكماً بالإعدام.
جلس بصمت لم يلتفت لايمينا ولاشمالاً
لم يتجول ببصره في العيادة الضيقة المتهالكة بل جلس كما جلس السيف في غمده ثم لايعتذر عن حدته.
أقنعت نفسي انها مجرد استشارة وأن الرجل عابر سبيل وأن في الدنيا رجالاً غلاظاً هكذا.
بدأ الرجل يعض على اسنانه ويتمتم بكلمات لا افهم منها شيئاً.
رغبت في الخروج او الهروب او التخلص منه باي طريقة.
نظرت الى الفتاة انتظر اي تفسير.. قالت ان والدها لم ينم منذ عدة ايام..
اها.. فعلا المشكلة بسيييته كما اخبرتني.
-سأعطيه حبوباً تساعده على النوم اذا رغب..
سأعطيه حبوباً تساعده على النوم إذا رغب.
قال بصوت منخفض، لكنه كان من الأصوات التي لا تحتاج أن ترتفع كي تُسمع:
أنا لا أريد أن أنام.
نظرت إلى الفتاة.
كانت تقف خلفه، تمسح دموعها بطرف عباءتها، وتحاول أن تقول لي بعينيها شيئًا لم تستطع قوله أمامه.
قلت:
طيب، لماذا لم تنم؟
سكت طويلًا.
ثم التفت إلى الباب، وإلى النافذة، وإلى الستارة التي لا تخفي شيئًا، كأنه يتأكد أن أحدًا لن يخرج من الجدار فجأة.
قال:
لأنهم ينتظرونني.
من هم؟
عض على أسنانه حتى برزت عضلات فكه، ثم قال:
الرجال الذين قتلتهم.
توقفت يدي فوق الوصفة.
لم أعرف هل كنت أمام اعتراف، أم تهديد، أم ضلالة، أم رجل قرر أن يودع سره عند أول طبيب صادفه.
الفتاة شهقت وقالت بسرعة:
بابا ما قتل أحد.
ضرب الرجل بقبضته على مسند الكرسي، فاهتزت الطاولة.
قال لها دون أن ينظر إليها:
لا تتدخلي.
في تلك اللحظة اختفت من رأسي كل العبارات الطبية المرتبة التي تعلمناها عن التقييم النفسي، ولم يبق إلا سؤال واحد شديد البدائية:
هل الباب قريب بما يكفي؟
حاولت أن يبدو صوتي ثابتًا.
قلت:
منذ متى تراهم؟
نظر إلي باستغراب، كأن سؤالي كان ساذجًا.
أنا لا أراهم.
ثم اقترب بجسده إلى الأمام، وقال:
أنا أسمعهم يحفرون.
قلت:
أين؟
أشار إلى صدره.
هنا.
ظل إصبعه فوق قلبه، ثم بدأ يطرق على صدره ببطء، طرقًا منتظمًا.
واحدة.
اثنتان.
ثلاثًا.
قال:
كل ليلة يحفرون قبرًا داخل صدري. وإذا نمت، سيدفنونني فيه.
لم يعد الرجل في عيني مصارعًا ولا جزارًا ولا لواءً متقاعدًا.
صار فجأة رجلًا مرعوبًا.
رجلًا ضخمًا جدًا، لكن خوفه كان أضخم منه.
سألته عن الأصوات، عن الأوامر، عن الأدوية، عن المواد، عن الأمراض، وعن احتمال أن يؤذي نفسه أو غيره.
كان يجيب أحيانًا، ويسكت أحيانًا، ثم قال جملة بدلت اتجاه الحديث كله:
— أنا لم أقتلهم بيدي.
— كيف؟
قال:
— أرسلتهم.
عرفت من ابنته لاحقًا أنه كان ضابطًا متقاعدًا، وأنه قضى سنوات طويلة يصدر أوامر لرجال أصغر منه، بعضهم لم يعد.
لم يكن يعرف أسماءهم جميعًا، لكنه كان يتذكر وجوههم كلما أغلق عينيه.
كان الناس يقولون له: أديت واجبك.
وكان يردد الجملة نفسها طوال عشرين سنة، حتى فقدت معناها.
بعد وفاة زوجته بشهر، توقفت الحواجز التي بناها في داخله عن العمل.
صار يسمع أصوات الجنود في الممرات.
يشم رائحة التراب في غرفته.
ويستيقظ واقفًا أمام باب المنزل، مستعدًا لاستقبال رجال ماتوا منذ زمن.
قلت له إن الأمر لا يبدو مجرد أرق، وإنه يحتاج تقييمًا عاجلًا ومتابعة حقيقية، وربما دخولًا للمستشفى إذا اشتد الخطر.
ابتسم للمرة الأولى.
لكنها لم تكن ابتسامة سخرية ولا رضا.
كانت ابتسامة رجل انكشف سره أخيرًا.
قال:
— كنت أعرف أنك ستقول إنني مجنون.
قلت:
لا. أقول إنك تعبت وحدك مدة أطول مما ينبغي.
تحرك شيء في وجهه.
شيء صغير جدًا، ربما ارتعاشة، وربما بداية بكاء نسي صاحبه كيف يبدأه.
نظر إلى ابنته.
كانت لا تزال واقفة خلفه، صغيرة أمام ظهره العريض، وكأنها تحمل جبلًا وتعتذر للناس عن ثقله.
مد يده نحوها دون أن يلتفت.
أمسكتها فورًا.
قال:
أنا أخفتك؟
لم تستطع الإجابة، فاكتفت بأن هزت رأسها وهي تبكي.
خفض الرجل رأسه.
وفي تلك اللحظة فقط، بدا لي أن دخوله الأول لم يكن دخول رجل يريد أن يأخذ ما هو له.
كان سقوط رجل ظل واقفًا أكثر مما يحتمل البشر.
في سنة من السنين، ارتأيت أن أبدا بتقييد ما يطرأ على فكري في ملاحظات هاتفي.. والنتيجة: ٣٦٢ ملاحظة لا أعرف رأسها من ذيلها، ولا كوعها من بوعها؛ فكلما فتحت واحدة تعجبت مما قرأت
ومن أعجبها هذا الذي كُتِب في ٢٠٢٢، في مشوار إلى الرياض ذهابًا وإيابًا بالباص، يتضح فيه سخطي من كل شيء
وش بتكون ردة فعلك لو علمت أن قائل:
"أعلل النفس بالآمال أرقبها ** ما أضيق العيش لولا فسحة الأملِ”
هو نفسه قائل:
"وحسن ظنّك بالأيام معجزةٌ ** فظنّ شرًا وكن منها على وجلِ”
كنا ذات يوم جلوس في ورشة عمل، والمحاضر يحاول تلطيف الأجواء ويسائلنا عما نقرأ من الكتب، فقفز أحدهم قائلًا: لست بقارئ، ولكن أختي قارئة نهمة لعلم النفس
فلما سأله المحاضر عن كتابها المفضل،
قال surrounded by idiots
It took him 3 seconds to realize
نعم، منذ فتحت عيني على الدنيا -ومثل أي طفل صغير- علمت أن رسالتي في هذه الحياة هي أن أحقق مستهدفات المنظومة الإستراتيجية وأن أعمل مع قطاعات متعددة لمواءمة رؤيتنا
مع ظهور أول شعرتَيْ شيب في رأسك، ورؤيتك لآمارات صنادح تكاد تتشكل، وتشخيصك بانزلاق غضروفي، لا يسعك إلا الوقوف أمام المرآة والتغني بما قال الشاعر، إذ يساؤل الدهر الذي كشر عن أنيابه بعدما كان ضاحكًا في وجهه: يا دهرُ ويحك ما عدا مما بدا ** أرسلت سهم الحادثات فأوجعا