روى ابن المبارك في "الزهد"، عن أنس بن مالك، أنه دخل على قوم يتذاكرون الحوض، فسألوه عنه فقال: (والله ما شعرت أني أعيش حتى أرى أمثالكم تشكون في الحوض! لقد تركت عجائز بالمدينة ما تصلي واحدة منهن إلا سألت ربها أن يوردها حوض محمد ﷺ).
اللهم أوردنا حوض نبيك ﷺ، واحشرنا في زمرته.
تواترت الأحاديث في إثبات حوض محمد ﷺ، وهي قطعية في ثبوتها ودلالتها، فهو حق وحقيقة، وقد حكم لها بالتواتر ابن عبدالبر وغيره، وهذا ظاهر لكل من نظر في نصوص الباب، وقد ألَّف بقي بن مخلد جزءً في ذكر من روى أحاديثها من الصحابة، وذيَّل عليه ابن بشكوال وغيره، فبلغت أكثر من رواية ٦٠ صحابيا
لن يبقى معك مما حفظتَ إلا ما فهمتَه وحفظتَه وكررتَه ثم أدمت مراجعتَه، قال الإمام الماوردي: (والعلوم وحشيَّةٌ تنفر بالإرسال، فإذا حفظها بعد الفهم أَنِسَت، وإذا ذكرها بعد الأنس رَسَت. وقال بعض العلماء: "من أكثر المذاكرة بالعلم لم ينس ما علم، واستفاد ما لم يعلم").
فإنَّ السلف في هاتين المسألتين قد توافروا توافرًا بيِّنًا مُتَّصلًا إلى القرن الأول على هذين الحكمين، في هيئةٍ وحالةٍ لا يمكن أن يكون أصلُها إلا توقيف عن الشارع.
والمثال على هذا الأمر كثير، ولكن أردت الإشارة.
قاعدة:
قال ابن رشد في "المقدمات": (العمل المتصل لا يكون أصله إلا عن توقيف). أي: عمل السلف المتصل، إلى القرن الأول؛ لا يكون إلا توقيفا.
وهذا كلام دقيق، فكم من مسألة اعتقادية أو فقهية لا نجد لحكم السلف عليها دليلا صريحا صحيحا عنه ﷺ، ومع ذلك يتوافر السلف على تلقي هذا الحكم بالقبول.
ويتأكد هذا الكلام في:
الباب الذي لا مدخل للرأي فيه.
والباب الذي يخالف الحكمُ فيه القياسَ.
- مثال ذلك في مسألةٍ اعتقادية:
إقعاد النبي ﷺ على العرش.
- ومثاله في مسألةٍ فقهية:
ما جاء مِن أن مَن أُصيب بقيء أو رعاف.. في صلاته؛ فإنه ينصرف ويتوضأ، ثم يعود ويبني على صلاته ولا يستأنفها.
لا يستحضر مُتكلِّمٌ في دين الله أنَّه بكلامه هذا يُخْبر عن الله مرادَه؛ إلا هاب هذا المقام، وأحجم عن كثيرٍ من الكلام والقول.
قيل لمالك: هذه مسألة خفيفة. فغضب وقال: (ليس في الدين خفيف).
ورضي الله عن الإمام الحبر ابن مسعود؛ سأله عثمان عن مسألة في الطلاق، فقال: (كيف يفتي منافق!).
صح عنه ﷺ وصفُه من لم يطلب العلم الذي جاء به بأنه: (لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل الهدى الذي جئتُ به).
فاحذر أن تكون ممن وصفهم النبي ﷺ بأنه لم يقبل العلمَ الذي جاء به، فتكون بذلك من المُعرضين، وقد حكى الله جزاء المعرضين بقوله: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا). أي: قبره.
الطرائق العلمية والمسالك المعرفية الموصوفة بأنها من "تسهيل العلم وتقريبه" غايتها أن تُفضي بالطالب إلى قدر يَصلح أن يكون معه من جملة المبتدئين في العلم، ثم عليه بعد ذلك بالجد والصبر على مشاقِّ العلم إن أراد الظَّفَر بالرسوخ والإمامة فيه، فليس في طُرُقِ الرسوخِ طريقٌ سهلٌ أو قريبٌ.
وفي هذا أبلغُ تخويفٍ لمن لا يدع عبادة قاصرة ولا غيرها إلا وأذاعها للناس بتصويرٍ أو غيره، فإنه وإنْ كان قَصْدُه ابتداءً قصدا حسنا؛ فهل سيأمن على قلبه بعد ذلك من غائلةِ رياءٍ أو تسميعٍ -قد لا يشعر بها- تُحبط عملَه كلَّه؟!
ألاَ فليرحم كلُّ أحدٍ منَّا نفسَه.
صح عن النبي ﷺ أنه سُئل عن الرجل يُجَاهد يُريد "الأجر"، ويريد "الذكر" -أي: ثناء الناس-، ما له؟ فقال ﷺ: (لا شيء له! إن الله لا يَقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وابْتُغِي به وجهه).
فانظر كيف نفى ﷺ الأجرَ عمن عمل العبادةَ وهو يريد الأجرَ؛ لمَّا أراد بها -أيضا- ثناءَ الناس!
أن لا يُقابل معروفَه بالنذر أن يفعل كذا وكذا، كأن يقول رجل لآخر أسدى له معروفا: "لله علي أن أكتب أرضي تلك باسمك". لأنه قد يقول ذلك وقت تجلي النفس وفرحها ثم تشح بعد ذلك، فيقع في الوعيد الذي يلحق من نذر ثم لم يفِ بنذره. ولكن ليقل: "جزاك الله خيرا" فإنه إن قال ذلك فقد أبلغ في الثناء
أورد ابن حجر في كتابه البلوغ تحت كتاب: "الأيمان والنذور" حديثَ: «من صُنع إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرًا فقد أبلغ في الثناء». وقد أشكل على الشراح وجه إيراده في كتاب "الأيمان والنذور"!
والذي يظهر لي أنه أراد أن يشير بهذا إلى أن المشروع للإنسان إذا فَعَل له أحدٌ معروفًا
ومن يحتج به على إسقاط فرضية ما عدا صلاتي العصر والفجر فليس بمسلم.
ورضي الله عن حذيفة حين قال: (..، وتقول فرقة: ما بال الصلوات الخمس؟! لقد ضل مَن كان قبلنا! إنما قال الله: "وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل" لا تصلوا إلا صلاتين.
حقا على الله أن يحشرهم مع الدجال). رواه الخلال.
حديث: "حافظ على العصرين" ضعيف سندا.
ولو صح، فتوضحه رواية ابن حبان: "حافظوا على الصلوات وحافظوا على العصرين". كنحو قول الله: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى".
وكل ذلك من باب عطف الخاص على العام لمعنى في الخاص، وهو هنا: التنبيه على فضلهما، وضيق وقتهما الذي يُخشى معه تفويتُهما.
التوسعة على النفس والأهل في أيام التشريق بالمباحات عمل مشروع، بل إنَّ الشارع قد أذن في اللهو فيها بما يحرم في غيرها عندما أباح فيها ضربَ الدفِّ والاستماع له، كما في الصحيحين: (أن أبا بكر رأى جاريتين تدففان عند النبي ﷺ، فانتهرهما. فقال ﷺ: "دعهما فإنها أيام عيد". وكانت أيام منى).
إنك ترى بعينك كيف أن الله يحيي الأرض بعد موتها، فتنبت الأرض -بأمره- زرعا مختلف ألوانه بعد أن كانت جُرُزا، وإنَّ مَن هذا شأنه -وشأنه أعظم- لن يُعجزه أن يُبدِّل شِدّتك إلى رخاء، وعسرك إلى يسر، فعليك بالدعاء، ومِن الله الإجابة.
واغتنم يومك الشريف هذا، فإنه حريٌّ أن تُستجاب فيه دعوتك
إدراكُ حكمِ أي نازلة شرعية يعتمد على أمرين:
- الأول: تحريرُك للباب الفقهي الذي تتعلق النازلةُ به، تحريرا ناتجا من خلال المتون الفقهية.
- الثاني: التصور الصحيح لصورة النازلة.
وكثير ممن يُخطئ في حكم النوازل، إما لأنه قد أَحكم الأول ولم يُحكم الثاني، أو أَحكم الثاني ولم يُحكم الأول.